2024-01-31

قاضية وباحثة في ظاهرة الاتجار بالبشر : سريّة الأبحاث والقانون الزجري غير كافيين للحدّ من خطورة الظاهرة

أُعلن نهاية الأسبوع المنقضي أنه في إطار التصدي لظاهرة الهجرة غير النظامية وعلى إثر عمل استعلامي دقيق من طرف الوحدات الاستعلاماتية بمنطقة الحرس الوطني بصفاقس،تمكنت دورية تابعة للوحدات المذكورة معززة بالوحدات الاستعلاماتية بإدارة الاستعلامات والأبحاث من تفكيك شبكة مختصة في تهريب الأشخاص من دولة مجاورة باتجاه ولاية صفاقس وإيوائهم على مراحل والتوسط لفائدتهم للمشاركة في عمليات الإبحار خلسة كما تم ضبط عدد من الأجانب بأحد المنازل بالجهة .
هذه الظاهرة التي تطفو على سطح الأحداث من فترة إلى أخرى ، حاولنا فهم بعض أركانها القانونية والإجرائية حيث تحدثنا إلى القاضية والباحثة في قضايا الهجرة والاتجار بالبشر سمر الجعيدي والتي اعتبرت أن مثل هذه القضايا تتداخل فيها عديد القوانين المركبة التي تجعل منها جرائم معقدة وليست بسيطة كما يتصورها البعض تتطلب التروي والبحث المطول مشيرة الى أنه من الضروري عدم الإعلان عن تفاصيل مثل هذه الجرائم في بداياتها أي قبل انتهاء الأبحاث الأمنية والقضائية نظرا لخصوصيتها .

وأشارت محدثتنا الى أن مثل هذه الجرائم القديمة المستجدة في الواقع التونسي كانت نتاجا لتحولات سياسية وأمنية شهدتها البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن اذ تم تقديم عديد الدورات التدريبية والتكوينية للمختصين في معالجتها من قضاة ومحامين وأمنيين وغيرهم من مكونات المجتمع المدني العاملة في مجال الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر . وهو ما أتاح في ما بعد تكوين الكفاءات وتهيئتها للخوض بسلاسة في هذه المسائل . ولاحظت أن سرية الأبحاث في البداية تمثل شرطا أساسيا لتفكيك هذه الشبكات والحد من نشاطها ذلك أن عديد الضحايا لا يعلمون أنهم وقعوا ضحية لشبكات ومافيات التجارة بالبشر على الحدود كما أن القوانين التي يتم عن طريقها معالجة هذه الظاهرة تأخذ في الحسبان بعض الفرضيات التي تؤكدها أطوار الأبحاث وتتم مراعاة عدة جوانب في ذلك غير أن مدبري هذه الجرائم يتلقون عقوبات قضائية أكثر شدة من الضحايا سيما اذا تم تكييف القضية على أنها تدخل في خانة الاتجار بالبشر والتي قد تصل عقوبتها السجنية الى أكثر من 30 سنة .

ومن حيث الجانب الاتصالي الأمني عرجت الجعيدي على أن نشر معلومات عن بداية احباط مثل هذه الجرائم يعد تعديا على سرية الأبحاث وكان من الأجدر التروي في مد الرأي العام بالمعطيات الى حين الانتهاء من الأبحاث اذ في كثير من الحالات تتشابه هذه القضايا مع قضايا إرهابية تكون متشابكة من حيث تخطيط مدبريها للتسلل عبر الحدود بما أن هناك من يساندهم في عدة حالات سواء من بلد العبور أو بلد القبول عند اجتياز الحدود .
القاضية سمر الجعيدي بينت أنه من بين الحلول للحد من هذه الظاهرة مجهودات مشتركة لتوفير اليد العاملة النشطة في بلد عبور مثل تونس أي بإمكانهم العمل تحت الضوء وبالتالي خروجهم من الوضع الذي يمكن توصيفه بالهش باعتبار أن ذلك يمكن استغلاله من الجانب الإيجابي وتوفير الأطر القانونية الضرورية للحد من تداعيات ومآسي الإبحار خلسة والاتجار بالبشر على الحدود باعتبارها جرائم عابرة للحدود اذ أن عددا من هؤلاء الضحايا يتوجهون للعمل في بعض الجهات بطرق خفية حتى يتمكنوا في ما بعد من توفير الأموال التي تساعدهم على القيام بجريمة ثانية ألا وهي الإبحار خلسة نحو إيطاليا .

الجانب القانوني الزجري

القانون التونسي في علاقة بهذه الظاهرة أخذ في كل مرة خطوات زجرية أكثر صرامة إذ أن قانون سنة 1975 كان يتضمن عقوبة لهذه الجريمة بـ 15 يوما سجنا كعقوبة تدخل في خانة المخالفات إلى أن تم تنقيح القانون سنة 2004 لتصبح عقوبة اجتياز الحدود البحرية والبرية خلسة باعتبارها جناية في باب تنظيم وفاق إجرامي وعقوبتها تتراوح بين 3 و20 سنة سجنا .
وتم تنقيح القانون المذكور بعد اكتشاف أن هناك أشخاصا وعصابات يتعمدون الاتجار بالبشر وتنظيم رحلات الموت لمغادرة التراب التونسي خلسة نحوأوروبا . وفيما يعاقب الشخص المشارك في هذه العمليات على معنى الجنحة حيث لا تتعدى العقوبة 8 أشهر في أقصى الحالات إلا أنه في المقابل تصل عقوبة مدبّري ومنظمي هذه العمليات إلى 20 سنة سجنا في أقصى الحالات سيما إذا تم تسجيل حالة وفاة في هذه الرحلات نظرا لدورهم المباشر في هذه القضايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مع عودة التونسيين المقيمين بالخارج : الحواجز الضريبية وغلاء التذاكر تنغّص فرحتهم بالعودة إلى وطنهم

لطالما كانت تكاليف العودة للتونسيين المقيمين بالخارج مسألة مهمة وحساسة بالنسبة لشركات النق…