شريط”نورنبرغ” للمخرج الأمريكي “جيمس فاندربيلت” قريبا في القاعات التجارية بتونس: هل كانت محاكمة النازية عادلة من قبل القوى الاستعمارية المنتصرة؟
يستعيد فيلم “نورنبرغ” (يمتد لأكثر من ساعتين) لحظة مفصلية في التاريخ المعاصر وهي أول محاكمة سياسية عالمية أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي انعقدت في مدينة نورنبرغ الألمانية لمحاكمة كبار قادة النظام النازي. تلك المحاكمات التي عُرفت تاريخيًا بـمحاكمات نورنبرغ لم تكن مجرد إجراء قضائي عابر، بل تأسيسًا لوعي قانوني دولي جديد، ولغةٍ حديثة لمفاهيم زجرائم الحربس وسالجرائم ضد الإنسانيةس.
لا يكتفي الفيلم، من خلال مقاربته الدرامية المحكمة بإعادة تمثيل الوقائع، بل يضع المشاهد في قلب سؤال العدالة نفسها: هل كانت تلك المحاكمة فعل إنصافٍ كوني، أم أنها كانت ذ في جانب منها ذ تكريسًا لسطوة المنتصر على المهزوم؟ هنا تكمن أهمية العمل؛ فهو لا يبرّئ النازية ولا يخفف من فظاعة جرائمها، لكنه يوسّع زاوية النظر، كاشفًا هشاشة الخطاب الأخلاقي حين يُحتكر من طرف واحد.
إدانة النازيةة وفضح حدود الخطاب الأخلاقي
يقدّم الفيلم صورة واضحة عن بشاعة المشروع النازي، عن الإبادة المنهجية التي استهدفت اليهود في معسكرات الموت، وعن الاحتلال الدموي لبلدان أوروبية عديدة. ولا يساوم العمل في توصيف تلك الجرائم، ولا يُغرقها في رمادية أخلاقية زائفة. غير أنّ قوة الفيلم تكمن في أنه لا يسمح لخطاب الإدانة بأن يتحوّل إلى ذريعة لطمس الأسئلة الأخرى.
فبينما تُرفع شعارات العدالة باسم الإنسانية، يذكّرنا السرد السينمائي بأن قوى دولية عديدة ذ شاركت في المحاكمة ذ كانت هي نفسها تمارس سياسات استعمارية وإمبريالية في مستعمراتها. هكذا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا: فالنازية شرٌّ مدان بلا مواربة، لكن إدانتها لا تُعفي المنتصرين من مساءلة ذواتهم. فالتاريخ، كما يقترح الفيلم، لا يُختزل في ثنائية الأبيض والأسود، بل يُكتب غالبًا بيد من امتلك القوة والسلاح والمنبر.
ومن خلال هذا المنظور، يطرح العمل سؤالًا مؤرقًا: من يملك حق تعريف الشر؟ وهل يمكن للعدالة أن تكون عالمية حقًا إذا كانت خاضعة لميزان القوى؟ إنّ إدانة النازية ضرورة أخلاقية، لكن تجاهل الطابع الاستعماري والإمبريالي لبعض القوى الدولية يهدّد بتحويل العدالة إلى أداة سياسية.
الطبيب النفسي والمحامي: هندسة الاعتراف
في قلب البناء الدرامي يبرز صراع ذهني ونفسي بين المتهم النازي ذ الذي أدّى دوره ببراعة راسل كرو ذ وبين محامٍ بريطاني وطبيب نفسي يسعيان إلى استدراجه للاعتراف بمسؤوليته.
ويظهر المخرج الشخصية التي يجسدها “كرو” الذي اشتهر بدوره في فيلم”قلادياتور” بما هي عقل بيروقراطي بارد، يتكئ على منطق الطاعة والانضباط، ويتذرع بفكرة تنفيذ الأوامر. وهنا تتجلّى براعة السيناريو: فالشر لا يظهر كهيجان دموي منفلت، بل كنظام عقلاني يبرّر نفسه بلغة القانون والدولة.
ولا يكتفي الطبيب النفسي، من جانبه، (قام بالدور الممثل الأمريكي/المصري”رامي مالك” ببراعة) بتحليل اضطرابات شخصية، بل يحاول تفكيك البنية الذهنية التي تسمح بتحويل الإبادة إلى مهمة إدارية. وأمّا المحامي البريطاني فيمثّل وجهًا آخر للمعركة: معركة اللغة. فهو يدرك أن الاعتراف ليس مجرد إقرار قانوني، بل لحظة انهيار خطاب كامل. اعتراف المتهم يعني سقوط أسطورة زالواجب الوطنيس التي احتمى بها.
تتقدّم المواجهة كرقصة بطيئة بين الإنكار والتشكيك، بين التبرير والمساءلة. ومع كل جلسة، ينكشف أن العدالة ليست فقط في إصدار الحكم، بل في تعرية المنطق الذي أنتج الجريمة.
سطوة المنتصر وحدود العدالة
لا يغفل الفيلم عن الإشارة إلى أن منصة القضاء نفسها ليست معزولة عن السياسة. فالمنتصرون هم من صاغوا لائحة الاتهام، وهم من حدّدوا تعريف الجريمة، وهم من امتلكوا حق إصدار الحكم. وهنا يتبدّى وجه آخر للمحاكمة: عدالة ضرورية، لكنها مشروطة بميزان القوى. ويلمّح العمل من خلال مشاهد دقيقة إلى أن غياب مراجعة شاملة للسياسات الإمبريالية بعد الحرب ساهم في إعادة إنتاج أسباب النزاعات لاحقًا. فالاحتلال، وإن اختلفت شعاراته، يولّد مقاومات، والقمع ذ مهما تلون ذ يزرع بذور عنف جديد. وإن تجاهل هذه الحلقة المفرغة هو ما يجعل التاريخ يعيد نفسه بأشكال أخرى قد تكون أكثر فظاعة وهو ما رأيناه في غزة مؤخّرا.
بين الذاكرة والتحذير
ينجح زنورنبرغس في أن يكون أكثر من فيلم تاريخي. إنه تأمل في معنى العدالة، وفي هشاشة الخط الفاصل بين القانون والسياسة. إنه يذكّرنا بأن إدانة النازية واجب أخلاقي لا يقبل المساومة، لكن الواجب ذاته يفرض مساءلة كل أشكال الهيمنة، أيًّا كان مصدرها. وبهذا المعنى، يصبح زنورنبرغس فيلمًا عن الحاضر بقدر ما هو عن الماضي؛ عن مسؤوليتنا في ألا نسمح للتاريخ أن يتحول إلى أداة تبرير، بل أن يبقى مجالاً دائمًا للمساءلة.
وللتذكير فإن فيلم نورمبرغ (Nuremberg) من إنتاج 2025 وقد أُنجز بواسطة المخرج الأمريكي جيمس فاندربيلت (James Vanderbilt)، الذي كتب السيناريو أيضاً واستند في العمل على الكتاب التاريخي The Nazi and the Psychiatrist
برمجة سينمائية رمضانية خاصّة بمدينة الثقافة: ثلاثية الصحراء لـ “الناصر خمير” وسهرة في فنّ الحكي ضمن البرنامج
ضمن برمجتها الرمضانية لشهري فيفري ومارس 2026، تفتح المكتبة السينمائية …












