الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




موسم التودّد للناخب...

نجاة ملايكي

في خضم التجاذب الحاصل بشأن تأجيل الانتخابات البلدية وإمكانية تحديد موعد جديد لهذا الاستحقاق الانتخابي، تحركت العديد من الأحزاب نحو المناطق الداخلية في زيارات ميدانية وتفقد لأحوال الناس لإثبات وجودها ومحاولة كسب ثقة الناخبين واستمالتهم. ومن المنتظر أن يحل موسم هجرة هؤلاء إلى سيدي بوزيد خلال هذه الأيام بمناسبة ذكرى اندلاع « الثورة» لكن هل لهم مكانة ومصداقية لدى الشعب أم أن مردودهم يجعل من هذه الزيارات مجرد مجاملات عابرة لا طائل من ورائها؟

فقد باتت تونس تعيش طفرة حزبية لم تشهد مثيلا لها أعرق الديمقراطيات في العالم، حيث ظل عدد الأحزاب يتصاعد يوما بعد آخر ليبلغ عتبة 212 حزب مرشحة للزيادة قبل الانتخابات القادمة. و مرّ عدد الأحزاب خلال الاستحقاقات الانتخابية بعد الثورة من 115 حزب في سنة 2011 إلى 120 حزب في 2014، قبل أن يصل عددها إلى ما بلغه اليوم من تضخم مثير للانتباه. و لئن يمكن تفسير ذلك من حيث المبدإ، بالتعطش للحرية والممارسة الديمقراطية، خصوصا وأننا عشنا سنوات طويلة كبتا سياسيا حيث لم يتجاوز خلالها عدد الأحزاب المعترف بها الثمانية إلا أن الواقع يجعلنا نتساءل عن الإضافة التي قدمتها هذه التخمة من الأحزاب للساحة السياسية في تونس، وعما إذا كانت تؤمن بالدور الحقيقي المناط بعهدتها والذي تنشأ الأحزاب عادة من أجله. فعدد كبير منها أثقل الميزانية العمومية بما تخلد بذمته من ديون لفائدة المجموعة الوطنية على إثر انتخابات 2011 و2014 في تجاهل لما نص عليه الفصل 78 من القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء والذي ألزم كل قائمة انتخابية أو مترشح تحصل على اقل من 3 بالمائة من الأصوات المصرح بها بالدوائر الانتخابية على إرجاع المنحة العمومية.

مبالغ كبيرة ضختها الدولة للقائمات الانتخابية بعنوان المنحة العمومية الخاصة بالانتخابات، حيث بلغت كلفة التمويل العمومي للقائمات الانتخابية في انتخابات 2014 ما قيمته 5.2 مليون دينار وبلغ حجم هذه الأموال التي لم تسترجعها خزينة الدولة إثر انتخابات 2011 و2014 قرابة الخمسة ملايين دينار، وفق الإدارة العامة للمحاسبة العمومية والاستخلاص بوزارة المالية إذ أن أغلب القائمات الخاسرة لم ترجع ديونها وتهربت من إرجاع أموال المجموعة الوطنية بعدة أساليب منها حل بعض الأحزاب أو عدم وضوح عناوينها أو بسبب الإقامة خارج البلاد، أو لعدم وجود منقولات أو عقارات لديها، وغيرها من الأسباب التي عطلت استخلاص الديون، فيما تم تقسيط ديون بعضها الآخر ممن وقع تحت طائلة المحاسبة.

لا يختلف إثنان في كون التعددية هي أساس الديمقراطية، وفي كون الأحزاب الحقيقية تمثل المحرك الأساسي للحياة السياسية بالبلاد والعامل الهام في تحقيق التوازن المطلوب بين الدولة والمجتمع خدمة للمصلحة العامة، لكن الكثير من الأحزاب التي نشأت بعد الثورة وخصوصا منها التي تتوالد دون برامج حقيقية، مباشرة قبل كل استحقاق انتخابي تعد هياكل كرتونية لا تضيف شيئا للمشهد السياسي في البلاد، خصوصا إذا ما بنيت على تحقيق منافع شخصية على حساب المصلحة العامة، وهي في حقيقة الأمر تزيد في إثقال المالية العمومية من خلال المساعدات العمومية الممنوحة لها والتي يصعب عليها إرجاعها بعد الخسارة.

فأغلب الأحزاب التي نشأت بعد الثورة وخصوصا منها الخاسرة في الانتخابات، ركنت إلى الراحة بين الاستحقاقات الانتخابية، حيث لم تقم بأي مجهود يبرر وجودها وتخلت عن دورها في المشاركة في الحياة السياسية وتنشيط النقاش السياسي، وتثقيف الناس وتأطيرهم للمشاركة في الحياة السياسية وخلق مناخ ثقة بين السياسيين وعامة الشعب، كما تخلت هذه النوعية من الأحزاب عن صلاحياتها ومنها اقتراح القوانين والإصلاحات وحتى معارضة بعض ما هو قابل للمعارضة.

اليوم تراجعت ثقة التونسيين في الحياة السياسية وكشف قيس نوايا التصويت عزوفا سياسيا كبيرا ومنقطع النظير، واستعادة ثقتهم لا تتم بالزيارات الميدانية الموسمية لاستقطاب الناخبين وإنما بالمثابرة على تحسين واقع الناس والقرب منهم في كل المناسبات والأوقات.