مشروع قانون حماية المعطيات الشخصية بالبرلمان: تحديث القانون من خلال حماية الخصوصية ومواكبة العصر الرقمي
في سياق التحولات الرقمية المتسارعة، يتجدّد النقاش داخل مجلس نواب الشعب حول مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، في محاولة لتحديث الإطار التشريعي الذي يعود إلى سنة 2004، وجعله أكثر انسجامًا مع التطورات التكنولوجية والالتزامات الدولية. ويأتي التداول في هذا المقترح في ظل تنامي استعمال المعطيات الشخصية في مختلف المجالات، خاصة الصحية منها، بما يطرح تحديات جدية على مستوى حماية الحياة الخاصة وضمان نجاعة المرفق العام.
وعقدت لجنة الحقوق والحريات أول أمس الثلاثاء جلسة استماع خُصّصت للنظر في مقترح القانون المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، بحضور ممثلة عن وزارة الصحة وعدد من النواب، حيث تم التأكيد على حساسية المعطيات الصحية وارتباطها المباشر بالكرامة الإنسانية والحق في الخصوصية والعلاج، مع ضرورة ضمان توازن بين الحماية ونجاعة المنظومة الصحية.
وينصّ المقترح على إخضاع معالجة المعطيات الصحية إلى ترخيص مسبق، وتنظيم آجال الاحتفاظ بها، وتقييد نقلها خارج البلاد، في إطار تكريس السيادة الرقمية دون المساس بالتعاون الدولي.
في المقابل، أثار النواب جملة من التساؤلات حول تأثير هذه الإجراءات على عمل المؤسسات الصحية والبحث العلمي، خاصة في ظل غياب هيئة حماية المعطيات الشخصية منذ 2024، وما قد يسببه ذلك من تعطيل في التراخيص. كما تم التطرق إلى تداعيات منع تخزين المعطيات خارج تونس، وضرورة تأطير نفاذ الباحثين الأجانب، إلى جانب إدراج المعطيات الجينية ضمن المعطيات الحساسة.
وأكدت ممثلة الوزارة أن المعطيات الصحية تبقى محصورة داخل المؤسسات الصحية ولا يُسمح بالاطلاع عليها إلا للإطار الطبي، مشيرة إلى دور المركز الوطني للإعلامية في إدارة وتأمين هذه البيانات، ومشددة على عدم تخزينها خارج التراب التونسي وفق التشريع الحالي.
في هذا الإطار أبرز النائب صابر المصمودي، وهو من أصحاب المبادرة في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن تونس ورغم ريادتها في إقرار قانون لحماية المعطيات الشخصية منذ سنة 2004، أصبحت اليوم أمام واقع رقمي جديد تجاوز ذلك الإطار التشريعي. وأوضح أن التحولات العميقة التي يشهدها العالم، على غرار المعالجة البيومترية، والذكاء الاصطناعي، وتوسع تبادل البيانات بين البلدان، واستعمال كاميرات المراقبة الذكية، إضافة إلى تنامي معالجة المعطيات الجينية والصحية، جعلت القانون الحالي غير قادر على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
وأضاف أن نص سنة 2004 لم يعد كذلك متلائماً مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس في مجال حماية المعطيات الشخصية، فضلاً عن الإشكال العملي المتمثل في غياب مجلس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية منذ سنة 2024، وهو ما أثّر سلباً على مسار إسناد التراخيص ومرافقة المؤسسات.
وبيّن المصمودي أن من أبرز ما جاء به المقترح الجديد هو الاستغناء عن عدد من التصاريح والتقليص من التراخيص المسبقة، في اتجاه تبسيط الإجراءات دون المساس بجوهر الحماية. كما ينص المشروع على إحداث وظيفة «المكلف بحماية المعطيات الشخصية» حيث تُلزم المؤسسات العمومية والخاصة بتعيين مسؤول مختص يشرف على احترام القانون داخل المؤسسة ويؤمّن التواصل مع الهيئة الرقابية.
وفي ما يتعلق بأجهزة المراقبة وكاميرات الفيديو، أوضح أن المقترح تجاوز منطق الترخيص المسبق المطلق، واعتمد نظام رقابة لاحقة بضمانات أوضح، بما يراعي ضرورات الأمن العام ويحفظ في الآن نفسه حق الأفراد في الحياة الخاصة.
أما بخصوص نقل المعطيات إلى الخارج، فأشار إلى أن المشروع أقرّ نظاماً ترخيصياً شفافاً، يشترط توفر مستوى حماية كافٍ في الدولة المتلقية أو اعتماد آليات تعاقدية تضمن حقوق الأشخاص المعنيين بالبيانات.
وأكد المصمودي أن المقترح يدعم صلاحيات الهيئة الرقابية، عبر تمكينها من سلطات التحقيق والمعاينة والتتبع وإصدار العقوبات المالية. كما يمنحها إمكانية إسناد «علامة سلامة المعطيات الشخصية» للمؤسسات الملتزمة بالمعايير التي تضبطها لمدة سنتين وهو ما يعفيها خلال تلك الفترة من بعض التراخيص.
وشدد على أن المشروع أدرج فرعاً خاصاً بمعالجة المعطيات لأغراض صحفية، ينص على إمكانية استثناء المعالجة الصحفية من بعض الالتزامات إذا كان تطبيقها يعيق حرية التعبير، وذلك في نطاق ما هو ضروري ومتناسب، إضافة إلى تخصيص فرع مستقل لمعالجة المعطيات الشخصية باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تأطيراً قانونياً واضحاً لهذه التكنولوجيا الحديثة.
يذكر ان لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب عقدت مؤخرا، جلسة استماع أولى مخصّصة لممثلي جهة المبادرة التشريعية لمناقشة مقترح القانون الأساسي لحماية المعطيات الشخصية.
وقدّم ممثلو جهة المبادرة عرضًا تفصيليًا لمحتوى القانون، موضحين أنّه يتألف من 132 فصل موزّعة على ستة أبواب، تشمل المبادئ العامة لمعالجة المعطيات الشخصية وحقوق الأفراد، وأنظمة المعالجة، وهيئة حماية المعطيات الشخصية، إلى جانب العقوبات، والأحكام الختامية والانتقالية.
مجموعة التّعاون البرلماني مع البلدان الآسيوية تعقد جلسة عمل مع وفد من البرلمان الأندونيسي : حركية متصاعدة للدبلوماسية البرلمانية
يشهد مجلس نواب الشعب في الفترة الأخيرة ديناميكية متنامية على مستوى الدبلوماسية البرلمانية،…












