الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




من المقدّمات تعرف النهايات..!

لطفي العربي السنوسي

من المقدمات تعرف النهايات والنوايا... فالمقدمة عتبة بدء وعليها تتأسس المضامين بكل ما فيها من عناوين ومحاور وأسئلة زائد آليات العمل والقيم التي يشترك الجميع في صياغتها لوضع النصوص أو الالتزامات أو العقود التي ستنظم العيش المشترك على أساس عقد اجتماعي يرتهن اليه كل التونسيين وكل الاطراف السياسية والاجتماعية والحزبية وتعود اليه في حال تجدد الخلافات... و«العقد الاجتماعي» هو ـ في العمق ـ خارطة طريق تضع كل الأطراف السياسية والحزبية بما في ذلك منظمات المجتمع المدني أمام مسؤولياتها الى حين الخروج من الاختناق وهذا يتطلب موضوعيا هدوءا مجتمعيا و«فترة سلم اجتماعي» وجدية في التعاطي مع كل الملفات المتعلقة بالإنتاج وآليات الانتاج وإعادة تشغيل كل القيم التي تدمّرت على امتداد سنوات الحكم الفاشلة والسياسات المرتجلة...

في النقطة الأخيرة من وثيقة الاتحاد العام التونسي للشغل التي تقدم بها إلى رئيس الجمهورية والتي ستكون الأرضية الفكرية أو لنقل ورقة العمل الأولية للحوار الوطني وبعد الحديث عن العناوين السياسية والاقتصادية والاجتماعية نجد في خاتمة الوثيقة ما يلي: «وضع الأسس الأولية لصياغة تعاقد مجتمعي (عقد اجتماعي) جديد يحدّد الحقوق والواجبات لكل الأطراف ولكل المواطنات والمواطنين».

ما المقصود بالعقد المجتمعي أو الاجتماعي الذي سيحدّد حقوقا وواجبات يلتزم بها المواطنون؟. هل أنّ هذا العقد فوق الدستور أو بجواره (قبله أو بعده)؟.. هل هو أعلى من القوانين المنظمة لحياة التونسيين أم ان المسألة رمزية ومجرد «حيلة» وغطاء للتهدئة حتى يمر الهيجان الذي تشهده تونس اليوم من الأقصى الى الأقصى..؟.

لقد ظهرت فكرة العقد الاجتماعي بعد سقوط الشرعية الدينية التي كانت أساس الحكم في أوروبا لذلك كانت الحاجة ملحة للبحث عن شرعيات جديدة يقوم عليها الحكم البديل وتتحدّد على أساسها علاقة المواطنين بحكامهم وبالتالي ضبط حقوق وواجبات الطرفين، وقد انخرط في هذا النقاش حول «الشرعيات البديلة» كبار المفكرين والفلاسفة وتوصلوا في الاخير الى وضع ميثاق سمي «العقد الاجتماعي» ومن حوله مقاربات ومراجع مختلفة أثرت كلها هذا الميثاق وكان بالفعل مرجعا وبديلا ارتهن اليه نظام الحكم الجديد ويعتبر «جون جاك روسو» الأب والمرجع في هذا الشأن بكتابه المرجعي «العقد الاجتماعي» والذي عثرت في فصل من فصوله وهو الفصل الخامس من باب «المشرّع والقانون والشعب» على جملة عابرة ومكثفة ودقيقة وخطيرة ايضا كونها تعكس دون تزويق ودون مخاتلة ما يجب أن تكون عليه الحياة المشتركة بين الناس، يقول «جون جاك روسو» : «إن من يريد المحافظة على حياته على حساب الآخرين عليه أيضا ان يبذلها في سبيلهم وهذا شرط من شروط العيش المشترك..».

فعلا.. هنا تكثيف لمعنى الحياة المشتركة بين الناس وبين الشعوب ايضا وشرط من شروط السلم والطمأنينة... فمن حقك ان تحافظ على حياتك وحياة أهلك شرط ان لا تكون على حساب الآخرين بل من شروط المحافظة على حياتك ان تبذلها في سبيل الآخرين أي أنك ايضا مطالب بالحفاظ على حياة الآخرين من أجلك أولا ومن أجلهم قبل ذلك..

