الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




الاتحاد وحيدا..!؟

لطفي العربي السنوسي

كان الاتحاد العام التونسي للشغل وما يزال القوة التعديلية الأكثر ثقلا التي رافقت مسار الانتقال الديمقراطي بكل تعقيداته وما حدث على امتداده من ارباكات وارتدادات كادت ان تهز البلاد الى مآلات غامضة.. وقد نذر الاتحاد الجهد والطاقة لفك كل النزاعات بين المتخاصمين على الحكم منذ الثورة تلك بل اختار موقع «الطرف الثالث» ـ ان صح الاستعمال ـ طرف محايد لا راية له غير الراية الوطنية التي رفعها عاليا لمواجهة «الهيجان» وكل اشكال التهافت على السلطة التي كادت ان تذهب بالبلاد الى تقاتلات اهلية خاصة في الفترة الاخوانية أو ما يعرف بزمن الترويكا..

دفعت المنظمة الثمن باهظا ونجحت في إعمال «مفتاح» التوافق في كل الابواب المغلقة وتحولت الى «خيمة مدنية» وملاذ لكل التونسيين وكابدت على ارض مشتعلة اجتماعيا وسياسيا ووسط «تسونامي من الغضب الشعبي في تلك الفترة الصعبة من حكم الاخوان وقد تحركوا ـ وقتها ـ وكانت السلطة بين ايديهم لضرب الدولة المدنية ـ في صميمها ـ فأطلقت مبادرة الحوار الوطني وخارطة طريق ثم الانتخابات التشريعية فالرئاسية وتتويج مستحق بجائزة نوبل للسلام كاعتراف دولي بانجازات «العقل المدني»..

كان تتويجا مستحقا لمنظمة وطنية راسخة في تاريخ وجغرافيا البلاد التونسية نذرت جهدها وكل طاقاتها حتى تكون تونس عصيّة على كل اعدائها..

يخوض الاتحاد العام التونسي للشغل معركته ـ اليوم ـ وحيدا مسنودا من حشود الشغيلة وقواعده الجماهيرية الكبرى.. يخوض معركته مع حكومة الشاهد في غياب قوة مدنية أو سياسية أو حزبية تسانده أو تتدخل «كطرف ثالث» لحلّ النزاع توافقيا (وهو نفس الدور الذي تولاه الاتحاد ما بعد الثورة).. ولئن كانت المنظمة في غنى عن اي اسناد سياسي أو حزبي باعتبار ثقلها الجماهيري الذي يحقق لها «الاكتفاء الذاتي» فاننا نقف اليوم على حقيقة لا غبار عليها.. حيث لا وجود «لقوة فعلية» ـ سياسية أو حزبية ـ بثقل الاتحاد مؤهلة لمواجهة الخصوم السياسيين ولفك النزاعات بينهم بنفس طاقة وامكانيات الاتحاد ما يعني ـ بوضوح ـ غياب وضعف الاحزاب السياسية بما في ذلك المؤسسات السيادية والتي من المفترض ان تلعب دور «الطرف الثالث» القادر على الدفع نحو التهدئة وبالتالي التخفيف من حدة المواجهة أو ايجاد حلول توافقية نهائية بين الاتحاد والحكومة..

فرئاسة الجمهورية ـ مثلا ـ اختارت لعب دور المشاهد السلبي لكل ما يحدث بل ثمة من يشير الى ان «الرئيس السبسي» ـ بطمّ طميمه ـ انما يعوّل على الاتحاد لاسقاط حكومة الشاهد لذلك لم يتدخل (وهو عنوان التوافق) ولاذ بالصمت تماما..!! نفس الشيء بالنسبة الى مجلس نواب الشعب ورئيسه وقد اختاروا جميعهم مدارج المتفرج السلبي في انتظار المآلات وكذا الاحزاب السياسية والمجتمع المدني عموما.. والاتحاد يدرك جيدا هذه الحقيقة وهو لا يعوّل سوى على امكانياته لادارة «المعركة» وقد وجد نفسه محاطا باحزاب انتهازية لا لإسناده وانما هي تسربت داخل حشود مناضليه يوم الاضراب العام في محاولة لتوجيه نضالات النقابيين «وركوبها» ـ بغير حق ـ قصد تمرير اجنداتها الضيقة فلم يكن غريبا ان نجد نداء تونس متسرّبا بين الحشود وهو ينادي باسقاط الشاهد ولا غرابة في تسرّب مكونات من الجبهة الشعبية لتمرير شعاراتها وقد وجدوا في الاضراب العام ثقلا شعبيا قاعديا عوّلوا عليه لتوجيهه الى ما لم يكن النقابيون معنيين به الا ان انضباط القواعد وتنظمهم كان اكبر من الانتهازيات الحزبية حيث كان الاضراب درسا حضاريا عميقا في النضال السلمي واضح الرؤية والمطالب.

لا يعوّل الاتحاد العام التونسي للشغل على غير طاقاته وصدق مناضليه لادارة «معاركه».. وهي معارك لا يخوضها من أجل نفسه ولا من أجل تحقيق مكاسب وغنم بل هو يسعى في كل هذا الى «افتكاك» حقوق منظوريه من مختلف القطاعات دون فرز على اساس فكري أو ايديولوجي.. ومقصده الاسمى «عدالة اجتماعية» لا سلم ولا سلامة دونها.. وعليه فان كل ما تتعرض له المنظمة اليوم من هجمات «فايسبوكية» ممنهجة هي من قبيل «الهرف» الذي لا يعي معنى ان تكون لنا في تونس منظمة بحجم الاتحاد العام التونسي للشغل والتي قال في شأنها الكاتب الكبير حسنين هيكل «لقد نجت تونس ولم تلق مصير ليبيا واليمن وسوريا بفضل الاتحاد الذي رافق الدولة الوطنية قبل وبعد قيامها وخاض كل المعارك ودفع الثمن غاليا وما يزال.. وهو بلا مثيل في المنطقة العربية..!».