الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية



من أين لكم هذا..؟
من أين لكم هذا..؟

لطفي العربي السنوسي

من أين لكم هذا..؟ سؤال استعجالي نطرحه أمام هذا الخروج الاستعراضي الحاشد للحركة الإخوانية أمس السبت بكل تلك الامكانيات وبكل ذاك العتاد وبكل ذاك الاستعراض المادي وطابور الحافلات القادمة من كامل تراب الجمهورية... كل هذا يطرح السؤال عاليا... من أين لكم هذا...؟ والسؤال في حد ذاته يحيلنا على التقرير الأخير لدائرة المحاسبات والذي أكد على المال مجهول المصادر المتدفق على حسابات الحركة مالا وعتادا يجيئها من سماوات مجهولة وقد تجلى عميقا في استعراض القوة أمس السبت والذي خطب فيه الغنوشي ووجّه فيه ما اشتهى من رسائل الى خصومه وخاصة الى رئيس الجمهورية قيس سعيد بقوله المباشر أن الحركات الشعبوية والخطاب الشعبوي قد انتهى وخاصة بعد سقوط الرئيس الامريكي «ترامب» العنوان الابرز للشعبوية...

لقد نجحت الحركة الاخوانية في مسيرتها الحاشدة أمس السبت في تمرير أكثر من رسالة أولها أنها ما تزال رقما سياسيا عصيّا قادرا على تحريك الشارع متى ارادت ذلك بقوّة المال والعتاد... وأن كل محاولات اقصاء الحركة من المشهد السياسي إنما هي مجرد أوهام يصعب تحقيقها.. هي مقاصد أساسية من مسيرة الاخوان أمس السبت... إثبات الوجود القوي عدة وعددا وعتادا وتمرير صور تؤكد ذلك موجهة الى الداخل أي الى كل الخصوم السياسيين والى الخارج أيضا لتأكيد هذا الوجود القوي داخل المشهد السياسي التونسي...

وهنا نسأل.. بعد هذا الخروج الحاشد للنهضة واخوانها هل تم حلّ الازمة السياسية...؟ وما المتوقع من الرئيس قيس سعيد بعد الرسائل المباشرة التي وجّهها له راشد الغنوشي وقد دعاه الى الالتزام بآليات الدستور وبمنطق المؤسسات والابتعاد عن الخطاب الشعبوي الرثّ...!!

ردّ الرئيس قيس سعيّد جاء سريعا من القيروان حيث كان في زيارة عمل إلى المدينة وقد جاء ردّه على مسيرة النهضة وعلى راشد الغنوشي في شكل سؤال انكاري:«تشاهدون اليوم وللأسف كيف تظهر الأموال وتهدر في العاصمة وكل مساء يتحدّثون عن الإفلاس وأنّ تونس لم يعد لديها مال..» (وفي موقع آخر من الردّ يقول)..«نحن في طريق آخر تصرف فيه أموال الشعب للشعب ولا تصرف لمن ليس لهم ضمير وليس لهم إحساس..» (وقال أيضا) «هم لا يستحقون منّي مجرّد الالتفات إليهم ..فقدرهم عندنا بالفلسين مردود..»

ردّ قيس سعيّد جاء حاسما ونهائيا بل وفيه سؤال مباشر عن مصادر الأموال الضخمة التي ظهر بعضها أمس في شارع بورقيبة وهنا تأكيد رئاسي على تقرير دائرة المحاسبات الذي يتحدث عن مال مجهول المصادر ينزل من سماوات مختلفة في حسابات الحركة..

يبدو أن الوضع قد ازداد تأزّما ومسيرة الحركة ليوم أمس دقّت المسمار الأخير في العلاقة بين الرئاسات الثلاث وقيس سعيّد ازداد اصرارا على موقفه وتعنّتا لا ندري مآلاته..