فكرة خطيرة وموضوعية وخطورتها ليست بالمعنى السلبي ـ هنا ـ وإنما بالمعنى الانساني الذي يشترط ان تكون عادلا مع الآخرين لا من أجلهم بل من أجل سلامتك ايضا ففي سلامتهم سلامتك... وهذا ـ في الواقع ـ جوهر العقد الاجتماعي الذي يقوم اساسا وجوهريا على القبول بالعيش مع الآخرين المختلفين معك والقبول بهذا الاختلاف.. والاختلاف له أكثر من وجه وأكثر من عنوان... فالاختلاف في الرؤية والتصورات فيه إثراء يغذّي الأفكار ويجعلها ممكنة التحقق.. والاختلاف في احد وجوهه يعني النقد الذاتي ونقد التجارب المجاورة والمتقاربة وتقليص المسافات بينها وهو عكس التماثل والتشابه... فأن نكون مجموعة متشابهة في الافكار والمقاربات فهذا يعني أننا بصوت واحد رغم كثرتنا وبالتالي يستحيل علينا أن نتحرك أو ان نتقدم في اتجاه آفاق وفي اتجاه أفكار أو في اتجاه مشاريع بناء وتأسيس حقيقي..

وعليه فإن الحوار الوطني الذي يطمح الى التوصل في الأخير الى صياغة عقد اجتماعي لإدارة هذا الاختناق العظيم الذي تعيشه تونس، لا يمكن له ان يتحقق بل يستحيل عليه الانعقاد أصلا اذا ما استمر الإصرار على إقصاء لاعبين أساسيين، بل إن مصطلح الإقصاء هو مصطلح ضديد من المفترض أن يكون من بين المصطلحات المطرودة من «الحوار الوطني المزعوم»...

فالمقدمات التي وضعها رئيس الجمهورية قيس سعيد كلّها مقدمات طاردة لكل أشكال الحوار بل هي مقدمات محبطة وكان من المفترض أن يكون الرئيس أول الداعين الى تجميع كل الاطراف السياسية والحزبية والاجتماعية حول مبادرة الحوار الوطني دون إقصاء لأي كان فالمزايدة في هذا السياق والإصرار على ذاك النزوع الشعبوي الرث لم يعد مجديا بل قد يرتد على صاحبه إن استمر على هذه الحال من الاصرار الفارغ على لعب أدوار غيره...

فالحديث ـ مثلا ـ عن «فاسدين» لاحق لهم في الجلوس على طاولة الحوار الوطني من المفترض ان يكون مدعوما بحجج وبأحكام قضائية نهائية تؤكد فساد هذه الاطراف وتدينها... فالمسألة ـ هنا ـ ليست مزاجية ولا انتخابية ولا شخصية أيضا... بل هي تتطلب ادانة قضائية واضحة لا استئناف فيها ولا تعقيب... أما توزيع التهم ـ مزاجيا ـ فإنه لا يصلح لمثل هذه السياقات التي تستدعي قوة تجميعية قادرة ومؤهلة لهذه الأدوار العظيمة التي توحّد التونسيين من أجل نجاتهم...

والغريب ـ حقيقة ـ ان السيد الرئيس ما يزال مصرّا على التصعيد في خطابه وما يزال مستمرّا في حديث المؤامرات التي تدبّر للانقلاب عليه والتي لا يعلمها غيره ـ في الواقع ـ وأصبحت لتكرّرها ضمن خطابه مدعاة حيرة جدّية وكلمته التي ألقاها أول أمس في وجه رئيس الحكومة تدعو حقيقة الى الريبة بل هي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الحوار الوطني لن يكتب له النجاح ولن تكون له نتائج ايجابية على الوضع العام بل هو قد لا ينعقد أصلا أمام خطاب بهذا التصعيد «ليعلم الجميع أن كرسي الرئاسة ليس بشاغر ومحاولات الاستدراج الى مستنقعاتهم ستبوء بالفشل». فهل بهذا الخطاب سنؤسس لحوار وطني ولعقد اجتماعي ينظم العيش المشترك بين التونسيين...!؟؟

ألم نقل إنه من المقدمات تُعرف النهايات والنوايا...

مع الاشارة الى أن شغور الكراسي من عدمه لا يقاس بالحضور الجسدي بل ـ بـ «الامتلاء»... نتحدث ـ هنا ـ عن الافكار والمشاريع المبتكرة القادرة على الدفع بالبلاد وأهلها الى مرتبة الأمم الرائدة... ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه.