2026-03-01

شريط”نورنبرغ” للمخرج الأمريكي “جيمس فاندربيلت” قريبا في القاعات التجارية بتونس: هل كانت محاكمة النازية عادلة من قبل القوى الاستعمارية المنتصرة؟

يستعيد‭ ‬فيلم‭ “‬نورنبرغ‭” (‬يمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ساعتين‭) ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬وهي‭ ‬أول‭ ‬محاكمة‭ ‬سياسية‭ ‬عالمية‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬والتي‭ ‬انعقدت‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نورنبرغ‭ ‬الألمانية‭ ‬لمحاكمة‭ ‬كبار‭ ‬قادة‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭. ‬تلك‭ ‬المحاكمات‭ ‬التي‭ ‬عُرفت‭ ‬تاريخيًا‭ ‬بـمحاكمات‭ ‬نورنبرغ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬قضائي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬تأسيسًا‭ ‬لوعي‭ ‬قانوني‭ ‬دولي‭ ‬جديد،‭ ‬ولغةٍ‭ ‬حديثة‭ ‬لمفاهيم‭ ‬زجرائم‭ ‬الحربس‭ ‬وسالجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانيةس‭.‬

لا‭ ‬يكتفي‭ ‬الفيلم،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقاربته‭ ‬الدرامية‭ ‬المحكمة‭ ‬بإعادة‭ ‬تمثيل‭ ‬الوقائع،‭ ‬بل‭ ‬يضع‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬سؤال‭ ‬العدالة‭ ‬نفسها‭: ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المحاكمة‭ ‬فعل‭ ‬إنصافٍ‭ ‬كوني،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منها‭ ‬ذ‭ ‬تكريسًا‭ ‬لسطوة‭ ‬المنتصر‭ ‬على‭ ‬المهزوم؟‭ ‬هنا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬العمل؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يبرّئ‭ ‬النازية‭ ‬ولا‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬فظاعة‭ ‬جرائمها،‭ ‬لكنه‭ ‬يوسّع‭ ‬زاوية‭ ‬النظر،‭ ‬كاشفًا‭ ‬هشاشة‭ ‬الخطاب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬حين‭ ‬يُحتكر‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭.‬

إدانة‭ ‬النازيةة‭ ‬وفضح‭ ‬حدود‭ ‬الخطاب‭ ‬الأخلاقي

يقدّم‭ ‬الفيلم‭ ‬صورة‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬بشاعة‭ ‬المشروع‭ ‬النازي،‭ ‬عن‭ ‬الإبادة‭ ‬المنهجية‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬معسكرات‭ ‬الموت،‭ ‬وعن‭ ‬الاحتلال‭ ‬الدموي‭ ‬لبلدان‭ ‬أوروبية‭ ‬عديدة‭. ‬ولا‭ ‬يساوم‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬توصيف‭ ‬تلك‭ ‬الجرائم،‭ ‬ولا‭ ‬يُغرقها‭ ‬في‭ ‬رمادية‭ ‬أخلاقية‭ ‬زائفة‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬قوة‭ ‬الفيلم‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬لخطاب‭ ‬الإدانة‭ ‬بأن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة‭ ‬لطمس‭ ‬الأسئلة‭ ‬الأخرى‭.‬

