لاشك ان تحميل المسؤوليات وثقافة المحاسبة هي حجر الزاوية في عمل المرفق العمومي عموما وفي القطاعات الحيوية على وجه الخصوص، وذلك حتى تتسنى خدمة المواطنين في ظروف طيبة ومريحة وبكفاءة ونجاعة وعلى أساس المساواة بين الجميع.
ولأن التعليم والصحة يعدّان من أبرز القطاعات التي لها صلة مباشرة بالمواطن فهو يتأثر بالتالي بشكل حيني عندما يتراجع مستوى الجودة في الخدمات التي توجهها هذه المرافق له. وليس هذا فحسب فثقة التونسيين في الدولة عادة ما ترتبط بأداء هذه المجالات بالتحديد.
والحقيقة أننا نطرح هذا الموضوع اليوم نظرا لأهميته القصوى واتساقا أيضا مع عديد الأحداث وآخرها ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إحدى الطبيبات التي امتنعت عن القيام بمهمتها في علاج مريضة مسنّة بدعوى غياب التدفئة في القسم الذي تعمل فيه وفي سياق متصل أيضا تم التداول بشأن تعنيف تلميذ من قبل معلّمة في احدى المدارس.
ورغم ان هذه الأحداث ليست بمثابة الظاهرة المكتملة من حيث الانتشار والتواتر إلا انه لا ضير من تمحيصها والتوقف عندها ومحاسبة كل من قصّر في أداء مهمته أو تراخى فيها أو من تجاوز حدوده. فلابد من تحميل المسؤوليات في مثل هذه الحالات ليواجه المعني بالأمر أفعاله أمام سلطة القانون وامام المجتمع أيضا فالمحاسبة ضرورية عندما يوجد تقصير او إخلال في المهمة المنوطة بعهدة العامل في هذه المرافق العمومية والالتزام بالقوانين وبالضوابط المهنية والأخلاقية والإنسانية أمر ضروري تماما مثل السعي الى إسداء الخدمات المطلوبة بشكل جيد وأداء حسن.
والحقيقة ان موضوع تحميل المسؤوليات كان دوما الشغل الشاغل لأعلى هرم السلطة الذي ما انفك يذكّر دوما المسؤولين من مغبّة التقصير والتراخي في العمل المنوط بعهدتهم كما ان رئيس الجمهورية يحرص دوما على إرساء ثقافة المحاسبة وفي كل مناسبة يؤكد على هذا داعيا الى ضرورة المساءلة كلما اقتضى الامر مؤكدا على انه من حق التونسيين جميعا وعلى قدم المساواة ان يتلقّوا الخدمات التي يوفرها المرفق العمومي في الصحة والتعليم والنقل وغيرها في كنف الاحترام وفي أفضل الظروف وأيسرها فالجودة في هذا المجال ضرورية وليست اختيارا وكل من يعمل في هذه المرافق عليه ان يعي أهمية هذه الأمانة التي يحملها وهي قطعا ليست مجرد وظيفة بقدر ما هي مسؤولية ثقيلة عليه ان يضطلع بها وفي حالة التقصير والتهاون يعرّض نفسه للمساءلة والمحاسبة بمقتضى القانون.
وهنا من المهم التأكيد على أن تحميل المسؤوليات من شأنه ان يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات العمومية فحين يستشعر التونسي ان هناك رقابة على المسؤولين وان امكانية مساءلتهم واردة بجدية وصدق تتعمق ثقته في الأجهزة الرقابية وفي الدولة عموما وتتحسن علاقته بالقائمين على المرفق العمومي ويتراجع منسوب التذمّر والشكوى.
كما ان تحميل المسؤوليات وتعزيز ثقافة المحاسبة من شأنه ان يقود الى القيام بإجراءات يمكن وصفها بالتصحيحية تنعكس إيجابا على جودة الخدمات المقدمة في قطاعات الصحة والتعليم والادارة وغيرها.
كما ان المحاسبة تعدّ مظهرا من مظاهر المساواة والعدالة وتتعارض مع منطق الإفلات من العقاب الذي ساد لمدة سنوات وربما عقود فمحاسبة المخطئ والمقصّر مهما كانت وظيفته او منصبه هي بمثابة حصانة ضد التمييز بين المواطنين وهي أيضا آلية للقطع مع الممارسات التي أدت الى خلق حالة من العطالة في أجهزة الدولة وفي المرافق العمومية التي تراجعت جودتها وتدهور أداؤها بسبب هذه العوامل.
كما ان انتشار ثقافة تحميل المسؤوليات تؤدّي حتما الى وجود مرافق عمومية مسؤولة وناجعة وتخلق أيضا بيئة مستقرة وجاذبة كذلك للاستثمار الداخلي والخارجي وتمنح المواطنين إمكانات تلقي الخدمات في افضل الظروف. ومعلوم ان جودة الخدمات المقدمة للمواطن ضرورة لرفاهية المجتمع.
والأكيد ان تحميل المسؤوليات هو العنوان الدّال اليوم في تونس وتفعيل ثقافة المحاسبة والشفافية أولوية وطنية وهي في قلب رؤية سياسية جديدة هدفها تحفيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإرساء دعائم دولة مؤسسات حافظة لكرامة المواطنين وضامنة للعدالة والمساواة.
«ضرورة اختصار كل ما هو إجرائي لإنجاز المشاريع المعطّلة» لا مجال للتّراخي..تونس لم تعد تحتمل الإنتظار..
إلى متى يتواصل هذا التراخي بشأن المشاريع الكبرى التي من شأنها تغيير الكثير من حياة التونسي…