❉❉❉❉❉

في الأخير لا بدّ من التوقّف قليلا عند خروج حزب العمال أمس بالتوازي مع مسيرة حركة النهضة فلم أفهم ـ صراحة ـ هذا الخروج مع مسيرة حركة النهضة التي امتدّت على كامل شارع محمد الخامس بالعاصمة التونسية ويصل مداه الى غاية المقر المركزي للحركة الاخوانية التي فزع اليها أنصارها من كل الفجوج ومن كل الآفاق المحلية والجهوية في حشود بلغت ما يقارب الـ100 ألف مقابل 150 فردا أحصتهم وزارة الداخلية خرج بهم حمّة الهمامي في مسيرة مخجلة «لإسقاط النظام» و«لإسقاط البرلمان»..!

هزيمة أخرى تنضاف الى هزائم حمّة الهمّامي الذي يمثل ـ للأسف ـ العائلة اليسارية بل لنقل العائلة التقدمية برمّتها وقد أساء إليها حمّة الهمّامي بالخروج غير المدروس في اليوم الخطإ وفي التوقيت الخطإ...

يدرك حمّة الهمّامي أنه غير قادر على تجميع ما يسمح له بملء ممرّ ويدرك أن النهضة قد وضعت كل امكانياتها المادية واللوجستية وأعدّت العدّة والعتاد مالا ونساء ورجالا ومحليات وجهويات وروابط وكل الكلّ الذي ينتمي اليها سواء عن قناعة أو بانتهازية أو بنفعية... يدرك حمّة أنّ ما للحركة الاخوانية من امكانيات لا يسمح له بمنافستها في الشارع في مثل يومها الذي هيّأت له كل شروط وأسباب نجاحه ورغم ذلك يخرج الى الشارع مع مجموعة من شباب حزب العمّال لم تتجاوز المائة وخمسين فردا لاسقاط النظام...!؟.

لقد قدّم حمّة الهمامي خدمة كبرى لا أحد استفاد منها غير حركة النهضة بحيث أظهر ما نسمّيه «بالقوى التقدمية» في حجم ضئيل وصغير لا يكاد يُرى أمام قوة حضور حركة النهضة التي امتدت حشودها على كامل شارع محمد الخامس.. لقد أساء حمّة الهمامي للعائلة التقدمية ولليسار بشكل خاص بل ساهم في مزيد دفعه الى «الزاوية» وحوّله إلى «مسخرة» امام الرأي العام الوطني.. بل ان راشد الغنوشي لم يتردد في كلمته امام الحشد الاخواني في دعوة حمة الهمامي الى الالتحاق بمسيرة الاخوان والصعود على المنبر الى جانبه ومخاطبة «اليسار» من على منبر الاخوان وهذه قمّة الاستهزاء من حمة الهمامي ومن اليسار الذي نكّـل به «زعيمه التاريخي»... بل إن احد قياديي الحركة الاخوانية لم يتردد في القول «بأنه يؤلمني الى حد البكاء ان ارى اليسار بهذا الحجم الضئيل فمن غير الطبيعي ان تكون الحركة لوحدها بهذه القوة وبلا نديد حزبي او سياسي ..» هكذا حوّل «حمة الهمامي» ابناء حزب العمال ورفاقه من عائلة اليسار الكبرى الى هزءة والى مسخرة يتقاذفها الاخوان «ككرة قماش» رثّـة بين الأرجل..

وتكمن الخطورة في وعي حمّة الهمامي الذي يدرك جيدا حجمه وحجم حزبه وأنه من الخطإ الخروج الى الشارع في مثل هذا التوقيت دون التنسيق مع باقي القوى التقدمية ودون دراسة حجم تواجده مقارنة بحشود حركة النهضة... ورغم ذلك ورغم إدراكه بأنه سيكون «كالمسخرة» بين الناس فقد خرج الى الشارع ومن ورائه مائة وخمسون فردا اعتبرهم ضحايا من ضحايا خذلانه المستمر والمتواصل ككذبة طويلة امتدت وتحولت الى ما يشبه الفضيحة...

هذا عن خروج حمّة الهمامي وفرقته وقد غاضني ـ حقيقة ـ أن نرى صورة بهذا الخجل 150 فردا مقابل 100 ألف من أنصار الحركة الاخوانية..