فبينما‭ ‬تُرفع‭ ‬شعارات‭ ‬العدالة‭ ‬باسم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬يذكّرنا‭ ‬السرد‭ ‬السينمائي‭ ‬بأن‭ ‬قوى‭ ‬دولية‭ ‬عديدة‭ ‬ذ‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬المحاكمة‭ ‬ذ‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬تمارس‭ ‬سياسات‭ ‬استعمارية‭ ‬وإمبريالية‭ ‬في‭ ‬مستعمراتها‭. ‬هكذا‭ ‬يصبح‭ ‬المشهد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭: ‬فالنازية‭ ‬شرٌّ‭ ‬مدان‭ ‬بلا‭ ‬مواربة،‭ ‬لكن‭ ‬إدانتها‭ ‬لا‭ ‬تُعفي‭ ‬المنتصرين‭ ‬من‭ ‬مساءلة‭ ‬ذواتهم‭. ‬فالتاريخ،‭ ‬كما‭ ‬يقترح‭ ‬الفيلم،‭ ‬لا‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬الأبيض‭ ‬والأسود،‭ ‬بل‭ ‬يُكتب‭ ‬غالبًا‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬امتلك‭ ‬القوة‭ ‬والسلاح‭ ‬والمنبر‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يطرح‭ ‬العمل‭ ‬سؤالًا‭ ‬مؤرقًا‭: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬تعريف‭ ‬الشر؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬للعدالة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عالمية‭ ‬حقًا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬خاضعة‭ ‬لميزان‭ ‬القوى؟‭ ‬إنّ‭ ‬إدانة‭ ‬النازية‭ ‬ضرورة‭ ‬أخلاقية،‭ ‬لكن‭ ‬تجاهل‭ ‬الطابع‭ ‬الاستعماري‭ ‬والإمبريالي‭ ‬لبعض‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬يهدّد‭ ‬بتحويل‭ ‬العدالة‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬سياسية‭.‬

الطبيب‭ ‬النفسي‭ ‬والمحامي‭: ‬هندسة‭ ‬الاعتراف

في‭ ‬قلب‭ ‬البناء‭ ‬الدرامي‭ ‬يبرز‭ ‬صراع‭ ‬ذهني‭ ‬ونفسي‭ ‬بين‭ ‬المتهم‭ ‬النازي‭ ‬ذ‭ ‬الذي‭ ‬أدّى‭ ‬دوره‭ ‬ببراعة‭ ‬راسل‭ ‬كرو‭ ‬ذ‭ ‬وبين‭ ‬محامٍ‭ ‬بريطاني‭ ‬وطبيب‭ ‬نفسي‭  ‬يسعيان‭ ‬إلى‭ ‬استدراجه‭ ‬للاعتراف‭ ‬بمسؤوليته‭.‬

ويظهر‭ ‬المخرج‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬يجسدها‭ “‬كرو‭” ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬فيلم‭”‬قلادياتور‭”  ‬بما‭ ‬هي‭  ‬عقل‭ ‬بيروقراطي‭ ‬بارد،‭ ‬يتكئ‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬الطاعة‭ ‬والانضباط،‭ ‬ويتذرع‭ ‬بفكرة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأوامر‭. ‬وهنا‭ ‬تتجلّى‭ ‬براعة‭ ‬السيناريو‭: ‬فالشر‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬كهيجان‭ ‬دموي‭ ‬منفلت،‭ ‬بل‭ ‬كنظام‭ ‬عقلاني‭ ‬يبرّر‭ ‬نفسه‭ ‬بلغة‭ ‬القانون‭ ‬والدولة‭.‬

ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬الطبيب‭ ‬النفسي،‭ ‬من‭ ‬جانبه،‭ (‬قام‭ ‬بالدور‭ ‬الممثل‭ ‬الأمريكي‭/‬المصري‭”‬رامي‭ ‬مالك‭” ‬ببراعة‭) ‬بتحليل‭ ‬اضطرابات‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬يحاول‭ ‬تفكيك‭ ‬البنية‭ ‬الذهنية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بتحويل‭ ‬الإبادة‭ ‬إلى‭ ‬مهمة‭ ‬إدارية‭. ‬وأمّا‭ ‬المحامي‭ ‬البريطاني‭ ‬فيمثّل‭ ‬وجهًا‭ ‬آخر‭ ‬للمعركة‭: ‬معركة‭ ‬اللغة‭. ‬فهو‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬إقرار‭ ‬قانوني،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬انهيار‭ ‬خطاب‭ ‬كامل‭. ‬اعتراف‭ ‬المتهم‭ ‬يعني‭ ‬سقوط‭ ‬أسطورة‭ ‬زالواجب‭ ‬الوطنيس‭ ‬التي‭ ‬احتمى‭ ‬بها‭.‬

