الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

لقاءات



من ثقب الباب

شتّان بين المثقّف.. و بعضهم (1)


يكتبها: محمّد الشّاذلي شلبي
إنَّ المثقف هو قلب الأمَّة النابض، وهو الذي يشعر بهموم الأمّة، ولا بدَّ أن يكون له موقف أخلاقي نابع من دينه تجاه ما يحدث، فيكسب رضا الله ورضا الناس ويمنح التخليد في التاريخ.. و تعرف أقدار الرجال بمعرفتهم و مواقفهم و أعمالهم التي يخلّفونها بعد رحيلهم..   
* المثقف يواجه عواطف الجماهير بروح عمليَّة حركيَّة.. وخصوصاً أنَّ العاطفة تكون سيدة الموقف في كثير من القضايا.. فهو في خطاباته لا يشحن العواطف ويحركها فحسب، بل إنَّه يواجهها بعقلانيَّة وعمل مثمر بنَّاء، وتسخير للطاقات في خدمة هذا الدين..
وعليه فإنَّ من المهمّ أن يكون المثقف لديه وعي اجتماعي ويتبعه دور اجتماعي، يصلح به الواقع المعاش، ودنيا الناس.. ولا بأس..
فليكن مثقفاً ورجلاً شعبياً في الوقت نفسه.. لهذا نجد أنَّ كفَّار قريش استغربوا كيف أنَّه -عليه الصلاة والسلام - يعاشر الناس ويخالطهم في منتدياتهم وأسواقهم، حيث كان رجل عامَّة مع أنَّه الرسول الذي يوحى له من قِبَلِ الله تبارك و تعالى وكفى به من شرف، ومع هذا فكان قريباً من الناس، ممَّا دعى كفّار قريش لأن يقولوا كما أخبر تعالى عنهم: «وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق»..
فالمثقف هو من يكون جامعاً بين نفع نفسه ونفع الناس، مع علم وفكر ومعرفة، فهو:
نيِّر الفكر يقود العملا        مثل رعد بعد برق جلجلا
والحقيقة أنَّ بعض الناس يظنُّ أنَّ المثقف يقتصر دوره على الكتابة أو الاستقاء الثقافي، لذا صار كثير من المثقفين يعيشون في صومعة فكرية، ودورهم في المجتمع ضامر ولا يظهر إلا من خلال كتاب أو مقالة أو رسالة فحسب، ولا ريب أنَّ هذا خلل في المفهوم، فالمثقف إن كان قصده المعرفة والثقافة فحسب فإنَّه لن يكون له دور إصلاحي ريادي في المجتمع، وهو ما نسعى له..
* من واجبات المثقف أن يجيب على تساؤلات الناس، ويعالج مشكلاتهم.. فلا يكون كالكثير ممَّن يطرحون الإشكاليات التي يعجَّ بها العالم الإسلامي، ولا يعطون لها حلاّ، أو يفكّرون بطرق عملية تفيد السّائل، وتثري المجتمع، وفي الحقيقة فإنَّ كثيراً من المثقفين يعيشون في أزمة، وتكمن في إثارة الإشكاليات الثقافيَّة أحياناً في وجوه المخاطبين، دون تبيين حلول لتلك الإشكاليات، لذا وصف كثير من المثقفين بأنَّهم يعيشون في واد والناس يعيشون في واد آخر.. لكن ما نرجوه أن يكون المثقف كالطبيب الذي يعالج مشكلات الجسم، وهو يعالج مشكلات الرّوح والمجتمع، فضلاً عن تعزيزه لذوات النّاس والمجتمعات، وزرع روح التكافل والتضامن الروحي والاجتماعي فيما بينهم ..
فهو كما قيل: «شخص همّه أن يحدّد ويحلّل ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل، نظام أكثر إنسانية وأكثر عقلانية »..
ولا يعني ذلك أنَّ المثقف يجب عليه أن يجيب على كلِّ سؤال، حتى يوصم بأنَّ لديه شهوة الكلام والجواب والخطاب، وهو بهذا يظنُّ أنّه يريد أن يحقّق الموسوعية، وهذه مشكلة قد يضرّ من خلالها أكثر ممَّا ينفع.. فبعضهم يريد أن يكون شيخاً وواعظاً ومفتياً ومحلّلاً سياسياً ومنظراً اجتماعياً وطبيباً نفسياً، وأتذكّر بهم قول الشاعر:     
رام نفعاً فضرَّ من غير قصد     ومن البرّ ما يكون عقوقاً
إلاَّ أنّ المثقّف الصّادق يقول لمن لا يعرفه: ( لا أدري) ويكثر من هذا القول، ولا يتنافى هذا بأن يكون مثقّفاً البتّة..
دور المثقف حيال بناء الأمَّة الثقافي
لابدَّ وأن يكون للمثقف دور في بناء الهيكل الثقافي للأمَّة المسلمة، وتزويدها بكلِّ ما يرفع من كيانها وقدراتها، ومن ذلك:
*  ممَّا يلزم المثقف أن يكون له دور في الإصلاح الفكري والدّيني والاجتماعي وغيرها، وأن يفرض رأيه بالإقناع لا بالإخضاع.. فهو ليس حاكم، أو قاضٍ، بل هو مبلّغ وداعية وموصِّل للثقافة التي استقاها إلى شرائح المجتمع.. مع أهميَّة أن يتّسع صدره لمن يخالفه، ويعامله بالحسنى، ويعاشره بالمعروف، ويربّي الناس على أهميَّة التخلٌّق بأدب الخلاف، والتعامل مع الناس في طروحاتهم الفكرية والثقافيَّة بأدب، ويخبرهم بأنّهم الرابح الكبير من وراء ذلك، وصدق الله إذ يقول: « ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا »..