2026-02-26

برمجة سينمائية رمضانية خاصّة بمدينة الثقافة: ثلاثية الصحراء لـ “الناصر خمير” وسهرة في فنّ الحكي ضمن البرنامج

ضمن‭ ‬برمجتها‭ ‬الرمضانية‭ ‬لشهري‭ ‬فيفري‭ ‬ومارس‭ ‬2026،‭ ‬تفتح‭ ‬المكتبة‭ ‬السينمائية‭ ‬التونسية‭ ‬أبواب‭ ‬قاعة‭ ‬الطاهر‭ ‬شريعة‭ ‬بمدينة‭ ‬الثقافة‭ ‬على‭ ‬دورة‭ ‬استثنائية‭ ‬تستعيد‭ ‬جزءًا‭ ‬حيويًا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬البصرية‭ ‬الوطنية‭. ‬

تتصدر‭ ‬البرنامج‭ ‬زثلاثية‭ ‬الصحراءس‭ ‬للمخرج‭ ‬الناصر‭ ‬خمير،‭ ‬وهي‭ ‬أعمال‭ ‬رسّخت‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬مدوّنة‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭ ‬بوصفه‭ ‬شاعر‭ ‬الصورة‭ ‬ومؤرّخ‭ ‬الروح‭. ‬تنطلق‭ ‬العروض‭ ‬بفيلم‭ ‬الهائمون‭ (‬1984‭) ‬في‭ ‬نسخته‭ ‬المرممة،‭ ‬وهو‭ ‬عمل‭ ‬تأسيسي‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬ثنائية‭ ‬الصحراء‭ ‬واللغة،‭ ‬وجعل‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحرف‭ ‬العربي‭ ‬رحلة‭ ‬وجودية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الفيلم‭ ‬مجرّد‭ ‬سرد‭ ‬حكائي،‭ ‬بل‭ ‬اقتراحًا‭ ‬بصريًا‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬بجذورها‭ ‬الميتافيزيقية،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬هويتها‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والسياسي‭. ‬ويتواصل‭ ‬المسار‭ ‬مع‭ ‬طوق‭ ‬الحمامة‭ ‬المفقود‭ (‬1991‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يستلهم‭ “‬خمير‭” ‬أجواء‭ ‬ابن‭ ‬حزم‭ ‬الأندلسي‭ ‬ليحوّل‭ ‬نصًا‭ ‬تراثيًا‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬حلمي‭ ‬يتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬العشق‭ ‬الصوفي‭ ‬مع‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭. ‬أما‭ ‬بابا‭ ‬عزيز‭ (‬2005‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬فتح‭ ‬أفقًا‭ ‬عالميًا‭ ‬أمام‭ ‬التجربة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حكاية‭ ‬درويش‭ ‬وطفلة‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬نحو‭ ‬لقاء‭ ‬روحي،‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬الصحراء‭ ‬عند‭ “‬خمير‭” ‬ليست‭ ‬جغرافيا‭ ‬بل‭ ‬مجازًا‭ ‬للعبور‭ ‬الداخلي‭. ‬وقد‭ ‬تمّت‭ ‬برمجة‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬في‭ ‬سهرات‭ ‬ليالي‭ ‬اليوم‭ ‬26‭  ‬وغدا‭ ‬27‭ ‬والسبت‭ ‬28‭ ‬فيفري‭ ‬الجاري‭.‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬إعادة‭ ‬عرض‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬نسخ‭ ‬مرممة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬وصل‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬بجمالية‭ ‬مغايرة‭ ‬للسينما‭ ‬السائدة،‭ ‬سينما‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬البطء‭ ‬التأملي‭ ‬وعلى‭ ‬قوة‭ ‬الصورة‭ ‬كحامل‭ ‬للفكر‭. ‬فالترميم‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬الألوان‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬للفيلم‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭ ‬داخل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭.‬

أحمد‭ ‬بنيس‭: ‬الصورة‭ ‬كوثيقة‭ ‬وحنين

كما‭ ‬تحضر‭ ‬أيضًا‭ ‬لمسة‭ ‬وفاء‭ ‬لروح‭ ‬مدير‭ ‬التصوير‭ ‬والمخرج‭ ‬الراحل‭ ‬أحمد‭ ‬بنيس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عرض‭ ‬فيلمه‭ ‬المحمدية‭ (‬1974‭) ‬في‭ ‬نسخة‭ ‬مرممة‭. ‬ويشكّل‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬القصير‭ ‬وثيقة‭ ‬بصرية‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬تونسية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تحوّل‭ ‬اجتماعي،‭ ‬ويبرز‭ ‬حساسية‭ “‬بنيس‭” ‬في‭ ‬التقاط‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬وأهمية‭ ‬بنيس‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬أفلامه‭ ‬الإخراجية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إسهامه‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬لغة‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬السبعينات‭ ‬والثمانينات‭. ‬وإعادة‭ ‬عرض‭ ‬زالمحمديةس‭ ‬اليوم‭ ‬تعني‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمدير‭ ‬التصوير‭ ‬كفاعل‭ ‬إبداعي،‭ ‬لا‭ ‬كظلّ‭ ‬خلف‭ ‬الكاميرا‭. ‬فالترميم،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬إنصاف‭ ‬لذاكرة‭ ‬تقنية‭ ‬طالما‭ ‬همّشتها‭ ‬القراءات‭ ‬السردية‭ ‬للتاريخ‭ ‬السينمائي‭.‬

