‎حشرت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب العالم في حرب عبثية جديدة فجر السبت 28 فيفري 2026 وأطلقت عدوانا مشتركا مع الكيان الصهيوني على الجمهورية الاسلامية الايرانية، في لحظة فارقة، بدايتها وحيثياتها معلومة لكن نهايتها وتداعياتها أعقد وأكبر مما يمكن تخيّله.

‎إنها لحظة منتظرة وضعت حدّا لسلسلة من «العروض المسرحية» التي تم ترتيب بعضها في عواصم غربية وبعضها الآخر في واحدة من العواصم العربية، جمعت مفاوضين أمريكان وآخرين من  الجمهورية الاسلامية الايرانية بحضور «شهود زور» دوليين أحيانا للتفاوض حول برنامج طهران النووي، والحقيقة أبعد من ذلك بكثير.

‎الحقيقة التي يعلمها الجميع ويزدريها البعض ويتغاضى عنها البعض الآخر، وثمّة للأسف من يتلذّذها، هي استهداف إيران كقوّة صاعدة ـ لها ولشعبها الحق في تقرير المصير وفي امتلاك ناصية العلم والقوة ـ انخرطت مع دول أخرى في مشروع جديد يؤسّس لنظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب يقطع مع الأحادية ويضع نهاية لهيمنة وعربدة وبلطجة دولة بعينها، بل رئيس بعينه تنكّر لما توافقت عليه المجموعة البشرية وتجاوز منظمة الأمم المتحدة وأسّس مجلسا للسلام على المقاس لتصفية القضية الفلسطينية وتحدّى المؤسسات الأمريكية الديمقراطية العريقة وفي مقدمتها القضاء.

‎الحقيقة أيضا أن سردية الإدارة الأمريكية فيها استهانة كبيرة بالذكاء البشري، وعندما يتحدّث ترامب إلى العالم وإلى الشعب الإيراني مباشرة بعد بدء العمليات العسكرية واسعة النطاق في أرضهم ويقول لهم أن «ساعة حريتهم تقترب» وذلك بعد ساعات قليلة فقط من آخر جلسة للمفاوضات حول وقف وإجهاض البرنامج النووي لبلادهم، فإن النوايا واضحة والهدف مباشر لا علاقة له بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان والشعوب، فقط إسقاط النظام.

‎إن الحديث عن «إسقاط نظام» بالقوة، علاوة على تعارضه مع مبادئ القانون الدولي والعلاقات الدولية لا يستقيم في وضعنا الحالي لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني أبعد ما يكونان عن النموذج أو الراعي أو صاحب الأهلية في تقديم الدروس للشعوب ويكفي فقط استحضار جريمة الإبادة الحاصلة في فلسطين المحتلة وفي قطاع غزة على وجه التحديد منذ 7 أكتوبر 2023 حيث تجاوز عدد الضحايا الـ200 ألف بين شهيد وجريح، أضف إلى ذلك، ماذا سيستفيد الشعب الإيراني من تدمير دولته كما حصل في العراق وسوريا وغيرها أين كانت الخسارة مزدوجة، خسارة الديمقراطية وخسارة الدولة وبنيتها التحتية والمؤسساتية.

‎جانب آخر من الحقيقة تجاوزته حسابات أمريكا والكيان، ولا نتحدث هنا فقط عن مواقف الدول الرافضة للعدوان أو تلك المتحفظة بما فيها الدول الغربية الصديقة لهما ولكن أيضا ردة فعل طيف واسع من الشعب الإيراني الذي خرج أمس للشوارع والساحات للتعبير عن رفض العدوان، ونقول هنا دون مبالغة أن هناك عنصر قوة في إيران لم يستوعبه خصومها وحتى بعض المتابعين والمحللين يسيئون تقديره وهو العقيدة التي تتبناها هذه الأمة التي يغضب شعبها ويحتج بين الفينة والأخرى لكن خروجه عنها صعب كي لا نقول مستحيل.

‎إن حصيلة الساعات الأولى للعدوان على إيران صادمة ويجب التعاطي معها بكثير من الجد والمسؤولية وضبط النفس، وتظل الحكمة في إيقاف الحروب وليس في إطلاقها.

‎صحيح، لقد كانت بداية العدوان مؤلمة في الجانب الإيراني وتتحدث جهات رسمية في طهران عن سقوط العديد من الشهداء في صفوف المدنيين بالإضافة إلى استهداف مؤسسات سيادية بعينها ورموز في الجمهورية الاسلامية الايرانية، في المقابل أيضا فُتحت أبواب جهنّم على المنطقة، ووصلت الصواريخ الايرانية الى فلسطين المحتلة وأصابت كثيرا من المواقع الاستراتيجية في الكيان الصهيوني، والأسوأ من كل ذلك طالت الحرب أراضي عدد من الدول العربية التي لا ناقة لها ولا جمل في ما حصل..!

‎أجل اعتبرت إيران أن القواعد الأمريكية الموجودة في هذه الدول العربية أهداف عسكرية مباشرة مشروعة باعتبارها تعود لـ«العدو».

‎ومرّة أخرى تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من الجغرافيا على حساب الشعوب والأمم، وها هي تخوض حربا على دولة تبعد عنها آلاف الأميال وتسخّر جغرافيا دولا أخرى في خدمتها تماما كما حصل منذ قرن تقريبا سواء في الحربين العالميتين الأولى والثانية أو في غيرها من الحروب والنزاعات المسلحة الاقليمية التي جدت في مشارق الارض ومغاربها دون بلوغ الأرض الأمريكية ودون ان يحترق المواطن الامريكي مباشرة بنيرانها وهو ما يشجع على ما يبدو ساكن البيت الأبيض الجمهوري والديمقراطي على حدّ سواء على التمادي في استغلال وتوظيف الأزمات السياسية والاقتصادية لتظل الجغرافيا عاملًا أساسيًا يحمي مكانة أمريكا كقوة عظمى في العالم.

‎لقد بدأت الحرب بالفعل كما أسلفنا بعد فترة طويلة من التجييش ومن العسكرة ومن الاستعداد المادي واللوجستي المكلف لكن السؤال المشروع الآن هو حول مسار هذه الحرب وإمكانية توقفها بأخف الأضرار لأن الخسائر المحققة في اليوم الأول لا تعني شيئا بالمقارنة مع الخسائر المتوقعة في قادم الأيام وربما الأسابيع والأشهر والأعوام بالنسبة إلى الجميع دون استثناء فواهم من يعتقد ان حربا تنتهي بانتصار أحد أطرافها، الحرب التي يسقط فيها بنو البشر مهما كان تعدادهم والحرب التي يتعرض فيها الأمن والسلم الدوليين للتهديد هي جريمة ضد الإنسانية، جريمة يجب ايقافها الفوري ومحاسبه مقترفيها قبل فوات الأوان.

‎إن المطلوب من الجميع في هذه اللحظة الفارقة ضبط النفس ووقف هذه الحرب العبثية بشتى السبل والأخذ بعين الاعتبار المعطيات الموضوعية وخاصة بداية تشكل رأي عام وطني إيراني، ورأي عام قومي وانساني معاد لهذه المغامرة الأمريكية الجديدة غير محسوبة العواقب.

‫شاهد أيضًا‬

تونس عاصمة للسياحة العربية 2027.. مدخل للإقلاع من جديد

لم تكن جلسة العمل التي أشرف عليها وزير السياحة يوم الخميس الماضي والتي خُصّصت لمتابعة تنفي…