2026-03-04

تونس بوابة الدواء إلى إفريقيا: حين تلتقي الدبلوماسية بالإستثمار الذكيّ

لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم تُقاس بعدد البيانات البروتوكولية ولا بصور الاستقبالات الرسمية، بل بقدرتها على فتح الأبواب الاقتصادية، واستشراف الفرص، وتحويل العلاقات السياسية إلى شراكات إنتاجية ذات مردودية ملموسة.

في هذا السياق، تندرج الندوة الافتراضية رفيعة المستوى التي انتظمت تحضيرًا لزيارة البعثة الاقتصادية من مقاطعة كيباك الكندية إلى تونس في أفريل 2026، كعلامة دالة على تحوّل نوعي في مقاربة العلاقات الخارجية، وعلى وعي متزايد بأن الاستثمار أصبح اليوم إحدى أذرع السيادة الوطنية.

تونس، التي كثيرًا ما وُصفت بأنها بلد صغير الإمكانات، أثبتت مرة أخرى أنها تملك من عناصر الجذب ما يجعلها قطبًا إقليميًا واعدًا، خاصة في قطاع استراتيجي كالصناعات الصيدلانية والبيوتكنولوجيا. هذا القطاع، الذي يجمع بين المعرفة، والبحث العلمي، والسيادة الصحية، لم يعد مجرد نشاط صناعي، بل رهانًا وطنيًا يرتبط مباشرة بالأمن الصحي، وبقدرة الدولة على التحكم في دوائها، وأسعار علاجها، واستقلالية منظومتها الصحية.

الاهتمام الكندي، وتحديدًا من مقاطعة كيباك، بالسوق التونسية، لا يأتي من فراغ. فـتونس راكمت خلال العقود الماضية تجربة صناعية معتبرة في مجال الأدوية، مكّنتها من تغطية حوالي 80 بالمائة من حاجيات السوق المحلية من حيث الحجم، ونحو 60 بالمائة من حيث القيمة. أرقام قد تبدو تقنية، لكنها في الواقع تعكس نضجًا تشريعيًا، واستقرارًا مؤسساتيًا، وكفاءة بشرية جعلت من هذا القطاع أحد أنجح قصص الصناعة التونسية.

لكن ما يمنح تونس أفضلية إضافية في نظر المستثمر الأجنبي، ليس فقط ما تنتجه، بل موقعها الجغرافي ودورها الوظيفي. فالبلاد تحوّلت، بحكم موقعها واتفاقياتها التجارية، إلى نقطة عبور طبيعية نحو إفريقيا، القارة التي باتت تمثل مستقبل الطلب العالمي على الدواء. السوق الإفريقية، بما تحمله من نمو ديمغرافي وحاجيات صحية متزايدة، لم تعد هامشية في حسابات المستثمرين، بل أصبحت هدفًا استراتيجيًا. وهنا بالذات، تقدم تونس نفسها كمنصة ذكية: إنتاج بمعايير أوروبية، كلفة تنافسية، نفاذ ميسّر إلى أسواق إفريقية ومتوسطية، وكفاءات علمية قادرة على التطوير والابتكار.

القطب التكنولوجي بسيدي ثابت، بما يضمه من هياكل بحث وتطوير، ليس مجرد منطقة صناعية، بل رمز لتحول أعمق نحو اقتصاد المعرفة. فهو يجسد انتقال تونس من منطق التركيب والتقليد، إلى منطق البحث، والابتكار، وإنتاج القيمة المضافة العالية. وهذا ما تبحث عنه الشركات الكندية، التي لم تعد تكتفي بالأسواق التقليدية، بل تسعى إلى شراكات تتيح لها التوسع، وتخفيض الكلفة، والتموقع في مناطق نمو جديدة.

الشراكة التونسية–الكندية في هذا المجال تحمل أكثر من بعد. فهي اقتصادية من حيث خلق مواطن الشغل، وجلب العملة الصعبة، ودعم الميزان التجاري. وهي اجتماعية من حيث تحسين النفاذ إلى الدواء، وتعزيز السيادة الصحية، وتثبيت الكفاءات العلمية داخل البلاد بدل دفعها إلى الهجرة. وهي كذلك استراتيجية، لأنها تضع تونس في قلب سلاسل القيمة العالمية في قطاع حساس، وتمنحها دورًا يتجاوز الاستهلاك إلى الإنتاج والتصدير.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المتقدم الذي بات يلعبه السلك الدبلوماسي التونسي. فالسفير لم يعد مجرد ناقل رسائل سياسية، بل صار فاعلًا اقتصاديًا، ومستكشفًا للفرص، وجسرًا بين الفاعلين المحليين والدوليين. التحرك الذي قامت به سفارة تونس بكندا، بالتنسيق مع وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، يعكس فهمًا عميقًا لوظيفة الدبلوماسية الحديثة، التي لا تنفصل فيها السياسة عن الاقتصاد، ولا التعاون عن التنمية.

مثل هذه المبادرات لا ينبغي أن تبقى أحداثًا معزولة، بل يجب أن تتحول إلى سياسة ثابتة، تُشجَّع وتُدعَم، لأن الاستثمار لا يأتي بالصدفة، بل يُصنع صناعة. وتونس، بما تملكه من رصيد بشري وتشريعي ومؤسساتي، قادرة على أن تكون أكثر من مجرد وجهة؛ قادرة على أن تكون شريكًا موثوقًا، ومنصة إقليمية، وبوابة إفريقية حقيقية.

في عالم يتنافس فيه الجميع على التموضع، تبدو هذه الشراكة مع كيباك خطوة في الاتجاه الصحيح: استثمار ذكي، قطاع استراتيجي، ودبلوماسية فاعلة. هكذا فقط يمكن للاقتصاد أن يتحول من أرقام جامدة إلى مشروع وطني جامع، يربط الداخل بالخارج، والحاضر بالمستقبل.

‫شاهد أيضًا‬

الأمن الطاقي أوّلًا: استراتيجيات لدعم استغلال الطاقات المتجددة

لا تحتاج تونس إلى مزيد من الندوات لتكتشف أن معضلتها الطاقية بلغت حدّ الإنذار، ولا إلى تقار…