الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




سند ضعيف ومرجعيات ملتبسة

محمد بوعود

تفاجأ كثير من التونسيين بالخطاب الرئاسي مساء أول أمس الاثنين، وخاصة بالمناسبة التي كانت اجتماعا لمجلس الامن القومي، يحضره الوزراء والمسؤولون والضباط المعنيون بالامن القومي، ليتباحثوا مع الرئيس في المسائل العالقة ذات الاهمية القصوى في ما يتعلق بمستقبل البلاد وامنها وسيادتها. لكن رئيس الجمهورية لم يدع الفرصة تمرّ دون ان يوغل مرة أخرى في خطابه الانتخابي الذي يبدو أنه تناسى ان الفترة التي مرت على آخر استحقاق، أكثر من سنة، وان الاستحقاق الذي يليه لن يكون قبل أربع سنوات أخرى.

تناسى كل ذلك واندمج اذن في خطاب لا يعني السادة الحاضرين في مجلس الامن القومي من بعيد ولا من قريب، وأصلا لا يمكن التطرق اليه بتلك الطريقة. فهؤلاء مختصون وفي مناصب حساسة، وجاؤوا الى القائد العام للقوات المسلحة كي يسمعوا توجيهات واضحة وتعليمات دقيقة وقراءة مطّلعة على كل كبيرة وصغيرة، ليعملوا وفقها وتبعا لمقتضياتها، ولم يأتوا ليسمعوا في كل مرة خطابا انتخابيا لم يغادر المرحلة الاولى من الحملة، ولا يريد ان يفكّر خارج منطوق «الشعب يريد».

فالسيد الرئيس ألقى بالخطاب جُزافا على رؤوس الحاضرين فقط ليتخلص من عبء المطالبة الشعبية بتنفيذ عقوبة الاعدام، وهو الرجل القانوني المختص والذي درّس أجيالا ودرس عند عباقرة القانون، لكنه يرفض ان يبتعد عن منطوق الخطاب الشعبي، الفاقد لكل سند قانوني واضح، فلا هو ذكر فصلا في المجلة الجنائية ولا الجزائية ولا من الدستور ولا استشهد بكتاب قانون ولا بواقعة معروفة، بل فقط ذهب الى المرجعية الدينية التي يعرفها الجميع منذ الف وأربعمائة عام، «جزاء القاتل هو القتل»، التي لا يمكن فهمها تحديدا ولا تبيّن كنهها وملابساتها وظروف تطبيقها، وكان حريا به وهو رجل القانون أن يقول أن القانون التونسي يعاقب بالاعدام كل من ثبت عليه القتل مع سبق الاضمار والترصد، وان على رئيس الجمهورية ان يمضي على ذلك وانه قرر ان يخرج من حالة التعليق السلبي التي مارسها سابقوه، وقرر ان يمضي على الأحكام التي تُرفع له حتى يضع حدا للجريمة.

لكن الرئيس ظل وفيّا لعاداته، لا يريد ان يُؤخذ عليه موقف واضح وصريح، يُحاسب عليه يوما ما، ولا يريد ان يغضب طرفا من الاطراف المختلفة حول اي قضية مهما كانت مصيرية.

وكما قال في ما يتعلق بقضية المساواة لما اخذت شكلا تصاعديا واصبحت موضوع نقاش وطني واسع، حسم أمره وقال «المساواة محسومة بنص القرآن»، بما يعني انه لا مع ولا ضد ولا يؤيد ولا يعارض، يحيل فقط على نصوص ومرجعيات غامضة وغير مفهومة، تترك له المجال ليرضي أنصاره الذين يهللون طبعا لرفضه المساواة، ولإقراره الاعدام، ويترك أيضا الاخرين غير مدركين لما يرمي اليه، فالقرآن، كتاب الله عزّ وجل، يمكن ان تُفهم منه المساواة كواجب ويمكن أن تُفهم منه أيضا على أنها مرفوضة وغير مرغوبة، كما يمكن ان يُفهم منه القصاص والديّة والرحمة والعقاب، وكلها من المفاهيم التي يختلف حولها المفسّرون والفقهاء، وكل يؤوّل بالطريقة التي يراها في النصّ.

والمطلوب من رئيس الدولة ليس الإشارة الى مرجعية القرآن ولا الى سند نصي يلتقي حوله الجميع، بل المطلوب ان يعطي هو حكمه على المسألة وان يحسمها بما تقتضيه مصلحة البلاد العليا، وما يتوجب على الرئيس أن يحسم به، لا على المترشح الذي يريد جمع أصوات من هم مع ومن هم ضد المساواة في الإرث او تطبيق حكم الإعدام.

ان الخطاب الذي لا يستند على أسس قانونية واضحة وحاسمة وشفافة وغير قابلة للتأويل الا بروح القانون وضمير القاضي، والذي لا يستند على مرجعيات عامة ومبهمة وقابلة للتفاسير المتعددة، هو خطاب في المحصّلة لا يعدو ان يكون شعبويا فاقدا للعقلانية والرصانة والحسم والحكمة السياسية التي تحوّل تطلعات الجماهير الى وقائع وانجازات وأفعال، بل لا يزيدهم الا غموضا ونفورا وتلبّسا في الفهم ولا يزيد رئيس الدولة الا ابتعادا عن طموحات وآمال الطبقات الشعبية التي انتخبته.