انطباعات أوّلية عن الانتاجات الدّرامية لرمضان 2026 في تونس: بين رهانات التجديد و”كليشيهات” الاستسهال
شهدت الشاشة التونسية خلال هذه الأيام من شهر رمضان 2026 موسمًا دراميًا كثيفًا من حيث عدد الأعمال وتنوّعها، إذ توزّعت المسلسلات بين القنوات الوطنية والخاصة والمنصّات الرقمية، في مشهد يعكس تحوّلًا تدريجيًا في بنية الإنتاج التلفزيوني. غير أنّ الوفرة وحدها لا تكفي معيارًا للحكم؛ فالموسم كشف، بقدر ما أبرز مكامن تطوّر لافتة، عن اختلالات مزمنة في الكتابة والإيقاع وبناء الشخصيات
تمثّلت أولى السمات البارزة في تعدّد الأنواع: من الكوميديا الاجتماعية إلى الدراما النفسية والتشويق الأخلاقي. غير أنّ النجاح لم يكن موزّعًا بالتساوي، فالأعمال التي حظيت بتفاعل إيجابي واسع هي تلك التي راهنت على تماسك الحبكة وعمق الشخصيات وتطوّرها عبر الحلقات، بدل الاكتفاء بمراكمة الأحداث. وقد برزت في هذا السياق مسلسلات مثل “الخطيفة” واغيبوبةب واأكسيدونب بوصفها نماذج لدراما سعت إلى تفكيك الواقع الاجتماعي لا استنساخه سطحيًا. فقد اشتغلت هذه الأعمال بدرجات متفاوتة على مناطق رمادية وهي هشاشة الروابط الأسرية، صدمات الماضي، وأثر التكنولوجيا، وصراع القيم في مجتمع يتبدّل بسرعة.
ضعف السيناريو وسطحية الحوار
ولا تكمن ميزة هذه الأعمال فقط في الموضوع، بل في اقتصادها السردي؛ إذ بدا واضحًا الحرص على توزيع التوتر الدرامي بشكل تصاعدي، وعلى تجنّب الترهل الذي يميّز عادة الأعمال الممتدة على ثلاثين حلقة. كما أنّ الأداء التمثيلي جاء منسجمًا مع اختيارات إخراجية واعية بالفضاء وبالزمن الداخلي للشخصيات، ما منح بعض المشاهد كثافة شعورية تُحسب لصنّاعها وللممثلين الذين تقمّصوا الأدوار بكفاءة.
في المقابل، عانت أعمال أخرى من مشكلات بنيوية أبرزها ضعف السيناريو. فالتكرار والاعتماد على زالكليشيهس الاجتماعي ما يزالان حاضرين بقوة، خاصة في بعض الكوميديات التي تراهن على النكتة الظرفية بدل بناء موقف ساخر متكامل. فالموسم الثاني من اصاحبك راجلب، مثلًا، حافظ على شعبيته بفضل كيمياء الممثلين وقرب الشخصيات من المتلقي، وشهرة نجمه” كريم الغربي” لكنه وقع في فخ إعادة تدوير المواقف ذاتها، مما أضعف عنصر المفاجأة وأفقد السرد شيئًا من طزاجته. وهنا تتجلّى معضلة الإنتاج التلفزيوني حين يتحوّل النجاح الجماهيري إلى وصفة جاهزة تُكرّر دون مغامرة فنية.
في البحث عن الخلفية السينمائية
أما التجربة الأبرز من حيث الرهان الجمالي فكانت “المطبعة” للمخرج مهدي هميلي. وتقديرنا أنّ حضور مخرج ذي خلفية سينمائية منح العمل نفسًا بصريًا مختلفًا؛ إذ بدا الاشتغال على الإضاءة والديكور وحركة الكاميرا أقرب إلى الحسّ الفيلمي منه إلى التلفزيوني التقليدي. وقد عزّز هذا البعد الجمالي الطابع الإنساني للعمل، وسمح بتقديم شخصيات مركّبة تتحرك داخل فضاء رمزي يحيل إلى أسئلة الذاكرة والسلطة والمعرفة. غير أنّ بعض الملاحظات طالت إيقاع الحلقات الأولى التي بدت متأنية أكثر من اللازم بالنسبة لجمهور اعتاد نسقًا أسرع في الأعمال الرمضانية.
إن تركيز أغلب الإنتاجات على الخصوصية التونسية في اللغة والفضاءات والمرجعيات الاجتماعية، منحها صدقية وقربًا من المتفرج. غير أنّ هذا المكسب يتحوّل أحيانًا إلى مأزق حين يُختزل المحلي في صورة نمطية أو في تضخيم للهامشي على حساب التعقيد البنيوي للمجتمع.
على سبيل الخاتمة
ولعلّ النقطة المفصلية التي كشفتها الأعمال الناجحة هي أنّ الجمهور التونسي لم يعد يكتفي بالترفيه الخفيف، بل يبحث عن سرد يُحترم فيه ذكاؤه. فحين تتماسك الحبكة، وتُبنى الشخصيات على دوافع نفسية مقنعة، ويتوازن الحوار بين الواقعية والاقتصاد اللغوي، يتحقق التفاعل. أما حين تُختزل الدراما في صراخ أو مبالغات ميلودرامية، فإن النقد يكون قاسيًا، حتى لو حافظت نسب المشاهدة على ارتفاعها.
خلاصة القول إن موسم 2026 شكّل مختبرًا حقيقيًا لصناعة الدراما في تونس. لقد أظهر أن الطريق نحو نضج أكبر يمرّ أساسًا عبر تطوير الكتابة الدرامية، والقطع مع الحلول السهلة، ومنح المخرجين مساحة أوسع للتجريب البصري دون التفريط في متطلبات الإيقاع التلفزيوني.
ويبدو أنّ الدراما التونسية بين نجاحات لافتة وتعثرات واضحة، تقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة: مرحلة تُقاس فيها القيمة بعمق الرؤية لا بعدد الحلقات، وبقدرة العمل على طرح أسئلة مقلقة لا بإعادة إنتاج أجوبة جاهزة
ليالي رمضان في مسرح الحمراء زينب الفرشيشي وحاتم القروي ووئام البقلوطي في الموعد
يستعيد مسرح الحمراء بالعاصمة، خلال شهر رمضان، تقليده في مرافقة السهرات…











