الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

لقاءات



خطبة الجمعة

كيف نستقبل رمضان (2)


الحمد لله الذي منّ علينا بمواسم الخيرات، وخصّ شهر رمضان بالفضل والتشريف والبركات، وحثّ فيه على عمل الطاعات، والإكثار من القربات، أحمده سبحانه على نعمه الوافرة؛ وأشكره على آلائه المُتكاثرة. وأصلي وأسلم على أفضل من صلى وصام، وأشرف من تهجّد وقام، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام، أما بعد:
فإنّ الله تعالى هيّأ لنا من المناسبات العظيمة، التي تصقُلُ الإيمان في القلوب، وتُحرّك المشاعر الفيّاضة في النّفوس، فتزيد في الطّاعات وتُضيّق مجالات الشرّ في المجتمعات، وتعطي المسلمين دروسا في الوحدة والإخاء، والتضامن والصّفاء، والبرّ والصّلة والهناء، والطُهر والخير والنّقاء، والصّبر والشجاعة والإباء، إنّها منهل عذب، وحمى أمين وحصن حصين للطّائعين، وفرصة لا تُعوّض للمذنبين المفرّطين، ليجدّدوا التوبة من ذنوبهم، ويسطّروا صفحة جديدة بيضاء ناصعة في حياتهم، مفعمة بفضائل الأعمال ومحاسن الفعال، ومكارم الخصال..
 *  فضل رمضان:
و إنّ من أجلّ هذه المناسبات زمناً، وأعظمها قدراً، وأبعدها أثراً: شهر رمضان الكريم الذي نرتوي من نميره، ونرتشف من رحيقه، ونشمّ عاطر شذاه، شهر مضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات، ومغفرة الذنوب والسيئات، وإقالة العثرات، قد تفتّح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفّد الشياطين، من صامه و قامه إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، كما صحّ عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدّم من ذنبه».( متفق عليه )، و «من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه». ( متفق عليه ).. وذلك من فضل الله سبحانه على هذه الأمّة، لما له من الخصائص والمزايا، ولما أُعطيت فيه هذه الأمّة من الهبات والعطايا، وخصّت فيه من الكرامات والهدايا، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنّة، وغُلّقت أبواب النّار، وصفّدت الشياطين». (متفق عليه)..
في رمضان تهجُّدٌ وتراويح، وذكر وتسبيح، في رمضان تلاوة وصلوات، وجُود وصدقات، وأذكار ودعوات، وضراعة وابتهالات..
*  حاجتنا إلى رمضان:
إخواني في الله: إذا كان الأفراد والأمم محتاجين إلى فترات من الصفاء والراحة، لتجديد معالم الإيمان، وإصلاح ما فسد من أحوال، وعلاج ما جدّ من أدواء، فإن شهر رمضان المبارك هو الفترة الروحية التي تجد فيها هذه الأمّة فرصة لإصلاح أوضاعها، ومراجعة تاريخها، وإعادة أمجادها، إنّه محطّة لتعبئة القُوى الرّوحية والخُلُقية، التي تحتاج إليها كلّ أمّة، بل تتطلّع إليها الأفراد والمجتمعات المسلمة، إنّه مدرسة لتجديد الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وشحذ الأرواح، وإصلاح النّفوس، وضبط الغرائز، وكبح الشهوات..
في الصّيام: تحقيق للتقوى، وامتثال لأمر الله وقهر للهوى، وتقوية للإرادة، وتهيئة للمسلم لمواقف التضحية والفداء والشهادة، كما أنّ به تتحقّق الوحدة والمحبّة والإخاء والأُلفة، فيه يشعر المسلم بشعور المحتاجين، ويحسّ بجوع الجائعين، الصّيام مدرسة للبذل والجود والصلة، فهو حقاً معين الأخلاق، ورافدُ الرّحمة، من صام حقاً: صفت روحه، ورقّ قلبه، وصلحت نفسه، وجاشت مشاعره، وأُرهفت أحاسيسه، ولانت عريكتُه.. فما أجدر الأمّة الإسلامية اليوم أن تقوم بدورها، فتحاسب نفسها عند حلول شهرها، وما أحوجها إلى استلهام حكم الصيام، والإفادة من معطياته، والنهل من معين ثمراته وخيراته..
 *  كيف نستقبل رمضان ؟..
أيّها الإخوة: إنّ استقبالنا لرمضان يجب أن يكون - أوّلاً - بالحمد والشّكر لله جلّ وعلا، والفرح والاغتباط بهذا الموسم العظيم، والتّوبة والإنابة من جميع الذنوب والمعاصي، كما يجب الخروج من المظالم وردّ الحقوق إلى أصحابها، والعمل على استثمار أيّامه ولياليه صلاحاً وإصلاحاً، فبهذا الشعور والإحساس تتحقّق الآمال، وتستعيد الأفراد والمجتمعات كرامتها، أمّا أن يدخل رمضان ويراه بعض الناس تقليداً موروثاً، وأعمالاً صورية محدودة الأثر ضعيفة العطاء، بل لعلّ بعضهم أن يزداد سوءاً وانحرافاً - والعياذ بالله - فذلك انهزام نفسي، وعبث شيطاني، له عواقبه الوخيمة على الفرد والمجتمع..
