الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

لقاءات



خطبة الجمعة

الإصلاح الفردي بالعمل


الحمد لله الذي أنزل القرآن الهادي للّتي هي أقوم، علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم.. أحمده، و بحمده تُستفتح الأبواب، و يُنعم بتسبيحه و تكبيره أهل السعادة في دار الثواب، و أشكره بيّن و هدى، و رحم و لم يتركنا سُدى، و الشكر جمالٌ للعابدِ جمّالٌ لنعمٍ لا نُُحْصى لها عددًا..
و نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة قامت بحقّها السّماوات و الأرض، و سرى نورها في الطّولِ و العرض.. شهادة عطرة، زكيّة، قوّمت العقيدة بعد اعوجاج، و ثبّتت أصول الإيمان بعد ارتجاج.. اللهمّ ثبّت عليها قلوبنا و ألسنتنا عند النّزع و يوم تعرض الخلائق من عميق الفجاج..
و نشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده و رسوله، نبيٌّ أضاء العالم بنور طلعته، زكيٌّ طاهرٌ مصطفى أمين، بثّ الهداية في العالمين، و جاهد في الله الجهاد المبين، اللهمّ صلّ و سلّم و زد و بارك عليه و على آله و صحبه و التّابعين، صلاة متقبّلة نامية، دائمة إلى ربّنا في كلّ وقتٍ و حينٍ..
أمّا بعد: فيا أيّها الذين آمنوا، إنّ الدعامة الأساسيّة التي أقيم عليها الإصلاح الفردي، هي العمل.. إذ دعا القرآن إلى العمل دعوة حثيثة، فكان حركيّا في كلّ شيء حتى العبادة.. فالصلاة التي هي عمود الدّين جعلها تبارك و تعالى تأمّلا في ذاته، تصحبها الحركة المعبّرة عمّا يجول في داخل العابد من معاني التقديس و الخضوع لربّ العالمين.. و الحجّ عبادة حركيّة في جميع مناسكها، في الطّواف و السعي و النّفرة إلى عرفة و جمع الحصيات من مزدلفة و رمي الجمار، و هي تنقّلٌ متواصلٌ بين منازل يستمتع بها الحاج و يناجي ربّه..
و تتكرّر مادة العمل في القرآن ثلاثا و ستّين و ثلاثمائة مرّة باللّفظ، و بالمعنى ما يقارب ذلك.. و يدعو القرآن إلى الضّرب في الأرض ويأمر الأمر الجازم و في ذلك يقول سبحانه: «هو الذي جعل لكُمُ الأرْضَ ذَلولا فامشُوا في مناكبها و كلوا من رِزْقِهِ و إليه النُّشُورُ». ( سورة الملك الآية: 15 )
نداءُ اللهِ للمؤمنين أن لا يقعدوا و لا يقبعوا، و أن يتحرّكوا في أرجاء الأرض ليستفيدوا ممّا خلق الله و يفيدوا، فكلّ ما في الأرض مسخّرٌ لهم بفضل الله و بقوّة العلم و بواسطة العمل.. و لهذا ربط القرآن الكريم بين العمل و النجاح في الدّارين، و ليس كلّ عملٍٍ، بل هو العمل الصّالح المستنير بالإيمان، و في ذلك يقول تبارك و تعالى: « من آمن بالله و اليوم الآخر و عَمِلَ صالِحًا  فلهُم أجرُهُمْ عند ربِّهم و لا خوْفٌ عليهم و لا هُمْ يحزنون».
فإذا ما اقترن العمل بالإيمان واهتدى بالعلم فلا خوْفٌ من المستقبل ولا أسف على الماضي.. وهل السعادة شيء آخر سوى التحرّر من الخوف من مستقبل متجهّم و أسفٌ على نعمة زالت وانتهت، بل تكون الحياة بالعمل، حياة جدّ موصول، ونعمٌ يخلف بعضها بعضًا، وطمأنينة على ما تلده الأيام.. فلا تلد الأيام بالعلم والعمل إلاّ جمالا وكمالاً.. ذلك أنّ العمل الصّالح يهدي في ذاته إلى عملٍ صالحٍ آخر.. وهكذا ترتبط حلقات سلسلة الفوز، يقول جلّ ثناؤه: «إنّ الذين آمنوا وعمِلوا الصّالحات يهديهم ربّهم بإيمانهم». ( سورة يونس الآية: 9 )..
أيها القرّاء الأكارم، لقد خلق الله الإنسان و ذلّل له السبل ليعيش، فهو يجد في الدّنيا من الوسائل و الأسباب ما يمكنه من الحفاظ على الحياة و تأمين استمرارية الوجود.. و تسلسل الأسباب لا يعني أنّ دور الإنسان ينحصر في مجرّد الاستهلاك السلبي لما يوفّره الحقّ تبارك و تعالى، بل فرض سبحانه عليه أن يشتغل و يجتهد و يكدّ ليتوفّر بفضل عمل يديه و ما وهبه الله من عقل، على ما استطاع من خيرات كامنة في عمق الطّبيعة و على سطحها..
