الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




اجتماع الفسفاط

نجاة ملايكي

كان من المفروض أن يمثل اجتماع القصبة الخاص بتدارس سبل دفع التنمية بمناطق الحوض المنجمي وحل أزمة توقف إنتاج شركة فسفاط قفصة الذي حدد ليوم أمس، فرصة هامة لتقديم الحلول وتحديد الخطوط العريضة لهذه المعضلة التي كلفت اقتصادنا الكثير، لكن هذا الاجتماع تحول إلى وقفة احتجاجية أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل على إثر منع أعضاء من الوفد النقابي من حضور الاجتماع، فضلا عن عدم حضور رئيس الحكومة وانسحاب النائب عن جهة قفصة ورئيس فرع رابطة حقوق الإنسان وممثل الهيئة الوطنية للمحامين ودعوة الأمين العام للاتحاد لتأجيل الاجتماع إلى وقت لاحق.

لقد ساهم الاتحاد العام التونسي للشغل في الدفع لعقد هذا الاجتماع في إطار السعي لإيجاد الحلول الكفيلة بحلحلة ملف التنمية بمنطقة الحوض المنجمي التي تشهد احتجاجات جديدة منذ يوم 20 جانفي الفارط، وذلك على إثر الإعلان عن نتائج مناظرة انتداب أعوان تنفيذ صلب شركة فسفاط قفصة، ويندرج ذلك ضمن معارضة الاتحاد لتعطيل الإنتاج رغم دفاعه عن الحق في الاحتجاج السلمي والمطالبة بالتنمية والتشغيل.

فقد ارتأت المنظمة ضرورة طرح منوال تنمية جديد يعاضد جهود هذه الشركة في توفير مواطن الشغل وخلق بدائل وموارد تنموية جديدة بالجهة عوض مزيد إغراق المؤسسة بالانتدابات المتتالية التي تحولت من نعمة لأبناء الجهة إلى نقمة لهم وللشركة وللتنمية المعطلة بجهتهم وبالبلاد عموما.

ولا يخفى على أحد أهمية إيجاد حلول لأزمة شركة فسفاط قفصة التي باتت تتفاقم بشكل سريع ومعقد مما أدى إلى توقف كل وحدات الإنتاج ومعامل التحويل كليا بما عمّق خسائر الشركة وضياع مكانة الفسفاط التونسي في العالم، وذلك بعد سنوات من التعثر والانحدار المتواصل نتيجة لعدة عوامل منها بالأساس عدم الفتح الجدي لملفات الفساد المالي والإداري داخلها وعدم إيجاد بدائل تنموية بمنطقة الحوض المنجمي تكون كفيلة بامتصاص طلبات الشغل المتزايدة وبروز لوبيات تستنزف مقدرات الشركة ومساهمتها في النهوض ببقية المؤسسات العمومية تحت غطاء شركات المناولة.

وقد برزت المناولة في قطاع نقل الفسفاط عبر الشاحنات بعد الثورة، حيث تولت إزاحة الناقل الوطني (الشركة التونسية للسكك الحديدية) الذي يعاني اليوم تبعات هذه اللوبيات وبات هو الآخر مهددا في وجوده باعتبار أن نقل الفسفاط كان يمثل بالنسبة إليه ثلث المداخيل، وتم ذلك بتعلة نقص المعدات في حين كان بإمكان شركة فسفاط قفصة تقديم سلفة للناقل الوطني لدعم تجهيزاته بما يضمن استقرار وديمومة المؤسسات الوطنية.

كما عمّقت شركات البيئة والغراسة والبستنة التي بعثت بعد الثورة، أزمة شركة فسفاط قفصة بكثرة الانتدابات العشوائية لاستيعاب آلاف المعطلين عن العمل من أبناء الحوض المنجمي وذلك دون برامج عمل ودون تصورات مما جعلها بمثابة صندوق بطالة تقدم أجورا ومنحا دون عمل وخدمات، كما مثلت حلولا ترقيعية لا تساهم في حل مشاكل التنمية بالجهة بل استنزفت الشركة بتفاقم كتلة الأجور على حساب الإنتاج والمداخيل.

كل هذه العوامل ساهمت في كارثة توقف إنتاج الفسفاط وتوقف التصدير وتقهقر مراتبنا في هذا المجال بعد أن كانت تونس بجودة فسفاطها خامس منتج للفسفاط الخام في العالم بعد الصين وأمريكا والمغرب وروسيا، وبعد أن كانت مداخيل المجمع الكيميائي تتجاوز مداخيل القطاع السياحي قبل الثورة.

لا بد اليوم من هيئة حكماء وخبراء ومدققين متمكنة من هذا الملف ولا بد من لجان مستقلة وذات مصداقية اقتصادية ومالية وإدارية لمراقبة التصرف بمؤسسة فسفاط قفصة، وتكون قادرة على وضع حدّ للوبيات التي استثرت على حساب مؤسساتنا الوطنية وقادرة أيضا على إعادة القطار إلى سكته.

إذ ليس من حق أحد مزيد تعطيل ملف شركة فسفاط قفصة تحت أي سبب من الأسباب باعتبار أنه مرتبط بنوعية حياة أبناء الجهة وبديمومة العديد من المؤسسات العمومية على غرار الشركة الوطنية للسكك الحديدية وقطاع السفن الذي فقد أحد أهم موارده المالية بسبب توقف التصدير، كما أنه من العار أن نضطر لاستيراد الفسفاط ونحن من أهم المنتجين وأن يلجأ حرفاؤنا إلى منافسينا ونحن عاجزون حتى عن عقد اجتماع لتدارس هذه الأزمة.