البلاغات الاعلامية الواردة من مختلف الولايات خاصة الشمال والشمال الغربي، كلها تبشّر بتقدم كبير في حصاد صابة الحبوب، وتبشّر ايضا بمحصول جيّد ووفير، مقارنة على الاقل بالسنوات الفارطة التي شهدت تراجعا كبيرا في الانتاج.

كما أن الهياكل المختصة كديوان الحبوب والمطاحن والمجمّعات، استعدت بدورها لانجاح الموسم وضمان تخزين جيد للحبوب، في انتظار الوسق والتوزيع الداخلي.

وكل هذه البوادر تجعل المتابعين يتفاءلون خيرا بالموسم، كما أنها تُبعد مؤقتا شبح النقص الحاد في الدقيق ومشتقات الحبوب، الذي عرفته بلادنا في مناسبات سابقة، والذي شكّل صدمة للرأي العام الداخلي والخارجي، الذي يرى التونسيين يقفون صفوفا بالساعات في انتظار الخبز او احد مشتقات الحبوب.

هذا التفاؤل لا يجب ان يحجب عنّا عدة حقائق لا بد من التذكير بها، وأولها ان صابة الحبوب حتى عندما تكون في  أوج وفرتها وفي حدها الأقصى، فان مردودها لا يكفي الا في حدود الأربعين الى خمسة وأربعين في المائة من استهلاك التونسي من الحبوب ومشتقاتها.

وثانيها أن أغلب صابتنا ان لم نقل كلها تقريبا من القمح الصلب، في حين ان صناعتنا الغذائية تعتمد كليا على القمح اللين (الفارينة) وهو ما يجعلنا نمر عبر عمليات تصدير وتوريد وبيع وشراء في السوق العالمية وما يعنيه ذلك من شمولنا بتقلبات هذه السوق وضياع كثير وقت وجهد وفارق عُملة في تأمين الغذاء للتونسيين باعتبار التشبث بعادات غذائية بالية كان بالامكان تغييرها لو توفرت الارادة الحقيقية لذلك.

وثالثها وهي الاهم، والتي تتعلق بمفهوم الامن الغذائي في علاقة بصابة الحبوب، فالكثيرون يعتقدون ان توفر صابة جيدة ومحصول وفير من القمح والشعير معناه أننا ضمنّا أمن شعبنا الغذائي، وأن لا خوف من نقص ولا من جوع. في حين ان الامن الغذائي منظومة متكاملة وتعد صابة الحبوب عنصرا فقط من عناصر عديدة تكونها، لعل أولاها الاستراتيجية الرسمية للدولة التي تحرص على تأمين شعبها ضد الجوع وضد النقص في مواد الاعاشة، بما يعنيه ذلك من انتاج محلي، واستيراد، وتخزين، وتوزيع ومسالك منظمة ومراقبة، وأسعار في المتناول، وحزم ضد كل من يفكر مجرد تفكير في الاحتكار او الغشّ او التلاعب في الاسعار، التي يجب ان  تكون محددة بضوابط علمية ومحسوبة بدقة متناهية كي تتناسب مع المعدل العام للدخل الفردي للمواطن، ويجب بالخصوص أن يكون للدولة وحدها احتكار تحديد الاسعار ومسالك التوزيع، لان أي خلل في هذين العنصرين معا او في أحدهما، سيضرّ مباشرة بقوت الناس ومصيرهم.

كما ان الامن الغذائي يحتوي ايضا على عناصر أخرى كالبذور والاسمدة وتخصيب التربة ونوعية الانتاج وتحسين السلالات والجينات ورسم مخططات انتاجية عشرية او خماسية وضمان مصادر المياه المتجددة، والتوعية بمخاطر التبذير، وخلق جيل جديد يعي جيدا التحولات العالمية في ميدان الغذاء ويفهم حسابات السوق الدولية وندرة الموارد في العالم بأسره، حتى يتكيف مع كل الاوضاع ويضمن أمنه الغذائي ولا يبقى رهين تحولات السوق او ابتزاز تجار الحروب ومنتهزي الفرص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

يمكن القياس عليها وتعميمها على سائر البلاد : خطة وطنية لضمان التزود بالماء الصالح للشرب

مع اشتداد موجة الحرّ، ومع الانطلاق الفعلي في الاستغلال المكثّف للماء، يبدو أن لا مناص امام…