الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إعلام و إتصال



الندوة الدولية حول الحرية والديمقراطية والمسألة الدينية

الدولة المدنية الإطار الوحيد الذي يرعى شؤون العقيدة دون توظيف أو احتكار


ما يحسب  لجمعية (Averti) بعد ندوة  استمرت ليومين(25و26 جوان) هو انها طرحت سؤال الثورة من خارج لحظته الانفعالية وتعمقت في طرح اشكال لم يتجاوز الحديث الراهن حوله حدود الهمس الخجول او التناول السطحي.
 سؤال الدين والديمقراطية  هو اعمق من ان تستهلكه بعض الأطراف في جدال لم يتجاوز حدود الشعارات التضليلية، فهو سؤال كامن في تاريخنا  وماثل في راهن  ثوراتنا العربية التي لم تتوصل بعد الى استكشاف طريقها الامثل الى التأسيس الديمقراطي المنشود.
 مثلما  طرح محمد علي الحلواني ثنائية اسلمة  الحداثة مقابل تحديث الإسلام، طرح ياسين الصيد مواطنية العقيدة بديلا للعقيدة الجامدة  ومثلما ابرز التركي وهبي بيصان ان في انبهارنا الأعمى بتجربة الإسلام التركي بعض وجوه الخطأ أحدث  جمال البنا جدلا صاخبا حول ما أكد انه خطر محدق يتربص بالثورات، خطر تسييس الدين وأدلجته وتدجينه لضروب الفعل البشري.
كانت  هذه الندوة  الدولية فرصة حقيقية  لمن يسبح ضد التيار حتى  يكتشف ان في القرآن وجوها من التأويل لا تنتصر الا للتسامح وكرامة البشر، هذا ما اكده يوسف الصديق  ذات مداخلة اثارت ردود افعال عديدة .
«ما نعانيه الآن هو ان قوة مضادة بدأت تتبلور».
 ذكر حلمي الشعراوي من مصر ان الاخوان المسلمين الذين ترددوا في النزول الى الساحة في 25  جانفي صاروا الان يطمعون في 70 ٪  من مقاعد مجلس الشعب ورشحوا 3 للرئاسة  من تيارات مختلفة (حليفة او مستنسخة) واضاف  في هذا الصدد أن «الإخوان»  على قوتهم التعبوية لم يدخلوا البرنامج الاجتماعي بقوة لانه  يكشف ما خفي من اوراقهم ومنها أنهم «اكبر  قطاع تجاري عرفته مصر»  وعليه فإن على   اليسار الذي  تمثله في مصر 5 تيارات على الأقل ان ينتج فكرا اجتماعيا جديدا حتى تسهم العملية الديمقراطية في تحويل قوى المجتمع الى خيار مستقبلي.
«هناك شرعية جديدة تتشكل» كان هذا الموضوع الأبرز لمداخلة السيدين بهجت النادي وعادل رفعت من مصر (تحت تسمية مشتركة هي محمود حسين) لقد كانت الشعوب اكثر طواعية لسلطة الدولة منذ قرنين، لكن  تغييرا حصل وتجسد في معجزة «ميدان التحرير»، عشرات الاف المتخرجين من الجامعات ممن عاشوا داخل تناقضات العولمة هم الذين اجّجوا الثورة ووظفوا التكنولوجيا الحديثة في خدمة الديمقراطية ..انتهى اختزال السياسة والشأن العام في الرئيس واصبح الشعب مصدر الشرعية الجديدة، ولن تكون السلطة الجديدة الا ديمقراطية.
تركيا...والاجندة الخفية
«اردوغان لا يستطيع ان يقنع العلمانيين بأنه ليست لديه اجندة خفية» هذا ما ذكره المؤرّخ التركي وهبي بيصان في سياق حديث عن مسار الديمقراطية في تركيا، اردوغان قرأ شعرا لشاعر تركي فسجنوه 8 اشهر ثم خرج من السجن واصبح رئيسا للوزراء..وسجنوا مؤخرا صحفيا من اجل كتاب لم ينشر بعد!!!
في تركيا اصبح المسلمون التقليديون غاضبين من حزب العدالة والتنمية، واذا سألتم عن نموذج الديمقراطية الذي انبهرت به اطياف من الاحزاب العربية ، فان من الواجب التذكير ان اختلالات كبيرة تعرقل هذه الديمقراطية ليس اقلها انك لابد ان تكون مسلما سنيا حنفيا حتى تصل الى المناصب في تركيا!!!
تونس..المقاربة التنويرية للإسلام
تحدثت الدكتورة اقبال الغربي الباحثة في الفكر الاسلامي عن تجاوز الاسلام النسوي لتلك النزعة الأبوية التي فرضها الأصوليون على الشأن العام، ودافعت عن فكرة المساواة بين الجنسين انطلاقا من ذات النص الديني الذي أراده المتشددون سيفا مسلطا على حرية المرأة.
نرجس بن ملوكة المسؤولة عن المشاريع الميدانية بمؤسسة نساء البحر الابيض المتوسط قدمت مداخلة عن المعاش الديني من خلال مشاهدات حية في عدد من مناطق العالم،و ابرزت بذلك الدور المحوري الذي تنهض به المنظمات غير الحكومية والهياكل الدولية في التقريب بين الشعوب والثقافات وتكريس مبادئ التسامح والتعايش.
