نظام الفوترة الإلكترونية على طاولة البرلمان من جديد خطوة نحو إصلاح متوازن..
في خضم الجدل الدائر حول تطبيق نظام الفوترة الإلكترونية، عقدت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب أول أمس جلسة استماع مشتركة مع لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد.
واستمعت اللجنتان خلالها إلى رئيسة المجلس الوطني لعمادة الأطباء، بخصوص مقترح قانون يتعلق بتنقيح القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026، ومقترح قانون آخر يتعلق بتمديد آجال الامتثال للواجبات الخاصة بالفوترة الإلكترونية.
وواكب الجلسة رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة، الذي أثنى على منهجية العمل القائمة على التشاور والانفتاح، مشدداً على ضرورة مراجعة شاملة للنصوص التشريعية لضمان الانسجام والوضوح، ودعا المهن المعنية إلى تقديم ملاحظاتها أثناء مناقشة قوانين المالية، في الأثناء، أعرب ممثلو عمادة الأطباء عن مخاوفهم من هجرة الأطباء المتفشية بسبب عدم الاطمئنان المهني، مؤكدين التزامهم بالواجب الجبائي لكنهم يطالبون بشروط واقعية لتطبيق الفوترة الإلكترونية مع ضرورة اتباع التدرج في التنفيذ كما أبرزوا تعارضاً محتملاً مع مبدإ السر المهني، حيث يلتزم الطبيب بعدم الإفصاح عن معطيات المرضى الشخصية.
وأشاروا إلى مخاطر تتعلق بسرية البيانات بسبب توزيع التخزين بين مؤسسات عمومية وخاصة،ودعوا إلى نظام جبائي خاص بالمهنة يراعي خصوصياتها، مع تبسيط الإجراءات واعتماد صيغة شهرية لمذكرات الأتعاب بدلاً من اليومية، نظراً لضغط العمل. وأوضحوا أن تهرّم الأطباء يحدّ من جاهزيتهم للانخراط في المنظومة الرقمية، خاصة مع عدم توفر أنظمة تصرف إلكترونية في العيادات، وطالبوا بتخفيف العبء الجبائي، مشيرين إلى أن إخضاع الخدمات الطبية للأداء على القيمة المضافة غير معمول به إلا في بلدان محدودة.
في هذا السياق وفي تصريح لـ«الصحافة اليوم» أبرزت النائبة بالبرلمان بسمة الهمامي أن الفوترة الالكترونية تعد شكلا من أشكال الحوكمة والقضاء على الفساد ورقمنة الادارة يعتبر من الآليات الناجعة للقضاء على التسرّبات أو بمعنى أدق من آليات القضاء على الفساد .بالاضافة الى أنها نوع من التعامل البيني بين الوزارات والإدارات الذي يمكّن من تحقيق المصلحة بالسرعة المطلوبة .
ولفتت الهمامي إلى أهمية الفوترة الالكترونية في البناء على أسس صحيحة اذ تعد سلاحاً فعالاً لتعزيز الشفافية في كل المجالات والقطع مع تضارب المعطيات والأرقام معتبرة أن الرقمنة والحوكمة تمثلان احد أهم الملفات التي عرفت ركودا لسنوات وقد آن الأوان لتكون لدينا اليوم الإدارة السريعة التي تمكّن من قضاء مصالح المواطنين بالسرعة المطلوبة وأيضا تمكن من جلب الاستثمارات في كل الميادين.
من جهة أخرى شدّدت محدثتنا على أهمية الفوترة الالكترونية في التقليص من التهرب الضريبي في كل المجالات، معتبرة أن عنصر الرقمنة يشمل جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتشير الهمامي في الآن ذاته إلى أن الفوترة الالكترونية تندرج في سياق الإصلاح وضمن المشاريع الكبرى للدولة ولحمايتها باعتبار أنها ترتكز على بناء رؤية واضحة تستند لأرقام ومعطيات حقيقية لكن في المقابل هناك العديد من الأطراف لا تريد أن يتحقق هذا الإصلاح لأنه لا يتماشى ومصالحها الضيقة ،لذلك تؤكد الهمامي في هذا الصدد انه لا رجعة عن مسار الإصلاح في كل المجالات وعلى جميع الأصعدة .
في السياق ذاته، أكد بعض النواب توضيحات وزارة المالية بأن الأطباء غير ملزمين بتقديم معطيات المرضى، ويمكنهم اعتماد مذكرة أتعاب جماعية يومية دون ذكر أسماء، وهي آلية موجودة منذ 2016 كما اعتبروا أن التعلّل بضغط الوقت أو تهرّم الأطباء لا يبرّر عدم الانخراط، مشدّدين على مبدإ العدالة الجبائية. في المقابل، رأى آخرون أن الفوترة الإلكترونية إجراء مهم للحماية، لكن تطبيقها الفوري صعب بسبب غياب الجاهزية اللوجستية، خاصة للمهن الصغرى، ودعوا إلى اعتماد التدرج الزمني والمرحلي مع فترة انتقالية دون عقوبات. وقد ثمّن رئيسا اللجنتين دور الأطباء، مؤكدين إمكانية تعديل القوانين إذا ما ثبتت إشكاليات في التطبيق.
