الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




أراد أن يترك بصمته

محمد بوعود

بالعودة إلى خطاب رئيس الجمهورية يبدو واضحا لكل المتابعين أن حاكم قرطاج لم يستوعب بعد الصلاحيات المحدودة التي يخولها له الدستور الذي صعد باسمه الى الحكم، كما لم يستوعب بالخصوص ما سمّاه توافقا بين النهضة ويوسف الشاهد، أفقده صلوحية هامة وهي الموافقة على التحوير الوزاري، بل انه قال عنه توافقا حتى لا يقول مؤامرة أو انقلابا، وصرّح هو نفسه أنه لا يريد ان يقول عنه كلمات جارحة، واعتبر أن ذلك تجريد له من صلاحيات دستورية هو أحقّ بها من غيره. بل اعتبر ان ذلك التوافق قد أدى الى مخالفة الفصل الواحد والستين من الدستور الذي يقول ان السلطة التنفيذية تحكم برأسين، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وأنها تحولت الى سلطة تنفيذية برأس واحدة.

وقد أظهر الرئيس في خطابه كثيرا من الاسف على هذه الوضعية وعلى افقاده مسؤولياته الدستورية وعدم ممارسته لصلاحياته في ظل تجاوز عليه من قبل حكومة مستقوية ببعض الاحزاب، ومع كل ذلك الالم الذي لم يستطع ان يخفيه، الا أنه ظلّ متشبثا بمبادرته حول المساواة في الارث، بل واعتبرها من صميم الدستور ومن صميم اختصاصه كرئيس لكل التونسيين مهمته ان يسهر على تطبيق ما جاء في هذا الدستور.

وقد رأى رئيس الجمهورية ان الدستور التونسي لا يفرّق بين المرأة والرجل وان هناك من التونسيين من يقترحون تعديلا في مجلة الاحوال الشخصية تتساوى فيه المرأة مع الرجل في الميراث، وتبتعد عن الصيغة الجوفاء التي اقترحها نواب النهضة في المجلس الوطني التأسيسي عندما اقترحوا ان تكون مكمّلة للرجل وليست ندّا له.

رئيس الجمهورية يعرف أن هكذا مبادرة ستلاقي الكثير من الاعتراض والكثير من التحفّظ عليها سواء من حركة النهضة الشريك الرئيسي في الحكم، او من غيرها من القوى المحافظة الأخرى، لكنه أصرّ عليها واقترح تمريرها على الحكومة والان هي تنتظر طرحها للنقاش في مجلس نواب الشعب والتصويت عليها.

وهذا الاصرار مردّه ان الرئيس يريد ان يترك بصماته في تاريخ تونس ويريد تخليد ذكراه بمُنجز يحفظ اسمه. وقد اهتم في هذا المجال باستذكار انجازات الزعيم الحبيب بورقيبة حين خاض لوحده في سنة 56 معركة مجلة الاحوال الشخصية وكيف أنه لم يكن يحظى باجماع المحيطين به ولا حتى بفهمهم لمبادرته لكنه مع ذلك استطاع ان يكرّسها كواقع باتت الاجيال تذكره اليوم بكل فخر واعتزاز.

وهي نفس الرغبة التي تتحوز الان على تفكير الباجي قائد السبسي الذي يريد أن يكون قانون المساواة في الارث لبنة اخرى تُضاف الى المكاسب المدنية الحداثية للشعب التونسي في تطوره الاجتماعي والحضاري الذي راكم عديد المكاسب.

لقد بدا الرئيس في خطاب أول أمس الاربعاء وكأنه قد ختم مشواره السياسي او لم تعد به رغبة في المناورات وخوض المعارك السياسية وفي تصفية الخصوم بقدر ما بات حريصا على تمرير قانون المساواة، كآخر انجاز ربما يطمح لتحقيقه خلال عُهدته الرئاسية التي توشك على النفاد، والتي يبدو من خطابه أمس انه لم يحقق فيها انجازات كثيرة، وبالتالي هو مصرّ على ترك بصمة له في تاريخ تونس لا يرى خيرا من قانون المساواة طابعا لها.

فالخطاب الذي قيل حوله الكثير وتعددت قراءاته، بل واختلف الكثيرون في شرح مقاصده والرسائل المضمنة في طياته يبدو أقرب الى خطبة وداع اراد من خلالها الباجي قائد السبسي ان يظهر للتونسيين أنه لم يعد راغبا في لعب الادوار الاولى وأن طموحاته السياسية بدات تقل وتأفل وأنه غير راض عما لحقه من تنكّر الاصدقاء والحلفاء والخصوم على حد سواء وانه غير راض بالمطلق عن الاوضاع الاقتصادية للبلاد لكنه متشبّث بمبادرته حول المساواة في الارث ويعتبر ان من واجبه الحرص على دعمها وتمريرها وتكريسها كمكسب للمرأة التونسية وللمجتمع التونسي يحمل بصمات الباجي قائد السبسي ويبقى لبنة حضارية تُضاف الى مكتسبات المجتمع التونسي.

فالرئيس استطاع أن يهضم بصعوبة كل التجاوزات التي رأى انها وقعت في حقّه لكنه ربما مستعد ان يغفرها كلها ويتجاوز عنها دفعة واحدة اذا استطاع أن يمرر قانون المساواة في الارث بصمته الاخيرة في الحياة السياسية التونسية.