الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




هل تستفيق أحزاب «صفر فاصل» ؟

نجاة ملايكي

لماذا تعيش أغلب مكونات اليسار التونسي اضطرابا خطيرا في المواقف وازدواجية واضحة بين القول والفعل لم يسبق لها مثيل، في الوقت الذي ينتظر منها توحيد الكلمة والصف والموقف من مجمل القضايا الراهنة والأوضاع السياسية والاقتصادية ومنها دوافع التغييرات الأمنية التي تعيشها بلادنا والتي تمثل أهم اهتمامات المواطنين في ظل الانتصارات الأمنية الكبيرة على الإرهاب والإرهابيين خلال فترة قاربت السنتين؟

لقد مثل اليسار التونسي قبل الثورة محركا أساسيا للحياة السياسية في الداخل ولمسار العلاقات الخارجية ونوعيتها، بما شكّله من قوة دفع ونضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وحرية التعبير والصحافة وحرية التنظم الحزبي والجمعياتي، وخاض بكل الأشكال النضالية معركة حقيقية من أجل تحقيق الحريات والديمقراطية التي ينشدها الجميع، وكان رغم القمع والاستبداد، وراء تغيير العديد من المواقف والقرارات الرسمية تحت ضغط قوة التنظيم والتأثير ووحدة الصف رغم تباين مبادئ النشأة بين كل تياراته الفكرية.

لكن بعد الثورة خفت بريقه وأصبح يعيش تذبذبا خطيرا قاده في البداية إلى الفشل في التحول إلى قوة مؤثّرة في الشعب مثلما كان عليه في السابق وعجز عن الإقناع ببرامجه وخططه ومواقفه مما جعله يبدأ مسار الفشل خلال انتخابات 2011 التي أفرزت حركة النهضة كأهم قوة سياسية منظمة بفعل الانضباط على نفس الخيارات الذي جمع قادتها بقواعدها.

وقد ساهمت الأحزاب اليسارية آنذاك في مزيد خسارة الشارع التونسي بعد الفشل الذريع الذي عاشه المجلس التأسيسي نتيجة للضعف الكبير للعديد من مكوناته ولما مثّله من عبء ثقيل على المجموعة الوطنية، حيث كانت الجبهة الشعبية بالأساس المسؤولة عن هذا الخيار عندما طالبت بتركيز المجلس التأسيسي وقادت اعتصامي القصبة ثم كانت من أبرز المنادين بإسقاط هذا المجلس وهو ما جعلها مهددة في مصداقيتها نتيجة لاضطراب مواقفها رغم أنها من أكبر مكونات اليسار التونسي وأكثرها قوة تنظيمية.

اليوم تعود الجبهة وللأسف لهذه الازدواجية في المواقف لتقصم من جديد وحدة اليسار التونسي كقوة قادرة على تقديم البديل بفعل تمسكها بالحرية والديمقراطية البناءة، ونبذها لكل أشكال النفاق السياسي الذي يهدف للاستحواذ على السلطة. فقد مثّل بيانها التوافقي مع حركة النهضة على توزيع المسؤوليات في المجلس البلدي للعروسة من ولاية سليانة، ثم بلاغ مجلسها المركزي الذي تنصّل من هذا الاتفاق واعتبره انفراديا وغير ملزم للجبهة، ارتباكا واضحا في المواقف والقرارات يزيد من الوهن الذي تعيشه بعض أحزاب اليسار وكان هذا المجلس المركزي قد أصدر في 11 ماي الفارط بيانا أكد من خلاله عدم التحالف لا مع النهضة ولا مع النداء لما بلغته البلاد تحت حكمهما، من تدهور في كل المؤشرات التنموية.

فقد بات واضحا أن النهضة قد لعبت بهذه الأحزاب قبل الثورة من خلال هيئة 18 أكتوبر - التي كان الناطق الرسمي للجبهة من أبرز قادتها ومثلت توافقا ظاهريا بين نقيضين أحدهما يبني علنا لتقدمية الدولة والآخر يحلم سرا بإقامة دولة الخلافة- ، وبعد الثورة من خلال التوافق المغشوش الذي انقادت له الجبهة بعد الانتخابات البلدية عن وعي أو دونه وأبرز ارتباكا كبيرا في العلاقة بحركة النهضة التي أمكن لها قصم ظهر الجبهة في عقر دارها سليانة وهي التي تمثل أيضا منطقة ضحايا حكومة الرش.

اليوم تمثل أغلب أحزاب اليسار طبقة سياسية ممزقة، لكنها مطالبة بالالتفاف حول نفسها وتجميع قواها والقيام بمراجعات فورية وضرورية للمساهمة في إنقاذ البلاد وعدم السماح لأي طرف كان بالتمكن من أجهزة الدولة أو إمكانية التخطيط لإعادتنا إلى مربع الإرهاب والاغتيالات خصوصا وأنها استطاعت في السابق التجمع في هيئة قوية رغم ما جمعته من تناقضات إيديولوجية مثّلت أخطاء استراتيجية لم تمنعها في ما بعد من الصفة التي خصها بها قادة حركة النهضة «أحزاب صفر فاصل» بعد انتخابات 2011.