الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




يستبطنون عزل الرئيس

محمد بوعود

لا يمكن لمتابعي ما سال من حبر البيانات وما شنّف الآذان من تصريحات خلال نهاية الاسبوع، الا أن يستنتجوا أن الجماعة في الحكم وحتى في المعارضة، وكل المتضررين من عدم امضاء القانون المنقّح، قد باتوا يستبطنون عزل الرئيس والاطاحة به عن طريق مخرج قانوني قد يجدونه في الفصل ثمانين من الدستور.

والمسألة تبدو أكثر من تطبيق للقانون، وأبعد بكثير من خشية على حظوظهم في الانتخابات القادمة ان ترشّح لها القروي او عبير موسي أو غيرهما، كما تبدو أعمق من الحرص على مصلحة البلاد، وتنحو ناحية نوع من الانتقام المروّع الذي قد يلحق بالرئيس ان عزلوه، ردّا على ما اعتبروه صفعة أو لطمة قوية من الرئيس «المريض» الذي ربما اعتبروه قد أضحى غير قادر على المناورة او على المعارضة، لكن تمسكه بعدم الامضاء مثّل تحدّيا كبيرا لارادتهم في تسيير العملية الانتخابية وفق ارادتهم، وخاصة وفق حساباتهم لتقاسم السلطة من جديد، وللإبقاء على نفس المشهد، مع تغييب الرئيس وحزبه والتفرّد بشراكة بين تحيا تونس وحركة النهضة، تكون مواصلة للشراكة التي انطلقت بين النداء والنهضة في مفتتح 2015 ولم تعمّر طويلا.

قد تكون ردّات الفعل عنيفة، وهذا غير مستغرب من حكومة وأحزاب راهنت بكل قوة على تمرير تنقيحات انتخابية تعتبرها مهمة بالنسبة لها وللبلاد وللانتقال الديمقراطي نفسه، لكن ان تصل ردات الفعل هذه الى درجة من العنف اللفظي يتجاوز حدود الصراع السياسي الى منطق التشكيك والتخوين، فذلك هو الأدهى ربما في الوقت الحالي.

فكل من حركة النهضة وحزب تحيا تونس، دعيا في بيانيهما لنهاية اجتماعاتهما الطارئة نهاية الاسبوع، الى دعوة الكتل البرلمانية للاجتماع العاجل للتشاور ودراسة ما ترتّب عن رفض الباجي قايد السبسي للتوقيع. وهي دعوة مبطّنة للتحضير لامكانية عزله، ودعوة ايضا للتثبت في القوانين والدستور وايجاد المخارج القانونية للاطاحة به، لانه رفض التوقيع.

ولم تقف الحملة العنيفة عند رفض تصرّفه وموقفه الذي اتخذه من التنقيحات، بل مرّت الى التشكيك في وضعه الصحي، وفي مداركه، وفي حريته التي قد تكون مسلوبة، وحتى في استنكار الغموض الذي يحيط بعمل مؤسسة الرئاسة، وتدخّل نجله الذي بات يتحدّث نيابة عنه، ووصل الامر الى حدود المطالبة باستجلاء حقيقة الوضع الصحي للرئيس، ولو تطلّب الامر إذنا من وكيل الجمهورية كما ذهب الى ذلك السيد محمد عبّو.

وهو أمر يدعو الى التثبّت في عنف ردّة الفعل هذه، ولماذا وصلت الأمور الى هذا المستوى من التعقيد، خاصة بعد ما صرّح مقرّبون من السيد يوسف الشاهد انه لم يزر الرئيس ولم يتواصل معه حتى هاتفيا منذ آخر زيارة له الى المستشفى العسكري، وان قنوات الاتصال مقطوعة بشكل نهائي بين رأسي الدولة.

وهذا ما يدعو الى الريبة فعلا، خاصة ان العالم كله يتفق على ان هناك خصومات وخلافات تقع بين الرؤساء والمسؤولين الأوُل في الدولة، لكنها لا تصل الى حدود القطيعة التامة، وانعدام التواصل.

وهذه الريبة مأتاها من تكون الجماعة في الحكم، سواء في القصبة او في قرطاج، قد أصبحت تعامل بعضها على أساس عداوة مقيتة وليس خلافا عابرا، وان هذه العداوة قد استحكمت بين الطرفين الى حدود لم يُعد مُستغربا من اي طرف ان يتصرّف بعنف أقوى تجاه الطرف الاخر.

ولئن عبّر رئيس الحكومة من خلال بيان لحزب تحيا تونس الذي ترأس اجتماعه أمس الاول، عن عميق انشغاله بالوضع السائد في رئاسة الجمهورية وعن استعداده لكل ما قد يترتب عن عدم الامضاء على القانون الانتخابي المنقّح، فان الرئاسة في المقابل لم ترد بشيء، واكتفت بتدوينة يتيمة للسيد بن تيشة عن صحة الرئيس وما قاله انه بخير وسيتوجّه للمواطنين بكلمة وهو ردّ لا يمكن أن يقنع خاصة في ظرفية تصاعدت فيها حدّة اللغة الى درجة المطالبة بالعزل والتفكير في الاطاحة بالرئيس، وبالتالي لم يعد الصمت يعني شيئا، بل يحتاج التونسيون الى توضيح والى دلائل أكثر اقناعا، تقطع الطريق على كل من يحاول التفكير في التصرّف خارج الشرعية، او بالطرق غير الشرعية.