أثمرت جهود أبناء المؤسسة الأمنية خلال الأيام القليلة الماضية ضبط زهاء مائتي شخص مفتش عنهم، وحجز كميات متفاوتة من الأقراص المخدرة ومخدر الكوكايين والقنب الهندي وجملة من المبالغ المالية المتأتية من الأنشطة الإجرامية في مختلف مناطق ولايات تونس الكبرى لوحدها دون الحديث عن بقيه الجهات في ربوع الوطن.

وأوضحت وزارة الداخلية وفق بلاغ صادر بصفحتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي أنّ عملها استهدف العناصر الإجرامية الخطيرة في مجالات ترويج المخدرات والسرقة باستعمال العنف «البراكاجات» وأخرى محل مناشير تفتيش والمطلوبة للعدالة.

وذكّرت الوزارة أن هذا العمل وغيره يأتي في إطار التصدي لكل مظاهر الجريمة والإخلال بالأمن العام، والأهم من ذلك أن العمليات الأمنية «ستكون مستمرة في الزمن» وستشمل جميع الفضاءات العامة والأحياء السكنية ومحيط المؤسسات التربوية لحماية المواطن والمحافظة على مناخ الأمن والاستقرار في كافة أنحاء البلاد.

هي خطوة في الاتجاه الصحيح، بملاحقة المفتش عنهم من المجرمين والمشتبه بهم المتسببين في انعدام الأمن في المجتمع وفي بث حالة من العنف والفوضى والاحتقان وحتى من انعدام الثقة في الدولة ومؤسساتها والخوف على النفس وعلى الأبناء والأقارب وغيرهم باعتبار ان الضرر لا يستثني أحدا مثل ما بينته وقائع الأيام والأسابيع الماضية حيث أصبح تسجيل حالات القتل والعنف المادي واللفظي و«البراكاج» خبزا يوميا وخبرا طبّع معه التونسيون للأسف..

ان الخيارات إزاء هذا الوضع ليست كثيرة، وأقوم المسالك لتحصين المجتمع وحمايته وتأمين مستقبل أجياله القادمة، السير في خطّين متلازمين هما الردع والوقاية اللذان يُعدّان من أهم الاستراتيجيات في مواجهة الجريمة والعنف داخل المجتمع ويكمّل كلٌّ منهما الآخر لتحقيق الأمن والاستقرار.

والردع كما هو معلوم يعني استخدام القوانين والعقوبات لمنع الأفراد من ارتكاب الجرائم خوفًا من العقاب، وهو ينقسم إلى ردع عام يهدف إلى تخويف عامة الناس من ارتكاب الجريمة من خلال تطبيق العقوبات بشكل علني وواضح، وردع خاص يركّز على منع الجاني نفسه من تكرار الجريمة عبر العقوبة أو برامج إعادة التأهيل.

وتكمن أهمية الردع في كونه يرسخ هيبة القانون ويحمي المجتمع من المجرمين ويحقق العدالة للضحايا ويقلل من معدلات الجريمة عند التطبيق العادل والسريع للعقوبات.

وهذا لا يعني أن الردع وحده يكفي، إذ أن التركيز على العقوبة فقط قد لا يعالج الأسباب الحقيقية للجريمة ويخلق ضغطا مضاعفا على المؤسسة الأمنية ويربكها ويمس صورتها ويضرب بالتالي مصداقيتها.

هنا لا مناص من الوقاية التي هي أهم من العلاج كما يقال، وهي تهدف ببساطة إلى منع وقوع الجريمة قبل حدوثها من خلال معالجة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وغيرها وفي ذلك ربح للمجتمع على جميع الاصعدة.

اجتماعيا، نحن بحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى الى دعم الأسرة وتعزيز دورها التربوي وتحسين مستوى التعليم وجودته واصلاحه اصلاحا جذريا، وتوفير فرص العمل للشباب ومكافحة الفقر والتهميش لأن الاوضاع الصعبة التي تعرفها بعض الفئات الاجتماعية والأحياء أو المناطق والقرى والمدن تمثل بيئة مناسبة ومغذية للجريمة التي لا يمكن أيضا اختزالها وتلبيسها للفقراء فقط فكم من جريمة يقف وراءها ويستفيد منها الاثرياء والميسورون..

وفي باب الوقاية دائما وخاصة في علاقة بالوقاية الأمنية تحديدا، يجب ان لا ننتظر توجيهات أعلى هرم السلطة أو وقوع جريمة هنا أو هناك حتى نعزز التواجد الأمني في الطرق والساحات وأمام المؤسسات وخصوصا منها المؤسسات التربوية..

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم في البيئة التونسية هو الى متى سيتم تجاهل أو لنقل الاستخدام المحدود للتكنولوجيا في مراقبة الجريمة ونتحدث هنا عن أجهزة الكاميرا التي يقع تركيزها في واجهة المحلات التجارية والتي يفترض أن ترصد تحركات المجرمين واعمالهم الاجرامية والتفكير في تعميمها في الفضاءات العامة.

ولأن الجميع مسؤولون كي لا نقول متهمون كما تقول العبارة الشهيرة فإن الوقاية الثقافية والاعلامية هي بنفس الدرجة من الأهمية، فنشر ثقافة التسامح ونبذ العنف وتوعية المجتمع بمخاطر الجريمة يجب ان تكون ضمن الاولويات وعلى جدول أعمال المؤسسات والمحامل الإعلامية كلها المكتوبة والسمعية والبصرية والالكترونية.

إننا في صورة تكامل الأدوار بين الوقاية والردع سنحقق بالضرورة نتائج إيجابية تتمثل في تقليل التكاليف المادية والبشرية للجريمة ومعالجة جذور المشكلة بدلا من الغرق في معالجة نتائجها والوصول في النهاية الى بناء المجتمع الآمن المتماسك.

إن مواجهة الجريمة والعنف لا تتحقق بـ«الضجيج» أو بالتعتيم أو بالعقوبات وحدها ولا بالتوعية وحدها في حال صمود الاسباب والمسببات، بل بتكامل الردع والوقاية ضمن رؤية شاملة تشارك فيها الدولة والمؤسسات والمجتمع بكل مكوناته.

‫شاهد أيضًا‬

وفاء للشهداء، إنتصارا للوطن ودفاعا عن الجمهورية المدنية: مواصلة الحرب المقدّسة على الإرهاب والإرهابيين

إن‭ ‬الخطر‭ ‬الإرهابي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬انحسار‭ ‬كبير‭ ‬لكنه‭ ‬مازال‭ ‬قائما‭ ‬ومحاربته‭ …