الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

لقاءات



من ثقب الباب

فضـــــــولٌ...


الثرثرةُ وكثرةُ الكلامِ فأمارة غباء، ومؤشِّر بلاء، وما أكثر أصحاب هذا البلاء في هذا الزمن الذي نعيشه..  تجد بعضهم لا يغفلون عن أخبار الناس، من غير أن تسأله يعطيك خبر الرجل وأحواله ومدخله ومخرجه وسيارته، وربما أعطاك حتى مقاس قدميه من كثرة فضوله وانشغاله بما لا يعنيه..
وسبب ذلك فراغ العقل من العلم، وفراغ القلب من تعظيم الله، وفراغ الوقت من العمل المجدي النافع، ساعَدَ على ذلك كثرةُ المقاهي وانتشارها، هذه المقاهي التي هي في الحقيقة تصلح بأن تسمّى بـ « المراصد »، أغلب روادها يقعدون منها مقاعد للسمع والنظر، واصطياد الخبر، واقتفاء الأثر، يراقبون الحركات، يتلقون الهمسات، بل ويتدخلون حتى في النيات والخطرات !! فلان اشترى، وذاك باع، وذاك طلّق زوجته، ووزّع تركته، وهذا تخونه الزوجة، وأخلاق أولاده معوجة، وهذا طويل، وذاك قصير..
 أفلا يخطر ببال هؤلاء قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: « مِن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه »..
فالمتدخل فيما لا يعنيه عنده خلل في إسلامه وتديّنه، بل إن المتّصف بهذا الخلق الذميم معرِّض نفسه لغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: « إنَّ مِن أحبِّكُمْ إِلَيَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإنّ من أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدّقون والمتفيهقون »..
ومعلوم في اللغة أن الثرثرة هي كثرة الكلام وفضوله الذي لا حاجة منه، ولا ينشر فائدة، ولا يرسخ مودة ..
والفضول أنواع وأشكال، فهناك فضول الخبر، وهناك فضول النّظر، وهناك فضول الأثر، وكلّها أنواع شرّ وبلادة وموت ضمير..
ففضول الخبر أن تجد العبد مشغولاً بالأخبار، يتصيّدها وينتظرها وينشرح صدره لها، وقد يبذل المال والوقت والجهد من أجل أن يظفر بخبر عن أحد، المقرّب عنده والمبجّل الذي يأتيه بالأخبار الساخنة، والملفّات الجديدة، والأسرار البعيدة..
وهناك فضول النظر، وهو فضول من نوع آخر، فضول فيه نوع من البلادة، بلادة الحسّ والمعنى: تجد الرجل يراقبك ويتّبعك بنظراته دون خجل ودون حياء ودون مراعاة لشعورك، كن مع أهلك أو أولادك أو مع زوجتك أو مع أمّك أو مع نفسك، لا يهمّه ذلك، المهمّ عنده إشباع نظره واختراقك واقتحامك.. هذا النّوع من فضول النّظر كان يكرهه النبيّ صلّى الله عليه وسلم إلى درجة لا تخطر على بال، فلقد رأى صلّى الله عليه وسلم رجلا يطّلع في بعض حجره، فقام إليه ومعه مشقص، آلة حديدية حادة يريد أن يطعنه في عينيه !!  
بل إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « لو أنّ رجلا اطلع عليك بغير إذن فخذفته أي: رميته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح »..
 نعم، يستحقّ الذي يقتحم النّاس بنظره إلى بيوتهم وأسرارهم يستحقّ هذا اللون من ألوان الإذلال، فغضّ البصر عند رؤية الناس وعدم إمعان النظر فيهم دليل على الترقّي وعلى الصّفاء والطهر، وسمة من سمات أولياء الله العارفين بالله.. واللهِ من الناس من يتبعك بنظره حتى تتوارى عن الأنظار!! وهذه الخصلة لا يمكن أن تصدر إلاّ عن بليدٍ فارغ الحسّ..
وهناك فضول آخر وهو فضول الأثر، وهذا درك أسفل، وفضول الأثر هو ألا تكتفي بالخبر والنظر، بل تتتبّع المسلم وتقتفي أثره لترى أحواله وتعرف أخباره وتعرف إلى أين يذهب ومع من يلتقي وهل له زوجة أخرى وهل عنده مشاريع وهل عنده مزالق، وربّنا يقول: « وَلاَ تَجَسَّسُوا ». ( سورة الحجرات الآية: 12 )، و يقول صلى الله عليه وسلم: « يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنّه من يتّبع عورة أخيه يتّبع الله عورته، ومن يتّبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته »..
فما لك وللناس ؟.. أين انشغالك بحالك ؟.. أين بكاؤك على نفسك ؟.. هل فضل عندك وقت لتتفرّغ للنّاس وأحوالهم وأخبارك ؟.. ما لك وللناس ؟.. ما لك وللأحكام على الناس ؟..
جعلني الله وإياكم ممّن ذكّر فنفعته الذكرى، وأخلص لله عمله سرّا وجهرا، آمين.. آمين.. و آخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين..


يكتبها: محمّد الشّاذلي شلبي