الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

لقاءات



خطبة الجمعة

رمضـان شهر البـرّ


 الحمد لله الذي عم برحمته جميع العباد، وخص أهل طاعته بالهداية إلى سبيل الرشاد، ووفقهم بلطفه لبلوغ شهر رمضان، ففازوا ببلوغ المراد، أحمده حمد معترفا بجزيل الإرفاد، وأعوذ به من وبيل الطرد والإبعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ادخرها ليوم المعاد، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أبان طريق الهدى والسداد، وقمع أهل الزيغ والفساد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأجواد، صلاة وسلاماً نبلغ بها الأمل والمراد..
أمّا بعد، فيا أيها المسلمون، اتقوا الله فإن تقواه أفضل زاد، وأحسن عاقبة في معاد: « يا أَيّهَا لَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ»..
أيها الصائمون: ها أنتم تعيشون هذه الأيام المباركة من أيام شهر شعبان، في خير وصحّة وسؤدد، فاحمدوا الله الذي بلّغكم وفي أعماركم أمدد..القادم علينا شهر كريم، و ضيف جليل، وموسم عظيم، يحمل خيراتٍ كبيرة، وبركات كثيرة، ونعما وفيرة، فيه مضاعفة للحسنات، وتكفير للسيئات، وإقالة للعثرات، مخصوصٌ بأسمى الصفات، وأزكى الدرجات، إنّه شهر رمضان، شهر الهبات والأعطيات، شهر الانتصارات والفتوحات، ألا وإنّ بلوغ هذا الشهر نعمة عظمى، وإدراكه منّة كبرى، تستوجب الشكر، وتقتضي اغتنام الفرص، بما يكون سبباً للفوز بدار القرار، والنّجاة من النار، و في ذلك يقول العزيز الغفار: « يا أَيّهَا لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، ويقول صلّى الله عليه وسلّم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أي ربّ، منعته الطعام والشراب فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي ربّ، منعته النوم فشفعني فيه، فيشفعان ». ( حديث صحيح أخرجه أحمد والبيهقي).. هذا هو شهر رمضان، شهر العفو والرّحمة والغفران، يقول صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جاء شهر رمضان، فُتّحت أبواب السماء، وفي رواية: أبواب الجنّة، وفي رواية: أبواب الرّحمة، وغلّقت أبواب جهنّم، وسلسلت الشياطين». ( أخرجه الشيخان )..  فاغتنموه وصوموه ، واستغلّوه وقوموه..
يا أهل الصّيام والقيام: على المسلم أن يحرص على مواصلة الأعمال الصّالحة ، ومن أعظم ذلك وأجلّه على الإطلاق، برّ الوالدين وصلة الرّحم، لاسيما ونحن في شهر الصلة والبرّ، والخير والأجر، شهر رمضان، شهر الصّفاء والإخاء، ونبذ البغضاء وترك الشّحناء، فالقطيعة بين عموم المسلمين محرّمة، وبين الأقارب والأرحام والجيران أشدّ حرمة، قال تعالى: « فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ »، وقال صلّى الله عليه وسلّم: « من أحبّ أن يُبسط له في رزقه - أي يوسع ويبارك له فيه - ويُنسأ له في أثره - أي يؤخر له في عمره ويزاد له فيه - فليصل رحمه». (متفق عليه )..
فاتّقوا الله عباد الله وأصلحوا ذات بينكم، وصلوا أرحامكم، وبرّوا آباءكم، تدخلوا جنّة ربّكم..
أيّها الصّائمون القائمون: لقد جُبلت النّفوس على حبّ من أحسن إليها، وتعلّقت القلوب بمن كان له فضل عليها، وليس أعظم إحساناً، ولا أكثر فضلاً بعد الله سبحانه وتعالى من الوالدين، حيث قرن الله حقّهما بحقّه، وشكرهما بشكره، وأوصى بهما إحساناً بعد الأمر بعبادته: « وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً »، فللّه سبحانه وتعالى الخلق والإيجاد، وللوالدين بإذنه نعمة التربية و الإيلاد، فَرِضَا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين ..
أيّها الصّائمون: إحسان الوالدين عظيم، وفضلهما سابق، وتأمّلوا حال الصغر، وتذكّروا ضعف الطفولة، حملتك أمّك في أحشائها تسعة أشهر وهناً على وهن، حملتك كرهاً ووضعتك كرهاً، ولا يزيدها نموّك إلاّ ثقلاً وضعفاً، وعند الوضع رأت آلاماً عضالاً، ولكن لما رأتك إلى جنبها سُرعان ما نسيت آلامها، وعلقت فيك جميع آمالها، رأت فيك بهجة الحياة وزينتها، ثم شُغلت بخدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحّتها، طعامك درُّها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها، تحيطك وترعاك، تجوع لتشبع أنت، وتسهر لتنام أنت، فهي بك رحيمة، وعليك شفيقة، إذا غابت عنك دعوتها، وإذا أعرضت عنك ناجيتها، وإذا أصابك مكروه استغثت بها، تحسب كل الخير عندها، وتظنّ أنّ الشرّ لا يصل إليك إذا ضمتك إلى صدرها أو لحظتك بعينها، هذه هي الأمّ الحنون، والجوهرة المصون..