و بالتوازي مع ما وفّر الله لخلقه من خيرات، إلاّ أنّه يحثّهم في ذات الوقت على السعي، أي على العمل الإيجابي.. و العمل هو الذي يكسبه الإنسان حقّا في الحياة.. وما يبذله الإنسان من جهد هو الذي يؤهله و يضمن له الوجود بإذن الله تعالى.. و من ثمّ تحرص التعاليم الإسلامية، خلافا لما يدّعيه أعداء الإسلام، على أن تكون لدى الإنسان المؤمن نفسية العامل الذي يعوّل على ذاته، لا نفسية المتكّل على الغير أو على الغيب، يقول جلّ و علا: « وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملكم ورَسُولُهُ و المؤْمِنونَ». ( التوبة الآية: 105 )..
وهذا ما يعتقده البعض نتيجة ما يلاحظه من تخلّف اقتصادي و اجتماعي في بعض المجتمعات الإسلامية، من ذلك أنّ ديننا الحنيف يحثّ على الاتّكال على الله و التخاذل و التكاسل و التقاعس.. إنّ الله يخلق النعم، و الإنسان من خلال عمله و اجتهاده يكتسبها، و بفضل ذلك يسمو إلى مستوى يقرّبه من الله تعالى.. لذلك جعل الدّين الإسلامي من العمل واجبا، بل عبادة مؤكّدة، لأن العمل هو همزة وصل بين مختلف عناصر الإنسان المادية و الروحيّة..
روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلّم أنّه قال: «فإنّ خير العمل أدْوَمُهُ و إنْ قلَّ». ( حديث صحيح أخرجه ابن ماجه في السنن )، و لعلّ من أجلّ التعاليم القرآنية ما أتى في سورة الأنبياء، إذ علّم الله سبحانه نبيُّهُ داود عليه السلام، صنعة لبوس، لقومه فلم يتحاش تبارك و تعالى من جعل الصناعة فرضا حتّى على رسوله و أن يعلّمها له بنفسه سبحانه، يقول جلّ شأنه: « و علَّمْناهُ صنْعَةً لبوسٍ لكُم لِيُحْصِنَكُمْ من بأْسِكُمْ فهلْ أنتُمْ شاكِرونَ». ( سورة الأنبياء الآية: 80 )، و معنى لبوس لكم أي: درع من الحديد. ذلك أنّ داود عليه السلام، كان يجوب الصحراء و إذا به أصاب رجل يعرفه، و إذا بذلك الشخص يعيب على داود أنّه يأكل من غير كسبه، فكان ذلك درسا عميقا من المولى تبارك و تعالى لرسوله، ففهم داود أنّ العمل اليدويّ واجبٌ حتّى على الأنبياء، فعاد إلى بيته و صلّى متضرّعا إلى ربِّهِ أن يعلّمه شُغْلا ينال به ما يقضي به احتياجاته اليومية، فعلّمه الله صناعة الحديد فاحترفها..
و كان الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: «إنَّ اللهَ تعالى يبغضُ الشاب الفارغ». ( أخرجه الحافظ العراقي)، وفي الأثر: « من اكتسب قوتَه و لم يسأل الناس لم يعذّبه الله تعالى يوم القيامة و لو تعلمون ما أعلم من المسألة لما سأل رجُلُ رجلاً شيئا وهو يجدُ قُوتَ يومه.. و ليس عند الله أحبّ من عبدٍ يأكل من كسب يده.. إنّ اللهَ يبغض كلّ فارغٍ من أ‘مالِ الدّنيا و الآخرة»..
و في ذات المعنى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « لأَنْ يأْخُذُ أحدكم حَبْلَهُ فيأْتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكفّ الله بها وجهه خيْرٌ له من أن يسأل الناس أَعْطوهُ أو منعوه». ( أخرجه البخاري في الصحيح باب الاستعفاف من المسألة، ح: 1402 )..
عباد الله، ليس المطلوب في الإسلام العمل فحسب، بل المطلوب أيضا جودة العمل التي هي ركن أساسي من أركانه، لأنّه بالإتقان تكسب الأشياء قيمتها و يكتسي العمل نبلُهُ و شرفه.. يقول صلى الله عليه و سلم: «إنّ اللهَ يحبُّ إذا عمل أحدكم عملا أن يُتْقِنَهُ». ( أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها ).. و العمل المتقن وحده يُمَكِّن صاحبه من الكسب الحلال البلال الطيّب..
و أعلموا أنّه إذا ما قام الفرد بعمل متقن، فإنّه يترتّب عليه عقد إلف بين ذاته و بين نهج الحقّ و الطريق المستقيم، و مازال الفرد مكرِّرًا حتى يصبح الإتقان عادة ثانية في نفسه، و إذا ما تعوّد الإتقان و الجودة، صعُب عليه الغشّ و الانحراف.. هذا فضلا عن قيمة ما يقدّمه لمجتمعه و أمّته.. قال الله تعالى: « إنّ هذا القرآنَ يهْدي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ و يُبَشِّرُ المؤْمنين الذين يعملون الصّالحاتِ أَنّ لهم أجْرًا كبيرًا». ( الإسراء الآية: 9 )..
نفعني الله و إيّاكم بمعجز كتابه، و هدانا جميعا إلى العمل بأحْكامه، و التأدُّبِ بفضائلِ آدابه، و حشرنا في زمرة النبيّ صلى الله و سلّم عليه و على آله و أصحابه و أتباعهم أجمعين..


إشـــراف : محمد الشاذلي شلبي