رشيد مشارك عضو المكتب التنفيذي لحركة التجديد تناول «الحدث الثوري التونسي ومسألة الفصل بين الدين والسياسة» مبرزا ان الدولة المدنية وحدها هي الاطار الذي يرعى شؤون العقيدة دون ان يحوّلها الى اداة موظفة في مزاد الاحتكار السياسي.
إن افق الثورة التونسية هو أفق قيم كونية انسانية، ولم تكن هذه الثورة نتاج حركة حزبية او ايديولوجية محددة بقدر ما كانت ثورة مجتمع انتفض من اجل الحرية، لذلك لابد ان تتركز القراءات الجديدة على تعميق شروط الحداثة بدل الاتجاه الى تصوّرات جامدة تسطو على المشترك الديني.
صوفي وانيش أو رحلة لـ24 ساعة من اجل ثورة تونس
وصلت الى تونس على الساعة السادسة من يوم الجمعة 24 جوان وغادرتها في نفس التوقيت من يوم السبت.. صوفي وانيش الجامعية الفرنسية  التي جاءت على عجل، أطلقت سؤالا إشكاليا مدوّيا: إذا كانت النبوّة قد غابت بفعل انقطاع الوحي، فلماذا لا يفتحها البشر ديمقراطيا ومن جديد..
للسؤال جذور تعود الى الثورة الفرنسية كما تقول صوفي وانيش، لقد رفض ثوّار فرنسا مقترحا من رجال الدين باعتماد الكاثوليكية عقيدة رسميّة للدولة رغم أنها عقيدة الأغلبية.. رفض الثوار مجرّد مناقشة الأمر لأنه يمكن ان يكون عائقا امام حرية الفرد وحرية المعتقد واعتبروا الامر اساءة للعقيدة الكاثوليكية في حد ذاتها.
يجب ان تحلّ العقيدة المدنية بدل العقيدة الجامدة، يجب ابتكار اليات لتفادي التطرف الديني وأخذ مسافة عقلية منه، هكذا تنجح الثورات..
جمال البنّا :الاسلام السياسي هو فعلا فكرة مشوّهة
«الشعوب لا تحتاج الى معلم ووعيها التلقائي يمكن ان يهديها»، هكذا افتتح المفكر المصري جمال البنّا مداخلته التي انتظرها الكثيرون، والتي أثارت نقاشا مطولا بقاعة الندوة.
الثورتان التونسية والمصرية تلقائيتان، وستكون هناك عقبات امام تجسيد أهدافهما ان لم تناقش القضية الاسلامية بالعمق المطلوب.
«دولة المدينة» كان يحكمها نبيّ يوحى اليه، ولا تستطيع ان تتكوّن دولة بنفس  الشاكلة بعد غياب النبيّ، والخلافة الراشدة توقفت عندما طُعن عمر بن الخطاب، و تلاشت عندما لم يحسن عثمان بن عفان الادارة، وعندما قتل عليّ، وعندما انتشرت الفضائح والموبقات (معركة صفين...) وقتّل المسلمون بعضهم وحوّل معاوية الخلافة الى ملك كأسوإ ما تكون الأنظمة الملكية..
«الأدلة التي يستدل بها المتشددون  لقيام دولة اسلامية هي نفس  الأدلة التي نستدل بها لدحض هذه الفكرة، فالمجازر التي ارتكبت كافية للرد»  هكذا خلص جمال البنّا الى استنتاج مهم وهو ان الإسلام كدين هداية من اجل الايمان والرضى النفسي والخلق الكريم لا يمكن ان يكون مع الاستبداد والتوريث، ولا يمكن ان يتحوّل الى ممارسة سلطة قمعية فالشريعة «ليست شيئا اخر سوى العدل، وان وجد فيها ما يخالف ذلك فيجب اخراجه منها، وان وجد خارجها ما يوجب العدل فيجب ادخاله اليها على وجه الإثراء».
لقد كتب حسن البنّا مقالات عديدة ضدّ السياسة، ولو كتب له ان يعيش حتى يرى ما فعله «الاسلام السياسي» لعدّل مواقفه وغيّرها، الكلام ورد علىلسان جمال البنّا الذي اعتبر التشدد الديني معضلة حقيقية، لقد اقمنا الثورات، والان يجب ان نقيم العدل والديمقراطية.
... ديمقراطيا ومن جديد
حقّ الانسان المسلم في قراءة النص القراني وفق إعمال العقل، تجاوز القراءات الجامدة والتأويلات السطحية، كان ذلك أهم ما ابرزه يوسف الصديق في مداخلة ختامية أثارت نقاشا ساخنا، كيف لا وهي التي أحالت فكرة التوحيد استنادا الى نصوص إبداعية إلى سقراط وأخناتون.. زعزعة المسلّمات والقوالب الجامدة لم تمرّ دون ان تثير احتجاج البعض، غير أنها كانت كافية لتدخل الى ذاتنا المستكينة للسائد بعض بذور لاستنهاض ملكات النقد، وإعادة الاعتبار للفرد ككائن مفكّر يستطيع ان يفرّق بين السياقات النيرة للدين، وبين الممارسات القمعية لتجار الدين.. ويستمر الجدل : هل سينهض كياننا الروحي ديمقراطيا.. ومن جديد؟


❒ إعداد خليل الرقيق