الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




حقيقة خامسة أهم وأخطر من «الحقائق الأربع»..!

مراد علالة

بعيدا عن الشعبوية وعن المزايدة والتحدث باسم الشعب، يمكن القول أن الحقيقة الأبرز كي لا نقول الوحيدة المؤكدة اليوم في المشهد التونسي هي أن شعبنا قد أخذ منه التعب مأخذه، وأنهكته حرب الاستنزاف التي دشّنتها منظومات الحكم المتعاقبة منذ ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة وهي «حرب» أوصلتنا إلى أزمة شاملة مركبة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وأخلاقية جدّ حادّة.

وللأسف، يتراجع منسوب الأمل من يوم إلى آخر بل من ساعة إلى أخرى جرّاء إصرار أطراف الحكم على ركوب الرأس كما يقال والعناد والمكابرة والتنصل من المسؤولية مثلما جاء في «الحقائق الأربع» التي كشفها الأمينان العامان للاتحاد العام التونسي للشغل الحالي والسابق في ظهور إعلامي مهم مساء الجمعة 18 جوان 2021.

في غضون ذلك، يرتفع عدّاد الموتى ضحايا وباء الكورونا وضحايا إهمال الدولة ويقترب العدد الجملي للإصابات المكتشفة منذ ظهور الفيروس في تونس من عتبة الـ400 ألف إصابة، ويبلغ إجمالي الوفيات زهاء الـ 14 ألف حالة وفاة فيما تسمّرت نسبة من ظفروا بالتلقيح في حدود العشرة بالمائة من المعنيين المسجلين في المنظومة ودخلت أكثر من جهة على غرار القيروان المنعرج الأخطر وصار بالإمكان تصنيفها جهات منكوبة.

وكما سبق أن كتبنا ونبّهنا من قبل، من لم يمت بالكورونا يلاحقه الموت جوعا وغبنا وهو ما دفع بالمواطنين في أكثر من جهة إلى النزول الى الشوارع ولو بأعداد محدودة للمطالبة مجدّدا بالحرية والكرامة والعدالة وكأن عقارب الساعة عادت إلى الوراء عقدا من الزمن.

ولعل أخطر وأغرب ما يتم رصده في المشهدية التونسية هو هذه الفجوة التي تتسع بين الشعب وحكّامه الجدد لدرجة يتساءل فيها المرء إن كنا جميعا في نفس «الكوكب» أو «المركب» وفق توصيفات الساسة أنفسهم لأن الشعب يبدو صراحة في واد ومن يحكمه في واد آخر.

لقد بلغنا مرحلة أصبح فيها المواطن التونسي يتطلع إلى مجرّد الحق في الحياة، أجل فالحق في البقاء أصبح مهدّدا كما أسلفنا نتيجة انتشار الوباء الصحي بدرجة أولى والوباء الاقتصادي بدرجة ثانية وخصوصا بعد موجة الزيادة في الأسعار الأخيرة وتدهور القدرة الشرائية وتدمير مقومات العيش الكريم وتنصل أركان الحكم من المسؤولية مثلما يظهره سلوك وزير المالية على سبيل المثال الذي كثرت غياباته غير المبررة عن لقاءات مبرمجة في مجلس نواب الشعب!

وبخصوص هذا المجلس النيابي ايضا، لم نكن على خطإ ولم نبالغ من مدة عند الإصداح بحقيقة أنه صار عبءا على الديمقراطية والشعب فبدل تطوير الاداء التشريعي والالتحام بالمواطنين والانتباه الى مشاغلهم الحقيقية هاهم يواصلون العبث واهدار الفرص والمال العام.

نقول هذا الكلام ونحن تحت وقع الصدمة من السلوك السلبي للنواب عموما وبشكل خاص نواب القيروان المنكوبة اليوم ونواب صفاقس و«أبرزهم» ذاك «النائب» رضا الجوادي الذي لم يرصد في معاناة الجهة المنكوبة سوى تعذّر أداء صلاة الجمعة لفئة محدّدة من الصفاقسية وبصفة استثنائية وغير مسبوقة ويصعب أن تتكرر، ويتعلق الأمر ببرمجة أحد الاختبارات في إطار المناظرة الوطنية للباكالوريا في حصة تتزامن بالصدفة مع الصلاة وهذا في تقديرنا وفق الإسلام السمح اجتهاد وجهاد علمي وسبب شرعي حتى بالمفهوم الديني ولا يحتاج للركوب عليه والتبجح به والانتصاب المغلوط للدفاع عن الدين في الفضاء الافتراضي وطلب مساءلة وزير التربية في الوقت الذي كان فيه حريا بنائب الشعب أن يتفطن الى الأوضاع الصحية لأبنائنا التلاميذ والى تداعيات الأزمة الشاملة على حياتهم وحياة عائلاتهم!

لقد بلغ السيل الزبى كما قال رئيس الجمهورية وهو بدوره طرف وجزء في الأزمة وقد يكون الأهم فيها باعتباره ساهم بقسط وفير في تأبيد ضبابية المشهد بتحفظه وصمته و«صواريخه» التي يطلقها بين الفينة والأخرى والتي لم تعد موجهة الى خصومه فقط وانما اصبحت تستهدف الجميع.

لقد منح الاتحاد العام التونسي للشغل ساكن قرطاج دورا لم يحظ به غيره وعهد له بالإشراف الحصري على «الحوار الوطني» منذ نصف عام تقريبا في مواجهة مفتوحة مع الحكومة من جهة ومع مجلس نواب الشعب من جهة ثانية وهما مؤسستان في قبضة حركة النهضة وحلفائها.

وطال الاستنزاف والمماطلة وفاجأ «الريّس» الجميع هذه الايام بالعودة من الحديث عن «التأسيس» واقامة النظام السياسي الجديد والنظام الانتخابي الجديد، الى إحياء الدستور القديم لعام 1959 والاستفتاء عليه وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية «مبكرة» على قاعدته وهو كما يعلم الجميع الدستور الذي أقام النظام الرئاسي وانحرف نحو الرئاسوي في الأخير.

هي سياسة الترف وسياسة الجالسين في الأبراج العاجية وسياسة من هو ليس على عجل من أمره ولا تهمه على ما يبدو كلفة «التدافع» مع الخصوم فـ «الشعب يريد» بالفعل لكن الاختلاف يكمن في مضمون هذه الإرادة وشكلها.