الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




لا يعــرفــون المعــدن الحقـيـقي للتــونسييـن

بقلم: محمد بوعود

موجات من جسّ النبض، والتسريب، وقياس ردّ الفعل، تجتاح الفضاءين السياسي والإعلامي في كل مرّة بخصوص مسألة التطبيع، ومحاولة اختراق جدار الرفض المواطني والشعبي، وخلق مناخات تقبل شيئا فشيئا بالتعاطي مع العدوّ الصهيوني على انه أمر واقع لا مناص منه، وانه لم يعد بذلك الخطر ولا بتلك العدوانية، ولا بذاك الطابع الاستعماري الاستيطاني العنصري الهمجي الذي كان عليه منذ أن وقع زرعه في الأرض العربية المحتلة.

من هذه الموجات، ما يحصل منذ أشهر في تونس، حيث تكثّف الحديث عن محاولات تمرير علاقات مشبوهة مع مؤسسات أو جمعيات إسرائيلية، وفرض مشاركتها في تظاهرات رياضية وثقافية، أو أخيرا ما سُمي بجمعية اليكترا، التي قيل أنها تدافع عن الساميّة وعن الاختلاف في الديانات، والاقليات الدينية والعرقية، والتي فاجأوا الرأي العام بمقابلتها للجنة من أعضاء مجلس النواب على أساس أنها جمعية خيرية ذات أهداف سامية.

كما لم توفّر الحكومة الجديدة جُهدا من ناحيتها، اذ اختارت في صفوفها كاتب دولة تحوم حوله شبهات تطبيع لما كان رئيسا لاحدى الجامعات الرياضية.

اضافة الى وزير قيل الكثير عن علاقاته مع الصهاينة ودفاعه عنهم، واستهجانه لحملات مناهضة التطبيع واستهزائه بالقائمين عليها ووصفهم بأبشع النعوت.

من ناحيتها تورّطت منظمة الكشافة التونسية في نفس المأزق عندما اختارت أو فُرض عليها ان تستضيف في مؤتمرها احدى الشخصيات الصهيونية باقتراح من منظمة «الكشاف المسلم» العالمية.

وهي سلسلة من محاولات الاختراق التي ما انفكت تتعرض لها بلادنا، والتي يحاول القائمون عليها بلا كلل ولا ملل أن يجدوا ثغرة ينفذون منها الى عمق النسيج الثقافي والاجتماعي للشعب التونسي، ويخضعونه شيئا فشيئا لمنطق التماهي مع التواجد الصهيوني، واجباره على القبول به كعنصر عادي في سياقات تعاطيه مع الآخر، ويقضون بالتقسيط على جذوة المقاومة والرفض التي يختزنها التونسيون ضد هذا الكيان الغاصب، الذي تلوّثت أياديه منذ تكوينه بالدماء العربية، ولم يتخلّ عن هذا السلوك الهمجي إلى حدود أمس الجمعة، حيث اغتالت آلته العسكرية الجهنمية، عددا من شهداء غزّة الذين خرجوا يتظاهرون سلميا في جمعة «التطبيع خيانة» التي تأتي ردّا على قبول عديد الدول العربية المشرقية وتحديدا في الخليج العربي، بمنطق البراغماتية السياسية الأمريكية، واستقبالهم لرئيس وزراء العدو وعدد من مساعديه في عديد العواصم الخليجية، ومعاملتهم على أنهم ضيوف عاديون من مستويات عليا، دون أي اعتبار للمعاناة اليومية منذ عقود للشعب الفلسطيني، ولا للعدوان الذي لا ينقطع على كل دول المنطقة، بما فيها تونس التي كثيرا ما اختلطت دماء ابناء شعبها بدماء الفلسطينيين في حمام الشطّ وغيرها من المواقع التي دفعت الدم زكيا طاهرا من أجل استقلال فلسطين وعزّتها.

ولا شك ان القائمين على هذه الحملات التطبيعية المتتالية والتي لا تكل ولا تلين، من أجل فرض واقع التطبيع على تونس، لا يعرفون المعدن الحقيقي للشعب التونسي، ولا يعرفون مدى تجذّر القضية الفلسطينية والحق العربي وقيم الحرية في وجدانه وضميره، وعمق ارتباطه بقضايا أمته.

ولا شكّ ايضا ان كل محاولاتهم مآلاتها الى فشل، فقد حاول الكثيرون من قبلهم ولم يجدوا منفذا ولو صغيرا لاختراق صلابة الشعب التونسي في هذه القضية بالذات، ولا شك أنهم سيعودون مرة أخرى، لكن الاجمل من كل ذلك ان الشعب سيكون أيضا في الموعد وسيفوّت عليهم كل المحاولات.