الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




متى نتوقّع ما يمكن أن يقع..!?

بقلم : منيرة رزقي

مرة اخرى تفضح الطبيعة زيف مدنيتنا وتحضرنا نحن الذين نتشدق بكوننا سليلو حضارة عمرها ثلاثة آلاف سنة حتى باتت تلك الفرجة نكتة سمجة لا تثير سوى الرثاء.

ففي الوقت الذي ضاقت بنا السبل ونحن ننتظر بارقة امل ندرك قبل غيرنا انها باتت من قبيل السراب تفاجئنا الفيضانات والامطار الطوفانية.

ووحدنا تصفعنا المفاجآت من كل صوب وحدب بعد ان استفحل غباؤنا ولم تعد تنفع معه مسكنات رفع المعنويات ونشر الطاقة الايجابية . فنحن دون شعوب الارض جميعا نعيش حالة اندهاش دائم ولا نتوقع ما هو متوقع.

وها أن الامطار والسيول الطوفانية الاخيرة التي اعلن عنها المعهد الوطني للرصد الجوي قبل موعدها بوقت كاف يجعلنا نستعد لها تصفعنا وتضعنا في حالة اندهاش وتخلف خسائر مادية وبشرية باعتبار اننا لم نجابهها كما ينبغي . وهو ما جعل بنيتنا التحتية تتهاوى امام السيول معلنة هشاشتها وهشاشة الضمائر التي قامت على تشييدها.

واتضح قبحنا مرة اخرى فنحن ازاء عشوائيات في كل مكان برزت في شكل احزمة احاطت بالمدن الكبرى دون مراعاة لقدرتها على الاستيعاب من حيث البنية والقنوات وليس هذا فحسب فإن جل هذه المباني التي شيدت في غفلة من الدولة ودون رخص بناء وبالتالي فإن جلها تم بناؤه في اماكن لا تصلح لذلك نظرا لخطورة الكوارث الطبيعية التي قد تتعرض لها على غرار الفيضانات.

وكما ان هناك احزمة عشوائية حول المدن الكبرى ثمة قصور وفيلات كبرى بنيت بشكل عشوائي وفي اماكن غير مخصصة للبناء وغير مهيأة لذلك وحصل اصحابها على رخص بواسطة المحسوبية والرشوة واحيانا كانوا لا يحتاجون الى رخص من الاساس. وهو ما جعلنا نفاجأ بالاثرياء الجدد الذين شكلوا ضواحي حول المدن الكبرى وخاصة السياحية منها وهو ما جعلها تختنق .

وجاءت السيول الاخيرة لتعري كل ذلك وولاية نابل كانت النموذج فالكارثة التي ألمت بها فضحت النمط المعماري الذي باتت عليه مدننا في العقدين او الثلاثة الاخيرة .

وها أننا نجد أناسا يقطنون في مجاري الاودية وفي ثنايا السيول التي عصفت بها عند أول غضب للطبيعة وليس هذا فحسب فالأودية التي يفترض ان يتم تعهدها بالجهر والقنوات والمجاري والبالوعات التي يفترض ان يتم تعهدها بالصيانة استعدادا لمواسم المطر تركت واهملت وعندما فاضت السيول كان من الطبيعي ان لا تحتمل كل هذا الكم الكبير من الامطار في ظرف وجيز.

أما الطرقات فهي حكاية اخرى تستحق حقا ان نتوقف عندها فنحن ازاء مظاهر تدعو الى الحيرة طرقات تتآكل دون ان يمر عليها وقت طويل و اخرى منذ الاستعمار الفرنسي مازالت صامدة وهو ما يعكس حالات الغش وغياب الضمير في عملية البناء والتشييد التي غالبا ما تخضع لصفقات لا تتوفر على الشفافية اللازمة ولا تتم مراقبة هذه الانشاءات من قبل مختصين حتى تكون ضامنة لحماية ارواح المواطنين.

وقد تضافرت هذه العوامل لتجعل من الامطار الغزيرة الاخيرة التي يفترض انها غيث نافع نحن في اشد الحاجة اليه الى كارثة طبيعية بكل ما في الكلمة من معنى.

واذا كنا فشلنا في الاستعداد لها ومجابهتها فإننا فشلنا ايضا في التعاطي معها اتصاليا من اجل انقاذ على الاقل ما يمكن انقاذه.

فقد بدت وسائل الاعلام في مجملها في حالة غيبوبة شبه تامة حتى مراسل التلفزة الوطنية الموجود على عين المكان عجز عن نقل الوقائع بشكل مباشر وحيني وليس هذا فحسب فجل المسؤولين لم يتخلوا عن عاداتهم الاصيلة في التصريحات المنافية للمنطق والعقل ولنا في وزيري الفلاحة والبيئة المثال الحي.

فقد كانت تصريحاتهم حول تفسير ما حدث او تبريره اشد وطأة من وقع الكارثة الطبيعية وليتهم يصمتون في مثل هذه المواقف التي تحتاج الى الفعل وليس الاسهال الكلامي.

وعودا على الاعلام الذي يبدو انه تخلى في مجمله عن الادوار الموكولة اليه بعد ان انخرط في حالة من الهرج والمرج مقوماتها الاساسية هي الترفيه والتسلية الرخيصة وغابت الحرفية والجدية التي تجعل الاعلامي قريبا وملتصقا بمشاغل الناس وقضاياهم .

لذلك وجد الناس انفسهم متروكين دونما سند او دعم في مثل هذه الكارثة الطبيعية وكالعادة حضر اعوان الحماية والجيش باعتبارهم الملاذ الوحيد في مثل هذه الظروف.

وانجلت العواصف وانتهت السيول التي جرفت في ما جرفت معها كل الاقنعة التي نتجمل بها في ايام الصحو وسقطت في مستنقع آسن واتضحت الوجوه القبيحة والعورات السيئة وتلك هي حقيقتنا التي علينا من الان مواجهتها بعيدا عن زيف الشعارات وبريق الاضواء الاعلامية.