لا مجال للتفويت في المؤسسات العمومية.. هكذا وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد النقاط على الحروف مرّة أخرى وتعهّد بمواصلة تطهيرها من «الفاسدين والمخرّبين» مستشهداً باستعادة مؤسسات وطنية أخرى لنشاطها مثل شركة السكر بباحة ومعمل الفولاذ في منزل بورقيبة وذلك خلال زيارته مساء أول أمس الثلاثاء إلى شركة اللّحوم بالورديّة.

وقد وقف الرئيس على هول المشهد بشركة اللحوم التي يتساءل المرء عن صلوحية الفضاء في حد ذاته ليتم فيه إعداد مواد استهلاكية للمواطنين، أضف إلى ذلك ما ذكّر به شخصيا من «جرائم وصفقات مشبوهة موثّقة»، بل أكثر من ذلك، ثمّة مخططات حسب قوله استهدفت التفويت في الشركة عبر تغيير نظامها القانوني منذ التسعينات وهي ممارسات استمرت وتعمقت بعد سنة 2010.

واللاّفت في حديث رئيس الدولة أيضا الكشف عمّا يمكن اعتبارها جرائم وعمليات مشبوهة ومحاولات لخصخصة شركة اللحوم لفائدة الخواص والبنوك عبر تكريس الفساد فيها وإنهاكها وجعلها بالتالي لقمة سائغة سهلة الابتلاع من بارونات المال الفاسد في الداخل والخارج.

وكما هو معلوم، لا تمثل شركة اللحوم استثناء فأغلب المؤسسات العمومية ان لم نقل كلها، مرّت وما تزال بنفس المخططات وفشلت منظومات الحكم المتعاقبة في وقف النزيف فيها والمرور إلى إنقاذها على أسس سليمة.

والغريب أن المؤسسات العمومية التي تم التفريط فيها قبل سنة 2011 وخوصصتها أصبحت نماذج ناجحة ومربحة بيد الخواص وكأن هؤلاء الخواص يحملون مصباحا سحريا في زمن انتهت فيه المعجزات، في المقابل ساء حال المؤسسات الخاصة التي تمّت مصادرتها وتعيين موظفين عموميين سامين لتسييرها..

والأمر صعب الاستيعاب لا محالة، لكن فهم هذا «اللغز» بشيء من النزاهة والواقعية والمسؤولية ليس مستحيلا لأن سرّ النجاح على أيادي رجال الأعمال تحكمه الحوكمة الجيدة والانضباط وروح المسؤولية واحترام المقامات والكفاءات والمكافأة على الفعل الحسن ومحاربة الإفلات من العقاب، هذه الآفة التي رذّلت العمل في المؤسسات العمومية وأفرغتها من كفاءاتها وكبدتها خسائر مادية فادحة وساهمت في ركودها وبلوغها حافة الإفلاس وفتح الباب أمام غلقها أو التفويت فيها كما اتفق.

ان ما تم نقله من مشاهد صادمة خلال زيارة الرئيس الى شركة اللحوم يبرز درجة الاستهتار واللامبالاة وغياب الشعور بالمسؤولية وغياب المبادرة والمتابعة والرقابة ولا يتعلق الموضوع بمسألة مادية أو لوجستية فحسب لأن تردّي النظافة وانتشار الأمراض والبنية التحتية المتهالكة بالمسلخ لا تستوجب ميزانية خاصة أو اعتمادات استثنائية أو انتدابات على المقاس من «المعارف والعائلة» وإنما إرادة قوية و«رجل مناسب في المكان المناسب» كما يقال.

إنّ ما ساهم في تهالك المؤسسات العمومية، إلى جانب العوامل الخارجية وأوضاع الاقتصاد العالمي والمنافسة الشرسة المقاربة التي تعاملت بها منظومات الحكم مع المرفق العام.

إن الأصل في الأشياء أن يتم اختيار كفاءات على رأس المؤسسات العمومية وفق برنامج عمل وعقد أهداف واضح المعالم والآجال مع منهجية واضحة في المتابعة والمرافقة والتقييم والمحاسبة والمساءلة في الإبّان.

ثانيا، لا يكفي تكليف «قائد» لمركب المؤسسة العمومية فقط، ولكن لابد من توفير الظروف المادية التي تسمح لهذا «القائد المكلف» بالانطلاق مباشرة في العمل الجاد أولا وتنفيذ الخطوات الضرورية للاقلاع من جديد.

وحتى يتسنّى العمل وفق خارطة الطريق المتفق عليها بين سلطة الاشراف وهذا القائد، لا مناص من ترجمة مقولة التطهير، أو أسلم من ذلك، قاعدة الحوكمة وعقلنة الإدارة وحسن توزيع الموارد البشرية والتخلص من الزائد منها إذا استحال تأهيلها وتعديل عقارب ساعاتها على الزمن الجديد للمؤسسة والقيام بانتدابات موجهة ضرورية بالمقاييس المهنية والحرفية النزيهة والشفافة، فالطابع الاجتماعي للدولة لا يعني بالضرورة تكديس اليد العاملة غير المختصة والفشل فوق كل ذلك في توظيفها.

لقد دفعت بلادنا ثمنا باهظا لموقفها المنتصر للمؤسسات العمومية وتعرضت لضغوط كبيرة من المؤسسات المالية وحتى من الدول الشقيقة والصديقة وهو في تقديرنا موقف وطني سليم اشتركت فيه السلطة والمنظمات الاجتماعية والغالبية الساحقة من الطيف المدني والسياسي وهو ما يمثل بيئة داخلية جد ملائمة تشرّع الحديث والتمسك بهذه المؤسسات بوصفها مكاسب وطنية.

وحتى لا نخسر مزيدا من الوقت ونراكم مزيدا من الصعوبات التي تخنق هذه المؤسسات وتدفعها الى الهاوية، لابد من تظافر الجهود والشروع الفوري في إنقاذها مهما كانت الصعوبات ومهما كانت التحديات، على أن يكون ذلك ضمن مقاربة شاملة لا جزئية تمس واحدة دون أخرى، ودائمة غير ظرفية وغير استعراضية تشمل جميع المؤسسات العمومية وهذه أقوم المسالك أمام هذا الوضع الصعب.

‫شاهد أيضًا‬

في محاربة الجريمة والعنف : الردع والوقاية خطّان متلازمان

أثمرت جهود أبناء المؤسسة الأمنية خلال الأيام القليلة الماضية ضبط زهاء مائتي شخص مفتش عنهم،…