حميدة‭ ‬بن‭ ‬عمّار‭: ‬السينما‭ ‬والالتزام‭ ‬الثقافي

وتختتم‭ ‬البرمجة‭ ‬بوقفة‭ ‬وفاء‭ ‬مع‭ ‬المخرج‭ ‬الراحل‭ ‬حميدة‭ ‬بن‭ ‬عمّار‭ ‬عبر‭ ‬عرض‭ ‬فيلمي‭ ‬الزيتونة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬تونس‭ (‬1982‭) ‬ووجدان‭ (‬2012‭).  ‬ويقدّم‭ “‬بن‭ ‬عمّار‭” ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الأول‭  ‬قراءة‭ ‬وثائقية‭ ‬لمعالم‭ ‬جامع‭ ‬الزيتونة‭ ‬ودوره‭ ‬الثقافي،‭ ‬رابطًا‭ ‬بين‭ ‬المعمار‭ ‬والهوية‭. ‬أما‭ ‬زوجدانس،‭ ‬فيمثّل‭ ‬امتدادًا‭ ‬لمسار‭ ‬فكري‭ ‬يشتغل‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬والإنسان،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬السينما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬تفكير‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬الجماعية‭.‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الاستعادة‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬ظلّ‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بالبحث‭ ‬الثقافي‭ ‬والتوثيق‭ ‬الحضاري،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬النزعات‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬الاستهلاكية‭. ‬

سهرة‭ ‬الحكي‭: ‬الجسر‭ ‬بين‭ ‬الشفوي‭ ‬والمرئي

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬البرمجة‭ ‬على‭ ‬العروض‭ ‬السينمائية،‭ ‬إذ‭ ‬تحتضن‭ ‬أيضًا‭ ‬سهرة‭ ‬زفن‭ ‬الحكي‭ ‬والصورة‭ ‬السينمائيةس‭ ‬مع‭ ‬الحكواتي‭ ‬يوسف‭ ‬البقلوطي‭. ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سهرة‭ ‬ليلة‭ ‬الجمعة‭ ‬13‭ ‬مارس‭ ‬وهذا‭ ‬الاختيار‭ ‬ليس‭ ‬تفصيلاً‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الجذور‭ ‬الشفوية‭ ‬التي‭ ‬تغذّت‭ ‬منها‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭. ‬فالحكاية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬صورة،‭ ‬كانت‭ ‬صوتًا‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬الشعبية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يكتسب‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الحكي‭ ‬والسينما‭ ‬بعدًا‭ ‬تأصيليًا‭ ‬يعيد‭ ‬للفن‭ ‬السابع‭ ‬علاقته‭ ‬بأمه‭ ‬الأولى‭: ‬السرد‭ ‬الشفوي‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬الخاتمة

في‭ ‬زمن‭ ‬تُستهلك‭ ‬فيه‭ ‬الصور‭ ‬بسرعة‭ ‬هائلة‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬تبدو‭ ‬مبادرة‭ ‬المكتبة‭ ‬السينمائية‭ ‬فعل‭ ‬مقاومة‭ ‬ثقافية‭. ‬فالترميم‭ ‬ليس‭ ‬ترفًا‭ ‬تقنيًا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لحماية‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬التلف‭ ‬والنسيان‭. ‬وإن‭ ‬عرض‭ ‬زالهائمونس‭ ‬وزالمحمديةس‭ ‬في‭ ‬نسخ‭ ‬مرممة‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ثمّة‭ ‬وعي‭  ‬بقيمة‭ ‬أرشيفها‭.‬

هكذا‭ ‬يتحوّل‭ ‬رمضان،‭ ‬شهر‭ ‬التأمل‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الذات،‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬لاستعادة‭ ‬ذاكرة‭ ‬الصورة‭. ‬وبين‭ ‬الصحراء‭ ‬التي‭ ‬حلم‭ ‬بها‭ ‬ناصر‭ ‬خمير،‭ ‬ومدينة‭ ‬أحمد‭ ‬بنيس،‭ ‬وزيتونة‭ ‬حميدة‭ ‬بن‭ ‬عمّار،‭ ‬تتشكل‭ ‬خريطة‭ ‬بصرية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬ليست‭ ‬هامشًا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفن‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬أحد‭ ‬نصوصه‭ ‬المؤسسة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

من عروض المسرح التونسي في المهرجانات الصيفية: “رقصة سماء” للطاهر عيسى بالعربي: عندما يخترق الحب الأزمنة والحدود

من بين الأعمال المسرحية التونسية الجديدة التي قدّمت على أركاح المهرجانات الصيفية ومنها مهر…