 لقد جهل أقوام حقيقة الصيام، فقصّروه على الإمساك عن الطعام والشراب، فترى بعضهم لا يمنعه صومه من إطلاق الكذب والبهتان، ويطلقون للأعين والآذان الحبل والعنان، لتقع في الذنوب والعصيان، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: « من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ( رواه البخاري )..
ولله درّ القائل:
إذا لم يكن في السّمــع منّي تصاون  ***  وفي بصري غضّ وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوعُ والظمأ  ***  فإن قلتُ إنّـي صُمتُ يوماً فما صُمت
*  رمضان وحال الأمة:
عباد الله: إنّه ليَجدُر بالأمة الإسلامية التي تعيش اليوم مرحلة من أشد مراحل حياتها: أن تجعل من هذا الشهر نقطة تحوُّل، من حياة الفرقة والاختلاف، إلى الاجتماع على كلمة التوحيد والائتلاف، وأن يكون هذا الشّهر مرحلة تغيّر في المناهج والأفكار والآراء، في حياة الأمم والأفراد، لتكون موافقةً للمنهج الحقّ الذي جاء به الكتاب والسنّة، وسار عليه السلف الصالح - رحمهم الله - وبذلك تُعيد الأمّة مجدها التليد، وماضيها المشرق المجيد، الذي سطّره تاريخ المسلمين الزاخرُ بالأمجاد والانتصارات في هذا الشهر المبارك، وما غزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، ومعركة حطين، ووقعة عين جالوت، وغيرها إلا شواهدُ صدق على ذلك..
إخوة الإسلام: يحل بنا شهرنا الكريم، وأمّتنا الإسلامية لا زالت تعاني جراحات عُظمى، وتُعايش مصائب كبرى..
فبأي حال يستقبل المسلمون في الأرض المباركة من جوار الأقصى المبارك هذا الشهر الكريم، وهم لا زالوا يُعانون صَلَفَ الصهاينة المجرمين ؟!
بأي حال يعيش إخوانكم المبعدون المشرّدون عن ديارهم وأهليهم وأموالهم؟! وما استمرار قضية أولى القبلتين، ومسرى سيد الثقلين، وثالث المسجدين الشريفين، ما استمرار تلك القضية المأساوية إلا تحدّ سافر من إخوان القردة والخنازير، لكل مبادئ الدين والعقل، والحق والعدل، والسلام والأمن..
بأي حال يستقبل إخوانكم المسلمون في أماكن كثيرة من العالم هذا الشهر الكريم وهو يعانون أبشع حرب إبادة عرفها التاريخ المعاصر؟! ويعانون حياة الجوع والتقتيل والتشريد ؟!
*  رمضان مدرسة الأجيال:
أحبّتي في الله: في رمضان تتربى الأمّة على الجدّ، وأمّة الهزل أمّة مهزومة، في رمضان يتربّى أفراد الأمّة على عفّة اللّسان، وسلامة الصدور، ونقاء القلوب، وتطهيرها من أدران الأحقاد والبغضاء، والحسد والغلّ والشحناء، ولا سيما من طلبة العلم، والمنتسبين إلى الخير والدّعوة والإصلاح، فتجتمع القلوب، وتتوحّد الجهود، ويتفرّغ الجميع لمواجهة العدو المشترك، ونتخلى جميعاً عن تتبع السقطات، وتلمّس العثرات، والنفخ في الهنّات، والحكم على المقاصد والنيات..
في رمضان: يطلب من شبابنا تحقيق دورهم، ومعرفة رسالتهم، وقيامهم بحقّ ربّهم، ثم حقوق والديهم ومجتمعهم..
في رمضان: تتجسّد ملامح التلاحم بين المسلمين رعاتهم ورعاياهم، علمائهم وعامّتهم كبيرهم وصغيرهم، ليكون الجميع يداً واحدةً، وبناءً متكاملاً، لدفع تيارات الفتن، وأمواج المحن، أن تخرق السفينة، ويحصل جرّاءها الخلل الفكريّ والاجتماعي..
 في رمضان: تكثر دواعي الخير، وتقبل عليه النفوس، فهو فرصة للدعاة والمصلحين، وأهل الحسبة والتربويين، أن يصلوا إلى ما يريدون من خير لبلدنا تونس و لشعبها بأحسن أسلوب وأقوم منهاج، فالفرصة مؤاتية، والنّفوس مقبلة..
 فاتقوا الله - عباد الله - وأدركوا حقيقة الصوم وأسراره، وتعلموا آدابه وأحكامه، واعمروا أيامه ولياليه بالعمل الصالح، وصونوا صومكم عن النواقض والنواقص، وجدّدوا التوبة وحققوا شروطها، لعل الله أن يتجاوز عن ذنوبكم، ويجعلكم من المرحومين المعتقين من النار بمنّه وكرمه..
 واعلموا إخواني المسلمين، أنّكم كما ستستقبلون شهركم هذا ستودعونه بعد قليل أيام، وهل تدري يا عبد الله، هل تدرك بقية الشهر أو لا تكمله ؟! إننا والله لا ندري، ونحن نصلي على عشرات الجنائز في اليوم والليلة: أين الذين صاموا معنا فيما مضى؟!
 إن الكيّس اللبيب من جعل من ذلك فرصة لمحاسبة النفس، وتقويم اعوجاجها، وأطْرِهَا على طاعة ربّها قبل أن يفجأها الأجل، فلا ينفعها- حينذاك - إلاّ صالح العمل، فعاهدوا ربكم  يا عباد الله  في هذا الشهر المبارك على التوبة والندم، والإقلاع عن المعصية والمأثم، واجتهدوا في الدعاء لأنفسكم وإخوانكم وأمتكم..


إعداد وإشـــراف : الشيخ محمد الشاذلي شلبي