وبالعودة إلى نظام الفوترة الإلكترونية فإنّها تُعدُّ وفقاً لتقارير وزارة المالية والبلاغات الرسمية، سلاحاً فعالاً لتعزيز الشفافية الجبائية ومقاومة التهرّب الضريبي كما أنها تساهم في مكافحة الاقتصاد الموازي،إذ يقع من خلالها تحويل المعاملات المالية اليدوية إلى معاملات رقمية قابلة للتتبع الآني، مما يقلل من إصدار فواتير مزورة أو وهمية، التي تسهل التهرب الضريبي وتفتح باب الرشاوى والمعاملات المشبوهة، كما تربط عبرها الفواتير مباشرة بمنصات الضرائب، على اعتبار ما كانت الفواتير الورقية تتيحه من إمكانيات التزوير، وهو ما يجعل مراقبة كل المعاملات فورية وهو ما يحدّ بدوره من التلاعب أو التزوير أو أي نوع آخر من الفساد مهما كان نوعه أو قيمته.
تقنياً، يتطلب النظام بنية تحتية متكاملة لعلّ أهمّ دعائمها توفّر منصة إلكترونية لإصدار الفواتير ومنصة توقيع إلكتروني آمن بالإضافة إلى تنسيق شامل وتكامل تام مع أنظمة المحاسبة حتى يتمّ استيعاب عدد معاملات يتجاوز 400 مليون فاتورة سنوياً، مع أكثر من 800 ألف مؤسسة مسجلة، كما جاء في بلاغات الإدارة الجبائية وهو ما يحتاج لوجستياً إلى انتشار الإنترنت عالي السرعة، خاصة في الداخل،وتدريب الكادر البشري حتى يتسنى تحقيق هذا المشروع الرقمي الضخم.
وبالعودة إلى جلسة الاستماع آنفة الذكر، ورغم ما أعلنت عنه وزارة المالية وما أبدته من مرونة في التطبيق خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى، فإن مخاوف الأطباء حول السر المهني وتخزين البيانات تبرز حاجتهم لضمانات تقنية، مما حدا بالنواب إلى الدعوة إلى مقاربة تدريجية لضمان الجاهزية، كما في البلاغ البرلماني وهو ما يعني القول بأن هذا المشروع القائم على اعتماد نظام الفوترة الإلكترونية يواجه عقبات عديدة، أبرزها رفض المهن الحرة كالطب لمخاوف السرية، بالإضافة إلى افتقار المؤسسات الصغرى إلى الوسائل التقنية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات أو عقوبات (خطايا من 100 إلى 500 دينار لكل فاتورة، بحد 50 ألف دينار). بالإضافة إلى مخاطر أخرى، منها الثغرات السيبرانية والتي تهدد الخصوصية ناهيك عن الفجوة الرقمية بين الجهات والتكاليف الأولية في ظل الظروف الاقتصادية فضلا عن عدم جاهزية الأجهزة الرقابية مما قد يخل بالمساواة، وقد يؤدي سوء إدارة الانتقال إلى تراجع الثقة أو قضايا قانونية، كما حذر النواب.
من جهة أخرى، يتبيّن أن هذا المشروع ورغم تكلفته الأولية العالية والحاجة الملحة للعنصر البشري وما يحتاجه من تدريب مكثف، ورغم مخاطر استبعاد الفئات غير الرقمية ورغم مخاوف الخصوصية، كما في مخاوف الأطباء من تعقيد الإجراءات فإن من إيجابياته ـ لو يتحقق ـ أنّه سيساهم في تحسين التحصيل الضريبي،بما أنه سيعمل على تقليص التهرّب بالإضافة إلى توفير الوقت وتعزيز المناخ الاستثماري ليكون متوافقا مع المعايير الدولية، وهو ما سيدعم التنمية .
ختاماً، مثّلت هذه الجلسة خطوة حاسمة نحو إصلاح جبائي متوازن، يجمع بين طموح الرقمنة ومراعاة الواقع إذ أنّ اعتماد الفوترة الإلكترونية سيمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو دولة حديثة شفافة تحارب الفساد وتدعم التنمية.
العلاقات التونسية الدنماركية خطوة إضافية في مسار تعزيز الشراكة الإستراتيجية
مثّل لقاء وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، أول أمس، بمقر …










