الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




عن خطاب التطهير و«فحيح الأفاعي»..!

لطفي العربي السنوسي

في ورقة سابقة وتعليقا على دعوة الرئيس قيس سعيد الى تطهير القضاء تحدثنا عن خطورة «خطاب التطهير» باعتباره خطاب فرز وإقصاء وقد يتحوّل حين تنزيله على ارض الواقع الى مطاردة للناس ومحاكمتهم على النوايا.. وقد تنتهك باسمه الاعراض والبيوت باقتحامها من باب التطهير الذي أذن به سيادته..

فالنوايا الطيبة قد تتحوّل الى ممارسات خطرة بل كارثية خاصة في مثل هذه السياقات المتوترة وفي مناخات مشحونة بالحقد والكراهية حيث الكل يتآمر على الكل وقد تحوّلت عناوين «التخوين» الى ما يشبه الصكوك التي توزع على الخصوم كلما استعصوا او كلّما تكلموا بما يخالف «توجيهات الرئيس». ويكفي ان تقول كلمة حق من باب النصح او النقد للرئيس حتى يلتف من حولك «ذباب» كان قبل 25 جويلية أزرق نعرفه ويعرفنا الى حد اصبحت بيننا وبينه «عِشرة وقيل وقال..» اما عن «الذباب» ما بعد 25 جويلية 2021 فلا هوية له ولا لون ولا رائحة.. وله قدرة عجيبة على الاذى وعلى تحويل الحق الى باطل او العكس..يتسرب اليك من «باب تخوينك» ان انت «تجرأت» على نقد خطاب الرئيس أو ذهبت في تأويله بما لا يرضي انتظاراتهم والتي لا نعرف ـ في الواقع ـ حدودها..

نخشى ـ كما يخشى التونسيون ـ من هذا «الذباب» الجديد الذي نهض لتوه متحدثا باسم حراك 25 جويلية وهو ـ كما اشرنا ـ ذباب بلا هوية حتى نعرف من هو ـ فكريا وسياسيا ـ على الأقل.. وهو يدّعي انتسابه الى الحراك والى قيس سعيد وينطق باسم «المفسرين لمشروعه» الذي لم نفهمه ـ صراحة ـ الى حد الآن بل هو يزداد غموضا والتباسا مع كل خطاب جديد..

نخشى ان يتحوّل هؤلاء الى «ميليشيات» تسند الى نفسها أدوارا لا أحد كلّفها بها بشكل مباشر بل هي قد تتطوع لتنفيذ «خطاب الرئيس» على أرض الواقع.. والكارثة التي نراها «ماثلة» تتجلى في خطر تطبيق «خطاب التطهير» كما دعا إليه الرئيس بتلك الحدّة سواء تعلق الامر بتطهير القضاء او تطهير الادارة كما تحدث عنها أول أمس في لقائه بوزير تكنولوجيا الاتصال وقد جاء على لسانه «ان الكثير من الادارات قد تحوّلت الى بؤر للتجسس وبأنه حينما تمشي في اي رواق كأنك تسمع فحيح الافاعي دون ان تراها.. فلا بد من تطهيرها ولا بد ان يعمل الجميع في كنف القانون لا أن يحولوها الى مركز للمخابرات كما حصل في السنوات الماضية..».

حديث الرئيس ـ هنا ـ فيه تعميم وفيه مغالاة وقد يفهم على انه دعوة مباشرة لتطهير الادارة من كل المخالفين له ومن كل المعترضين على حراك 25 جويلية وما عقبها من اجراءات وقد يتحوّل خطاب التطهير الى «حراك كامل» يتم بمقتضاه بعث «لجان تطهير» ـ استئناسا بتجارب سابقة ـ والتونسيون ـ صراحة ـ مبدعون في مثل هذه المبادرات ولهم الريادة في ذلك..

بحيث تتم اعادة الاعتبار للمخبرين والوشاة داخل الادارة التونسية وتتحول الوشاية الى تمرين يومي يمارسه «الوشاة القدامى» على زملاء العمل بحيث يطغى الاحساس بالخوف والريبة من الصديق ومن الجار ومن زميل العمل وتصبح المطاردة جماعية «لفحيح الافاعي» الذي تسمعه ولا تراه ـ على حد تعبير الرئيس قيس سعيد ـ والذي لا ندري من أين التقط هذه «الصورة» التي أسقطها على الادارة التونسية وعلى اروقتها التي تحوّلت كما اشار الى أروقة استخباراتية وبؤر للتجسس..

وفي هذا الكلام تعميم مجانب للصواب وقد يأخذه «مفسرو كلام الرئيس» مأخذ تأويل واسع يتحول كما اكدنا الى «حراك تطهير» بكامل الادارات التونسية فيؤخذ الناس بجريرة الآخرين ـ كما يقال ـ

صحيح ان وزارة تكنولوجيا الاتصال قد تحوّلت في الفترة الاخوانية الى بؤرة تجسّس وتنصّت على التونسيين وعلى السياسيين خاصة الا ان هذا لا يبرر «خطاب التطهير المعمّم» وللوزير الجديد في هذه الوزارة كل الصلاحيات التي تسمح له باعادة وزارة تكنولوجيا الاتصالات الى «دولة قيس سعيد» على ان لا تلعب نفس الدور الذي أوكل لها في الفترة الاخوانية..

نعود في الاخير الى «خطاب التطهير» ونحذّر من التأكيد عليه في كلام الرئيس حتى لا يتحول الى آلية «لضرب الخصوم» ولإفراغ الدولة من محتواها أي من دولة قانون وقضاء قوي وعادل لا فرز فيها ولا إقصاء ولا تخوين إلى دولة تطارد مواطنيها في الإدارات بدعوى القضاء على «فحيح الأفاعي» و«تطهير المكان» من «الجواسيس»...