تتقدّم‭ ‬المواجهة‭ ‬كرقصة‭ ‬بطيئة‭ ‬بين‭ ‬الإنكار‭ ‬والتشكيك،‭ ‬بين‭ ‬التبرير‭ ‬والمساءلة‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬جلسة،‭ ‬ينكشف‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الحكم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تعرية‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬الجريمة‭.‬

سطوة‭ ‬المنتصر‭ ‬وحدود‭ ‬العدالة

لا‭ ‬يغفل‭ ‬الفيلم‭ ‬عن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬منصة‭ ‬القضاء‭ ‬نفسها‭ ‬ليست‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭. ‬فالمنتصرون‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬صاغوا‭ ‬لائحة‭ ‬الاتهام،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬حدّدوا‭ ‬تعريف‭ ‬الجريمة،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬امتلكوا‭ ‬حق‭ ‬إصدار‭ ‬الحكم‭. ‬وهنا‭ ‬يتبدّى‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬للمحاكمة‭: ‬عدالة‭ ‬ضرورية،‭ ‬لكنها‭ ‬مشروطة‭ ‬بميزان‭ ‬القوى‭. ‬ويلمّح‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاهد‭ ‬دقيقة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬للسياسات‭ ‬الإمبريالية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬أسباب‭ ‬النزاعات‭ ‬لاحقًا‭. ‬فالاحتلال،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬شعاراته،‭ ‬يولّد‭ ‬مقاومات،‭ ‬والقمع‭ ‬ذ‭ ‬مهما‭ ‬تلون‭ ‬ذ‭ ‬يزرع‭ ‬بذور‭ ‬عنف‭ ‬جديد‭. ‬وإن‭ ‬تجاهل‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬المفرغة‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التاريخ‭ ‬يعيد‭ ‬نفسه‭ ‬بأشكال‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬فظاعة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬مؤخّرا‭.‬

بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتحذير

ينجح‭ ‬زنورنبرغس‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬تاريخي‭. ‬إنه‭ ‬تأمل‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬العدالة،‭ ‬وفي‭ ‬هشاشة‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬القانون‭ ‬والسياسة‭. ‬إنه‭ ‬يذكّرنا‭ ‬بأن‭ ‬إدانة‭ ‬النازية‭ ‬واجب‭ ‬أخلاقي‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المساومة،‭ ‬لكن‭ ‬الواجب‭ ‬ذاته‭ ‬يفرض‭ ‬مساءلة‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الهيمنة،‭ ‬أيًّا‭ ‬كان‭ ‬مصدرها‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يصبح‭ ‬زنورنبرغس‭ ‬فيلمًا‭ ‬عن‭ ‬الحاضر‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عن‭ ‬الماضي؛‭ ‬عن‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬في‭ ‬ألا‭ ‬نسمح‭ ‬للتاريخ‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تبرير،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مجالاً‭ ‬دائمًا‭ ‬للمساءلة‭.‬

وللتذكير‭ ‬فإن‭ ‬فيلم‭ ‬نورمبرغ‭ (‬Nuremberg‭) ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬2025‭  ‬وقد‭ ‬أُنجز‭ ‬بواسطة‭ ‬المخرج‭ ‬الأمريكي‭ ‬جيمس‭ ‬فاندربيلت‭ (‬James Vanderbilt‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬السيناريو‭ ‬أيضاً‭ ‬واستند‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬التاريخي‭ ‬The Nazi and the Psychiatrist‭ ‬

‫شاهد أيضًا‬

برمجة سينمائية رمضانية خاصّة بمدينة الثقافة: ثلاثية الصحراء لـ “الناصر خمير” وسهرة في فنّ الحكي ضمن البرنامج

ضمن‭ ‬برمجتها‭ ‬الرمضانية‭ ‬لشهري‭ ‬فيفري‭ ‬ومارس‭ ‬2026،‭ ‬تفتح‭ ‬المكتبة‭ ‬السينمائية‭ ‬…