أمّا أبوك، وما أدراك ما أبوك ؟.. يكدّ ويسعى، ويدفع عنك صنوف الأذى، ينتقل في الأسفار، يجوب الفيافي والقفار، ويتحمّل الأخطار، بحثاً عن لقمة العيش، يرعاك وينفق عليك، ويصلحك ويربّيك، إذا دخلت عليه هشّ، وإذا أقبلت إليه بشّ، وإذا خرج تعلّقت به، وإذا حضر احتضنت حجره وصدره، هذان هما والداك، وتلك هي طفولتك وصباك، فلماذا التنكّر للجميل ؟.. ولماذا لا تسلك أقوم السبيل، وعلام الفظاظة، ولم الغلظة والغضاضة، وكأنّك أنت المنعم المتفضل ؟.. أخرج الشيخان وغيرهما واللّفظ لمسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الجهاد والهجرة أبتغي الأجر، قال: « فهل من والديك أحدٌ حيٌّ ؟.. قال نعم بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله، قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما». ( أخرجه مسلم)، وعند الطبراني بسند جيد: أنّ رجلاً جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستشيره في الجهاد، فقال عليه الصلاة والسلام: « ألكَ والدان ؟.. قال: نعم، قال: ألزمهما فإنّ الجنّة تحت أقدامهما»..
معاشر المسلمين: إنّ حقّ الوالدين عظيم، ومعروفهما لا يُجازى، وإنّ من حقّهما المحبّة والتقدير، والطّاعة والتّوقير، والتأدّب وعدم التحقير، حقّق رغبتهما في المعروف، وأنفق عليهما ما استطعت « أنت ومالك لأبيك»، ادفع عنهما الأذى، فقد كانا يدفعانه عنك، لا تحدثهما بغلظة أو خشونة، ولا ترفع صوتك عندهما، جنّبهما كلّ ما يورث الضجر « فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا»، تَخَيَّرْ الكلمات اللطيفة، والجمل العفيفة، والعبارات الجميلة، والقول الكريم، تواضع لهما، واخفض لهما جناح الذلّ، رحمة وعطفاً، وطاعة وأدباً، لقد أقبلا على الشيخوخة والكِبر، وتقدّما نحو العجز والهرم، بعد أن صرفا طاقاتهما وصحّتهما في تربيتك، وبذلا أموالهما في إصلاحك، تأمّل قول ربّك وخالقك: « إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ  أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا »، إنّ كلمة (عندك ) تدلّ على معنى التجائهما واحتمائهما وحاجتهما إليك، فلقد أنهيا مهمّتهما في تربيتك، وانقضى دورهما في رعايتك، وجاء دورك وهاهي مهمّتك : «فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً»، قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنّ لي أمًّا بلغ منها الكِبر أنّها لا تقضي حوائجها إلاّ وظهري لها مطيّة، فهل أديت حقّها ؟.. قال: لا ، لأنّها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنّى بقاءك، وأنت تصنعه وأنت تتمنّى فراقها، ولكنّك محسنٌ، والله يثيب الكثير على القليل، نعم إن حقّهما عظيم ولكن الجأ إلى الدّعاء لهما في حال الحياة وبعد الممات اعترافاً بالتقصير، وأملاً فيما عند الله العليّ الكبير  و في ذلك يقول ربّ الرّحمة عنك و عن النّاس أجمعين: « رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً»..
معاشر الصائمين: من الفضيحة والعار، أن يُفاجأ الوالدان بالتنكر للجميل، وبذل القليل، كانا يتطلعان للإحسان، ويؤملان الصلة بالمعروف، فإذا بهذا العاق قد تناسى ضعفه وطفولته، وغض الطرف عن أتعابه وقذارته، وأعجب بشبابه وفتوته، وغرّه تعليمه وثقافته، وترفع بجاهه ومرتبته، يؤذيهما بالتأفف والتبرم، ويُجاهرهما بالسوء وفُحش القول ، يقهرهما وينهرهما ، بل ربما لطم بكف أو رفس برجل ، يريدان حياته ، ويتمنى موتهما، « وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ » ، تئن لهما الفضيلة ، وتبكي من أجلهما المروءة ، وكأني بهما وقد تمنيا أن لو كانا عقيمين..
فيا أيّها العاق: هل حينما كبرا  فاحتاجا إليك ، جعلتهما أهون الأشياء عليك ؟! قدمت غيرهما بالإحسان ، ورددت جميلهما بالنسيان ، وقابلت الإحسان بالنكران ، « هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ»، شقّ عليك أمرهما، وطال عليك عمرهما، أما علمت أن من برّ والديه برّه بنوه، ومن عقّهما عقّوه، ولسوف تكون محتاجاً إلى برّ أبنائك، وسوف يفعلون بك كما فعلت بوالديك، وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، أخرج الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا - مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ - مِثْلُ الْبَغْيِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»، وأنّ أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين، بهذا صحّ الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وفي حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى «. (أخرجه النسائي وأحمد وابن خزيمة والبيهقي والحاكم)، وفي حديث آخر عن جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: « يا معشر المسلمين إيّاكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجد ريحها عاق»..
 والوالدان أقرب النّاس إليك رحماً، وأكثرهم عليك صبراً وحلماً، فبرّهما وكن لهما رفيقاً رحيماً، بارك لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، وجعلنا جميعاً من المتّبعين لسنّة سيّد المرسلين.. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم..


إعداد وإشـــراف : الشيخ محمد الشاذلي شلبي