2024-06-14

بين تونس وليبيا : أربعة تحدّيات أمام ديمومة فتح معبر رأس جدير

دخل محضر الاتفاق الأمني الخاص بإعادة فتح معبر رأس الجدير الحدودي الذي وقّعه وزيرا الداخلية التونسي خالد النوري والليبي عماد الطرابلسي أوّل أمس الأربعاء بإشراف رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، حيّز التنفيذ نظريا منذ يوم أمس الخميس 13 جوان 2024.

ونص المحضر الموقّع بين الجانبين كما صار معلوما، على فتح البوابات الأربع المشتركة بالمعبر لدخول المواطنين من البلدين وحلّ مشكلة تشابه الأسماء لمواطني البلدين، إضافة إلى الالتزام بفتح ستّة مراكز للتسجيل الإلكتروني لسيارات المواطنين الليبيين، وعدم فرض أي رسوم أو غرامات مالية غير متفق عليها بين سلطات البلدين وضبط المنفذ وعدم وجود أي مظاهر مسلّحة.

ويكتسي هذا الاتفاق الأمني أهميته من السياق الموضوعي الذي أُبرم فيه أولا، وثانيا من الانتظارات الكثيرة منه، سواء في الجانب التونسي أو الليبي فالانعكاسات السلبية لغلق المعبر لفترة طويلة هذه المرة عادت بالوبال على الجميع.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أنها ليست المرة الأولى التي تُقام فيها حفلات التوقيع وتُنشر محاضر الاتفاقيات الأمنية وتفاصيلها وتُلتقط الصور التذكارية بين مسؤولي البلدين دون أن يتم تجاوز الهنات والهزّات المتواترة التي تكون ردة الفعل إزاءها مباشرة غلق المعبر من هذا الجانب أو ذاك، لذلك فإن التحديات جسيمة في تقديرنا أمام الطرفين ويمكن تبويبها أو اختزالها في أربعة أبواب مترابطة ومتكاملة ولا يمكن تحقيق ديمومة فتح المعبر في رأس الجدير دون تحقيقها والالتزام بتنفيذها على الوجه الأكمل وفيها ما هو مستجد وفيها للأسف متوارث من منظومات الحكم السابقة.

التحدي الأول سياسي بامتياز، ويتمثل في توفر الإرادة السياسية الجريئة والواضحة والمسؤولة في جعل هذا الاتفاق الأخير الذي لا تراجع عن مضمونه مهما تكون الصعوبات في المستقبل ومهما تغيرت معطيات الحكم هنا وهناك.

التحدّي الثاني اجتماعي إنساني، فنحن على أبواب فصل الصيف والعطلة السنوية، ويعلم الجميع ان حجم التصاهر بين الشعبين التونسي والليبي هام للغاية وقد حرم إغلاق المعبر الكثير من العائلات من صلة الرحم وتبادل الزيارات والمصالح ويزداد الأمر تعقيدا عند استحضار أوضاع كثير من الأشقاء الليبيين الذين يأتون لتونس للتداوي أو الدراسة أو غيرها من الاستحقاقات ذات البعد العائلي..

ويقودنا ما هو اجتماعي إلى التحدّي الثالث الاقتصادي، فالمصلحة مشتركة بين الشعبين والبلدين، سواء بالنظر إلى الاقتصاد المنظّم باعتبار حجم المبادلات التجارية وكذلك المشاريع الاستثمارية أو الخدماتية الليبية في تونس أو العكس أيضا، أو بالنظر إلى ما يعرف بالاقتصاد الموازي وهنا لا يمكن حجب الشمس بالغربال كما يقال ونحن نرى قرى ومدن الجنوب التونسي مثلها مثل القرى والمدن في الجهة الأخرى من القطر الليبي تعيش تقريبا بفضل اقتصاد من نوع خاص علاماته واضحة وهي ما تسمّى «أسواق ليبيا» التي كان من المفروض ان تتحول إلى أسواق حرة رسمية ومشتركة بين البلدين وتتم التحويلات المالية فيها عبر البنوك والمؤسسات المالية السيادية وهذا ما تجب معالجته على مهل وبجدية لأن هذا الوضع غير الطبيعي لا يمكن أن يستمر إلى أبد الآبدين.

ومؤسف جدا أن تصبح بعض الثروات الطبيعية والصناعية وحتى الفلاحية، كالنفط والسلع الصينية في الجانب الليبي، والمواد الغذائية المدعومة في الجانب التونسي وسيلة لضرب الاقتصاد في الدولتين.

أخيرا، ثمة معضلة أو لنقل عقبة أمام تطبيع العلاقات نهائيا بين تونس وليبيا بسبب تركة المرحلة الماضية التي تلت ما بعد 2011، صحيح ان محضر الاتفاق الأخير وحتى محاضر الاتفاقيات السابقة لم تشر إليه مباشرة غير ان المتابع للشأن السياسي في البلدين ولتصريحات المسؤولين أيضا وكذلك بعض الملفات الأمنية والقضائية المتداولة هنا وهناك، يكتشف بسهولة ان ما يمكن تسميته بـ«المشكلة المالية» المرتبطة ببعض الملفات الصحية والسياسية تلقي بظلالها على الانفراج النهائي، ونتحدث هنا عن مصاريف التداوي في تونس من قبل الأشقاء الليبيين وكذلك بعض أموال هؤلاء الأشقاء خلال إقامتهم في بلادنا دون ان ننسى أموال بعض المسؤولين الليبيين الذين كانت لهم علاقات بتونس أو مرّوا بها في وقت من الأوقات كرئيس الحكومة السابق البغدادي المحمودي الذي فتح القضاء التونسي ملفّه للوقوف على حقيقة تسليمه سنة 2012 الى جهات ليبية مقابل ما قيل أنها صفقة مع منظومة «الترويكا» الحاكمة بقيادة النهضة آنذاك.

إن الأوضاع الراهنة والتطورات الإقليمية والدولية، تقتضي التعامل مع هذه التحديات بكل جرأة ومسؤولية حتى نفك الارتباط مع الارتجال ومع القرارات الاعتباطية التي وان كانت مبررة من الزاوية الأمنية الخاصة بكل بلد يريد الحفاظ على أمنه الداخلي وسلمه الأهلي، فانه لا مناص للبلدين وللشعبين من تخطي جميع العقبات وتكريس مقولة الساسة على الأقل بأننا شعب واحد في دولتين وهذا ليس بالأمر المستحيل اذا توفرت الإرادة السياسية بداية وتمت ترجمتها في الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بقرار استشاري غير مسبوق حول الإحتلال: «العدل الدولية» تنسف وجود الكيان الصهيوني..!

لا يختلف اثنان في أن القانون الدولي انعكاس لموازين القوى الدولية، وبالتالي فإن كل ما يصدر …