الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية



على هامش افتتاح السنة القضائية:
متى يتم البتّ في الملفات الخطيرة الحارقة؟

منيرة رزقي

افتتحت السنة القضائية الجديدة بعد العطلة السنوية ودبّت الحركة من جديد في محاكمنا حيث عاد المتقاضون للإصطفاف في بهوها وعاد أصحاب العباءات السوداء إلى مرافعاتهم وقضاياهم.

وككل سنة تعود بعض المشاكل لتطفو على السطح مع استهلال السنة القضائية حيث تطرح مسألة وضعية المحاكم التي يفتقر بعضها إلى الكثير من الصيانة والتعهد من اجل توفير ظروف طيبة للعاملين في المرفق القضائي من قضاة وكتبة محاكم ومحامين وأيضا المتقاضين.

هذا بالإضافة الى تراكم الملفات القضائية التي طال أمد النظر فيها ونفد صبر المتقاضين الذين ينتظرون النظر فيها ونيل حقوقهم وذلك يعود إلى العدد القليل للقضاة في كامل أنحاء البلاد وكثافة عدد الشكايات المقدمة. فلا يكفي حوالي 2000 قاض للنظر في ملايين القضايا المقدمة في المحاكم التونسية وهو ما يجعل الزمن القضائي بطيئا جدا ويؤجل حقوق الناس إلى أمد بعيد.

ولأن العدل الذي يأتي متأخرا هو أقسى أنواع الظلم فإن الضيم الذي يلحق بالمواطنين يصبح مضاعفا عندما يتأخر النظر في قضاياهم وإصدار الأحكام الباتّة فيها.

وقد ضاعفت جائحة كورونا التي راح ضحيتها عدد من القضاة أيضا تعقيدات الوضع القضائي خاصة مع فترة الحجر الصحي وما تلاها من ظروف استثنائية جعلت العمل يتباطأ في أروقة المحاكم وقاعات الجلسات دون أن ننسى إضرابات القضاة في السنة الماضية.

وكل هذه الظروف جعلت الزمن القضائي يزداد بطءا واليوم ومع مباشرة المحاكم لعملها تطرح الكثير من الأسئلة حيث تنطلق السنة القضائية في غياب وزير عدل بعد إنهاء مهام وزيرة العدل بالنيابة ولعلها المرة الأولى في تاريخ القضاء التونسي ربما. وإذا نظرنا إلى الملفات الكبرى المفتوحة في تونس سواء تلك المطروحة على أنظار القضاء او تلك التي من المنتظر أن تطرح في غضون هذه الأيام فإنه من المؤكد ان عموم التونسيين يتطلعون بفارغ الصبر إلى مباشرة هذه القضايا والبتّ فيها في أقرب الآجال.

ومما لاشك فيه أن القضايا الخطيرة والحارقة تحتاج إلى أن تكون أولوية على مكتب السادة القضاة وان تبذل قصارى الجهود من اجل البتّ فيها في آجال قريبة حتى تكون بمثابة رسالة طمأنة إلى التونسيين وحتى يسترجع مرفق القضاء مكانته خاصة بعد ما حدث من إشكاليات في الفترة الأخيرة خاصة بعد وضع بعض القضاة قيد الإقامة الجبرية والقبض على قاضية بشبهات مالية.

والحقيقة أن الملفات الكبرى التي ينتظر التونسيون البتّ فيها كثيرة وفي مقدمتها الاغتيالات السياسية ونعني بالتحديد ملف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي فلاشك أن تحميل المسؤوليات في هذه القضية بالذات ومحاسبة الضالعين فيها تمويلا وتخطيطا وتنفيذا وتحريضا سيكون بمثابة الأفق الكبير الذي ينفتح للتونسيين وعودة الثقة في مرفق القضاء الذي يتساوى جميع المواطنين أمامه.

وربما تتصل بهذا الملف قضايا أخرى من قبيل تسفير الشباب إلى بؤر التوتر وخاصة العراق وسوريا وليبيا وتدريبهم هناك وضلوعهم في الهجمات الدموية والذي تقف وراءه أطراف نحتاج إلى كشفها ومحاسبتها أمام الرأي العام وتتصل بهذه القضايا أيضا ملفات متعلقة بالتكفير الذي ثبت ضلوع الكثير من الأفراد فيه من بينهم أئمة وسياسيون تلاحقهم هذه التهمة في انتظار أن يقول القضاء كلمته الفصل فيها.

ولاشك أن ملف الإرهاب الذي عانت منه تونس طوال عشرية من الزمن والذي ما يزال خطره «جاثما» و مهددا للأمن القومي التونسي يحتاج إلى ان ينظر فيه بعيدا عن الأدلجة والتسييس.

والى جانب هذا الموضوع ينتظر التونسيون أيضا بنفاد صبر النظر في الملفات المتعلقة بالفساد المالي والسياسي التي كانت حصيلة عشر سنوات استشرت فيها هذه الظاهرة الخطيرة التي نخرت اقتصاد البلاد وأهدرت مقدرتها وكان نتاجها تفقير ممنهج للشعب التونسي وإهدار للمال العام مع ثراء فاحش ومشبوه لبعض الفاعلين السياسيين ورجال الأعمال والمهرّبين الذين تقاطعت مصالحهم. وهذا من المواضيع التي طرحت مؤخرا بشكل حارق في انتظار أن توضع النقاط على الحروف سياسيا وقضائيا.

وسيكون ذلك بمثابة رسالة قوية إلى الداخل والخارج فداخليا ستكون تلك علامة طمأنة إلى التونسيين بأن القانون فوق الجميع وانه يطبّق بحذافيره على المواطنين على أساس المساواة وعدالة التقاضي. وخارجيا سيكون بمثابة إعلان بأن الديمقراطية التونسية بصدد التعافي وأن الإجراءات الاستثنائية التي أقدم عليها الرئيس قيس سعيد لم تأت من فراغ وإنما لإصلاح «الديمقراطية الفاسدة» التي كرّستها المحاصصات الحزبية وعقلية الغنيمة والاقتصاد الريعي.

والآن لاشك أن العيون تشرئب نحو المحاكم في انتظار ما قد يأتي سواء في هذه الملفات أو في غيرها.