الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




الإصلاح يبدأ من المواطن

بقلم: محمد بوعود

لا شكّ أن ما يعيشه المواطن التونسي هذه الايام من تسارع في نسق المصاريف، وارتفاع مهول في النفقات، نتيجة توالي المناسبات، ونتيجة جنون الاسعار، ونتيجة ايضا لكون العُملة المحلية لم تعد قادرة على الوقوف في وجه موجة الغلاء الفاحش التي اجتاحت جميع انواع البضائع والخدمات، ولم تترك للمواطن، سواء كان موظفا أو عاملا أو ربّ أسرة مهما كان عمله، مجالا للتنفّس، ومجالا لان يكون له رصيد مالي يختزنه لوقت الحاجة.

فسنوات الأزمة الاخيرة، استنزفت كلّ الموارد، وأفرغت كل المخازن تقريبا، ولم يعد أمام المواطن التونسي الا خيار وحيد، وهو مزيد الارتهان للبنوك، بمزيد من القروض، ومزيد من السّلف، ومزيد من الفوائض، والاداءات، والضرائب، في دوّامة لا تنتهي، وفي سباق محموم للحصول على قرض آخر قبل ان ينتهي سداد القرض الذي سبقه.

وهذه الوضعية يعتقد عباقرة الاقتصاد عندنا أن حلّها اما بالزيادة في الاجور، او بالمنح الخصوصية، التي لا تكاد تدخل في المرتّب حتى تذوب هي والمرتّب، ولا تكاد تغطّي شيئا يُذكر من النفقات المتزايدة، ولا تكاد حتى تعطي مُهلة أو راحة بسيطة من أعباء الانفاق اليومي الذي لا يتوقّف، والذي أثقل كاهل الجميع، دون استثناء، دون ان تجد له الدوائر المختصّة، حلولا جذرية، تعيد على الاقل نوعا من الطمأنينة أو الثقة في الاقتصاد الوطني، وتجعل التونسي، يشعر ولو بقليل من الراحة، حتى ان كانت مؤقّتة.

وهي أيضا وضعية، وبعد أن عجزت الدولة عن الخروج منها، تتطلّب وعيا مواطنيا قبل كل شيء، وتتطلّب رباطة جأش، ووحدة كلمة بين التونسيين.

فرباطة الجاش تبدأ بأن يكفّ المواطن عن انفاق راتبه ومدّخراته في أشياء يمكن الاستغناء عنها، او بالاحرى يمكن العيش والاستمرار بدونها، ولا تتوقّف حياة المواطن اذا لم يشترها أو يؤجّرها، وأن يحاول أقصى طاقته تجنّب كل ما من شأنه أن يزيد في المصاريف عن قيمة ما يحصّله من اموال، كي يتجنّب الاختلال الذي يجعله يلجأ الى الاقتراض.

أما وحدة التونسيين فتتمثّل في أسلوب المقاطعة،والذي أثبت أنه ناجع، وانه قادر على لجم الرغبة المجنونة لدى المحتكرين والتجار الجشعين.

فقد تعلّمت شعوب عديدة أن تتعامل مع هذا الجشع وهذا الغلاء المُشطّ، بالمقاطعة، وتمكّنت من فرض كلمتها، مهما طالت فترة هذه المقاطعة، ومهما حاولت الشركات، توفير مغريات جديدة للشراء، الا أن صمود الشعوب، واتحادها على مقاطعة اي بضاعة يحاول صاحبها الاضرار بجيوب وميزانيات المواطن، يأتي بنتيجة في آخر المطاف، ويضطرّ المحتكرين والباعة الجشعين الى مراجعة حساباتهم، والتخفيض في أسعارهم، وحتى الاعتذار أحيانا، كما حدث في المغرب الشقيق، عندما اضطرّ رئيس الحكومة العثماني، أن يوجّه في عيد الفطر الماضي، رسالة متلفزة الى المواطنين المغاربة، يدعوهم فيها إلى العودة الى اقتناء الحليب ومشتقاته من احدى الشركات التي تعمّدت الزيادة في أسعاره، مع أول يوم في رمضان.

ولا شك ان تصرّفا مثل هذا، لو وقع تطبيقه في تونس بصفة جماعية، ووقعت التوعية على نطاق واسع بفوائده، لكان بالامكان لجم الكثير من الاسعار التي فاقت كل التوقّعات، واصبحت بحقّ تهدد فئات واسعة من الشعب التونسي، بالتّفليس والفقر.

فالازمة وحدها لا تكفي للخروج منها، بل لا بد لها من وعي الأزمة، الذي يصاحبها، أو ينبثق عنها، حتى يتمكن الناس من مواجهتها، والخروج منها على الاقل بأخفّ الاضرار. ذلك أن الدول، ومن بعدها الشركات الاحتكارية، والمؤسسات النقديّة، لا يمكنها أن تفكّر في مصلحة المواطن، بل فقط في كمية ربحها من عرقه ومن دمه، وبالتالي ما عليه الا أن يكون واعيا، ومتحضّرا لمثل الازمة التي نعيشها حاليا، ويواجهها ويخرج منها، بالترشيد في الاستهلاك، وبالمقاطعة، وبكل الطرق التي تمكّنه من الاستمرار، أو بالاحرى تعينه على البقاء.