الذكرى الثالثة عشر لاستشهاد بلعيد : شخصية ملحمية أطفأها الإرهاب…
لم يكن شكري وجها عابرا في المشهد السياسي التونسي بل كان شخصية ملحمية عبرت كشهاب وانطفأت فجأة ذات صباح ممطر في مثل هذا اليوم منذ ثلاثة عشر عاما.
يومها استفاق التونسيون على أول اغتيال سياسي بعد الثورة وكانت الصدمة والذهول السمة البارزة للفاعلين السياسيين والنخب وعموم التونسيين أيضا الذين أدركوا لحظتها وربما بشكل فطري أن ما سبق 6 فيفري 2013 ليس كما بعدها فقد دشنت تونس مرحلة جديدة من تاريخها السياسي المعاصر.ولعلها دخلت نفقا مظلما من الصراعات والدسائس. ووجد طيور الظلام الأرضية مهيأة لتوجيه ضربات موجعة للدولة والمجتمع. ولم يكن اغتيال الشهيد شكري بلعيد سوى احد هذه الأهداف.
فقد كان الراحل مزعجا بالنسبة إلى خصومه السياسيين في مرحلة ما بعد الثورة فالرجل امتلك كل مقومات الشخصية الكارزماتية بامتياز وكان مؤثرا في المشهد السياسي وفاعلا فاعلا وكان الوحيد الذي يمتلك القدرة على توحيد الجبهة اليسارية لتكون وأزمة في سياق متعثر.
وربما لهذه الاعتبارات ولغيرها من العوامل الخارجية كان لابد أن يتم التخلص منه بتلك الصورة الدرامية التي صدمت التونسيين.
غير أن الشهيد بلعيد لم يكن من الشخصيات التي برزت فجأة بعد أحداث 14 جانفي فقد عرف طريقه إلى النضال منذ شبابه المبكر وكان معارضا لكل الأنظمة التي مرت بها تونس بعد الاستقلال منذ مرحلة حكم الزعيم الحبيب بورقيبة إلى مرحلة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وصولا إلى معركته الشرسة مع حركة النهضة وحلفائها الذين صعدوا أغلى سدة الحكم في أول انتخابات بعد الثورة التونسية.
وإذا الساحات الميادين والمنابر الإعلامية هي حلبة الصراع بين بلعيد وخصومه وقد كان فارسا بكل ما تعنيه الكلمة في هذه المرحلة فإن يد الغدر الجبانة التي لا تتقن فنون المنازلة الشريفة امتدت إليه لتنطلق رصاصة غادرة من سلاح شاب متطرف أردته قتيلا أمام بيته عندما كان يتأهب لصعود السيارة التي كانت في انتظاره.
أثبتت التحقيقات لاحقا إدانة من نفذ ومن ضغط على الزناد ونال الجناة المباشرون ما يستحقون لكن المسألة كانت أكثر تشابكا وتعقيدا فخلف الستار ثمة من حرض ومن خطط ومن مول ولكلهم جناة بدرجات متفاوتة.
ولعل تعقيد عملية الاغتيال يتقاطع مع طبيعة هذه الشخصية الملحمية المكتظة بالتفاصيل الإنسانية والرمزية. فشكري بلعيد الذي ينتمي إلى تونس الأعماق بكل ما تختزله هذه الكلمة من معان ودلالات سواء من خلال انتمائه الجهوي أو الطبقي أو الثقافي وهو ما جعله رديفا للفكرة اليسارية ذاتها يتحد مع عموم التونسيين في ملامحه ويشبههم في عفويته وكلماته التي تخرج من القلب وتنفذ إلى شغاف القلب.
فشكري بلعيد الذي رأت عيناه النور يوم 26 نوفمبر عام 1964 بجبل الجلود احد الأحياء الشعبية التونسية كان منتميا منذ لحظات العمر الأولى إلى عموم الشعب التونسي والذي اختار لاحقا مسار سياسيا متسقا مع تطلعاتهم وأحلامهم. كما كانت جذوره تعود إلى مدينة بوسالم التابعة لولاية جندوبة مؤشرا آخر دالا على انغماسه في تربة هذا البلد والتحامه بأهله. أما مهنة المحاماة فلم تكن سوى سلاحه لمواجهة كل أشكال الظلم والحيف ونجدة المستضعفين وقد مارسها بعقلية فارس نبيل أما بالنسبة إلى رحلة الحل والترحال التي خاضها في حياته فقد كانت منعكسة في انفتاحه الفكري وثقافته المتعددة وشخصيته الواثقة.
وربما لكل هذه الخصال كان مؤهلا ليكون وجها معبرا عن التونسيين وقائدا محتملا لتونس جديدة. لكن تلك الرصاصة الجبانة قضت على كل ذلك فانطفأت هذه الشخصية الملحمية فجأة كشهاب عابر.
المدرسة التونسية حصننا الأخير : انتبهوا أيها السادة …
العنف يتقدم داخل اسوار حرم المؤسسات التربوية ولم تعد الخشية فقط من وجوده خارج اسوارها. تما…









