الأمن الطاقي أوّلًا: استراتيجيات لدعم استغلال الطاقات المتجددة
لا تحتاج تونس إلى مزيد من الندوات لتكتشف أن معضلتها الطاقية بلغت حدّ الإنذار، ولا إلى تقارير إضافية لتدرك أن العجز الذي بلغ 65 بالمائة من حاجياتها الوطنية لم يعد رقمًا تقنيًا يُدرج في جداول الميزانية، بل خطرًا استراتيجيًا يلامس جوهر الدولة وقدرتها على الاستمرار. جلسة لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وما حملته من أرقام صادمة ونقاشات متكررة، أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: لماذا ما تزال تونس تتحدث عن الانتقال الطاقي أكثر مما تُنجزه؟
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لم تعد الطاقة مجرّد محرّك للاقتصاد التقليدي، بل أصبحت وقود العصر الرقمي. الخوارزميات، الذكاء الاصطناعي، مراكز البيانات العملاقة، الصناعات الذكية، كلّها تلتهم كميات هائلة من الطاقة. الدول التي فهمت هذا التحول دخلت سباقًا محمومًا لتأمين مصادرها، لا فقط لضمان الإنارة والتدفئة، بل لحجز موقعها في اقتصاد الغد. أما الدول التي ما تزال تناقش التفاصيل، فتخاطر بأن تجد نفسها خارج اللعبة.
تونس ليست بلدًا فقيرًا طاقيًا. هذه حقيقة يعرفها المواطن البسيط قبل الخبير. الشمس الساطعة أغلب أيام السنة، الرياح القوية في الشمال والوسط، السواحل الطويلة القابلة لاستغلال طاقة الأمواج، السدود، النفايات القابلة للتحويل الطاقي، وحتى النقاش المؤجل حول الطاقة النووية… كلها عناصر تجعل الحديث عن العجز الطاقي أقرب إلى مفارقة تاريخية منه إلى قدر جغرافي. ومع ذلك، ما تزال مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي دون الطموحات، ودون الإمكانات، ودون الحاجة الملحّة.
اللافت في النقاشات المتكررة حول الانتقال الطاقي هو الانزلاق المستمر نحو سؤال «من ينتفع؟». المواطن أم الدولة أم المستثمر؟ سؤال مشروع في سياق الحوكمة، لكنه يتحوّل إلى عبء حين يصبح ذريعة للتعطيل. في لحظات التحول الكبرى، لا تُبنى السيادة على الخوف من الربح، بل على كلفة الانتظار. كل سنة تأخير تعني مزيدًا من التبعية للغاز المستورد، مزيدًا من الضغط على ميزانية الدولة، ومزيدًا من الارتهان لتقلبات الأسواق الدولية.
نظام اللزمات، الذي أُثير حوله الكثير من الجدل، ليس اختراعًا تونسيًا، بل آلية اعتمدتها دول عديدة لتسريع الاستثمار حين تعجز الدولة عن التمويل الذاتي. نعم، يجب مراقبته، وتعديله، وضمان ألا يتحول إلى ريع مقنّع، لكن تحويله إلى شماعة لتعطيل المشاريع لا يخدم أحدًا. الأمن الطاقي لا يُقاس فقط بمن يوقّع العقد، بل بقدرة الدولة على تنويع مصادرها وتقليص هشاشتها. في هذا المعنى، كل ميغاواط متجدد يُنتج داخل البلاد هو خطوة نحو السيادة، مهما كان المستثمر.
المفارقة المؤلمة أن تونس تتقاطع اليوم مع لحظة عالمية نادرة: إعادة توجيه الاستثمارات، بحث أوروبا عن شركاء طاقيين موثوقين، ضغط المناخ، والتحول نحو الطاقات النظيفة. مشاريع كبرى مثل الربط الكهربائي مع أوروبا ليست مجرد أوراق تقنية، بل فرص تاريخية لوضع البلاد على خريطة الطاقة المتوسطية. لكن الفرص لا تنتظر المترددين، والأسواق لا تصبر على الإدارات المعقدة.
الانتقال الطاقي ليس ملفًا تقنيًا محصورًا في وزارة أو لجنة برلمانية، بل مشروع دولة. مشروع يمسّ الفلاحة والصناعة والنقل والسكن والتعليم وحتى الصحة. النجاعة الطاقية وحدها قادرة على تقليص الطلب وخفض الكلفة، لكنها تحتاج إلى قرارات شجاعة، واستثمارات في العزل، بترشيد الاستهلاك، وتغيير أنماط الإنتاج. كل دينار يُستثمر هنا يوفر أضعافه في الدعم مستقبلاً.
الوقت ليس في صالح تونس، ولن يكون. العالم يتحرك بسرعة، ومن لا ينتج الطاقة سيشتريها بشروط الآخرين. كثرة الحديث عن التفاصيل، عن نسب الأرباح، عن التخوفات السيادية، قد تكون مريحة سياسيًا، لكنها قاتلة استراتيجيًا. المطلوب اليوم هو الانتقال من الخطاب إلى الفعل، من النقاش إلى الإنتاج، من الانتظار إلى القرار.
الأمن الطاقي ليس ترفًا، ولا ملفًا من بين ملفات أخرى. إنه القاعدة التي تُبنى عليها كل السياسات. من دونه، لا تنمية، ولا استثمار، ولا سيادة. وكما تقول التجارب الكبرى: الدول لا تُحاسَب على أخطائها بقدر ما تُحاسَب على ترددها. تونس تملك كل المقومات… وما ينقصها فقط هو أن تحسم أمرها.
واقع البطالة في تونس: من أجل استرجاع الثقة بين الدولة وطالبي الشغل
تعدّ البطالة من أكبر التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه تونس اليوم، حيث أضحت أزمة …












