2026-03-03

النهوض بالقطاع الفلاحي: بين التّحديات الراهنة والحلول الإستراتيجية

انعقدت جلسة عامة حوارية في المجلس الوطني للجهات والأقاليم موفى الأسبوع الفارط ، برئاسة عماد الدربالي، مع وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزالدين بالشيخ، لمناقشة سبل النهوض بالقطاع الفلاحي.

جاءت هذه الجلسة في سياق تحديات اقتصادية متزايدة،في الوقت الذي تشهد فيه تونس آفاق إصلاح واسعة في مختلف القطاعات، خاصة القطاع الفلاحي حيث يُعتبر حجر الأساس في الاقتصاد، بمساهمة تصل إلى %10 من الناتج المحلي الإجمالي وبقدرة تشغيلية تناهز أكثر من %15 من القوى العاملة ، هذه القيمة، أوْلَتْهُ حظوة هامة، جعلته يتصدر سلّم اهتمامات الدولة حيث يعرف ديناميكية ملحوظة على مستوى الرئاسة والحكومة والبرلمان ومجلس الجهات والأقاليم.

فإضافة إلى إشراف رئيس الدولة على لقاءات مباشرة مع وزير الفلاحة لمتابعة الموسم الفلاحي، التزاماً منه بضرورة تجسيد الأمن الغذائي، باعتباره ضامنا أساسيًا للسيادة ولاستقلالية القرار الوطني، تشهد أروقة قصر الحكومة حركية مماثلة ،إذ شهد مخطط التنمية 2030-2026 تركيزا خاصا على تعزيز الإنتاج الفلاحي عبر لجان عمل مشتركة، مع توفير دعم تمويلي يصل إلى 10 ملايين دينار لصغار الفلاحين بموجب قانون المالية 2026.

كما عرفت قبة البرلمان، نشاطا حثيثا من خلال عمل لجنة الفلاحة، التي عقدت جلسات استماع ماراطونية حول ما يخص القطاع، من ذلك النظر في إعادة هيكلة الأراضي الدولية، وتسوية الديون المتعثرة، وغيرها من الإشكاليات العالقة، كما يساهم مجلس الجهات في بلورة برامج جهوية ذات صلة، تتماشى مع خصوصية كل جهة. يأتي هذا في سياق ما يواجهه القطاع من صعوبات هيكلية تحول دون تحقيق الأهداف المأمولة، وهو ما تم تناوله في المناقشات، التي بحثت أيضا الحلول المقترحة لتجاوز تلك الصعوبات والعراقيل.

و بالعودة إلى الجلسة الحوارية التي انعقدت في المجلس الوطني للجهات والأقاليم دعا رئيس المجلس عماد الدربالي إلى «تعبئة وطنية شاملة» لإنقاذ القطاع، مشدداً على أن الإصلاح الزراعي المنشود يقتضي معالجة جذرية لملف الأوضاع العقارية المعقدة، حيث يعاني القطاع من تشتت الملكية وتعقيدات قانونية تعيق الاستثمار، وأشار إلى أن هذه الإشكاليات تقلل من نجاعة وفعالية الاستثمار وتحد من تحديث أساليب الاستغلال، مما يفاقم المشاكل والتحديات كتلك المتعلقة بالمناخ مثل التقلبات الجوية أو الشح المائي خاصة مع انحباس الأمطار وتأثيرها على صابة الحبوب وهو ذات الموضوع الذي نوقش في جلسة سابقة مشتركة مع لجنة الفلاحة بمجلس نواب الشعب، حيث أكد النواب على تفاقم الصعوبات بسبب المشاريع التنموية المعطلة، مثل بناء السدود والآبار، كما أشاروا إلى الآبار العشوائية التي تستنزف الموارد دون رقابة، مما يهدد الاستدامة البيئية.

وعلى صعيد آخر، يشهد قطاع الصيد البحري بدوره صعوبات ومشاكل جمّة، منها ارتفاع كلفة المحروقات واستنزاف الثروة السمكية، وهذان عاملان يعيقان التنمية، فضلا عمّا تواجهه الثروة الحيوانية من مخاطر التبعية للأسواق الخارجية بسبب نقص برامج التزود بالأعلاف، وهو ما انجرّ عنه ارتفاع كلفة الإنتاج، وتذبذب الأسعار، في ظل محدودية النفاذ إلى التمويل، يُضافُ إلى ما سبق، وضعية الأراضي الدولية الفلاحية، التي تبلغ 500 ألف هكتار، حيث أبرزت المناقشات ضعف التصرف بسبب خضوع الديوان لقانون وإجراءات الصفقات العمومية، مما يُبْطِئُ الاستغلال ويؤثر على المردودية والإنتاج، بالإضافة إلى ذلك، وفي السياق ذاته كشفت النقاشات عن تردي الخدمات في المركبات الفلاحية، حيث تعاني بدورها من نقص التجهيزات، واعتداءات وتجاوزات من قبل الخواص، مما أدّى إلى إهمال الضيعات وفقدان الإنتاجية.

في جانب آخر تم التداول بشأن الحلول المقترحة، فقد أكد وزير الفلاحة عزالدين بالشيخ أن «ملاذنا الوحيد لتحقيق الأمن الغذائي يتمثل في المراهنة على طاقاتنا البشرية والمالية مع الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، مثل تحلية المياه المالحة واستعمال المياه المعالجة وتثمين الموارد الجينية المحلية». وأضاف أن الخطط الاستراتيجية تهدف إلى تعزيز المناعة أمام التقلبات المناخية من خلال الاستخدام المستدام للموارد، وتطوير المنظومات الفلاحية لتحقيق تنمية متوازنة.

وفي نفس الإطار، تم اقتراح إقامة سدود جوفية وتكثيف تقنيات الاستمطار الصناعي لمواجهة الشح المائي، بالإضافة إلى إيجاد حلول للآبار العشوائية عبر إدخالها في مسار التنمية،كما تمت الدعوة إلى اعتماد آليات عملية لدعم صغار الفلاحين من خلال تمويل مباشر وشفاف، وإعادة الاعتبار للمنتج من خلال التشجيع والتحفيز وتذليل الصعوبات بما يضمن له كرامته واستمرارية الإنتاج. وعلى جانب آخر، المتعلق بالأراضي الدولية، اقترحت الجلسة تحيين الإطار التشريعي والتنظيمي وذلك بإعداد خارطة رقمية وطنية للأراضي بالتنسيق مع وزارة أملاك الدولة، وإسناد أولوية الاستغلال للشركات الأهلية مع مراعاة الموارد المائية و تعزيز الاستثمار في البحث العلمي الفلاحي وربطه بحاجيات الميدان، واعتماد تقنيات إنتاج تضمن الديمومة والاستمرارية.

تتزامن هذه الحركية النشيطة،مع ما تشهده بلادنا من مخططات إصلاحية وتنموية شاملة في كل المجالات، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي عبر دعم القطاعات المنتجة،خاصة تلك المتعلقة بتنمية القطاع الفلاحي بما يقلل الفوارق الجهوية ويحقق العدالة الاجتماعية و يكرّس استقلالية بلادنا ويضمن سيادتها.

‫شاهد أيضًا‬

التداول في سبل النهوض بقطاع زيت الزيتون على طاولة البرلمان نحو مقاربة تشاركية تحقق استدامة المنظومة وتطويرها

عقدت لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري بمجلس نواب الشعب،أول أمس جلسة استما…