الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



العملة الرقمية البيتكوين

هل تتسرّب إلى سوق المال التونسية...أم أن مخاطرها تـمنع ذلك؟



إعداد: شكري بن منصور 

تسجّل العملة الرقمية “بيتكوين” إقبالا كبيرا ومتزايدا في جميع بلدان العالم متجاوزة كل القيود والعوائق المالية نظرا لأنها أول عملة غير مادية عابرة للحدود. فالعملات الرقمية أصبحت  تلقى رواجا كبيرا  عبر الانترنات نظرا لكونها سهلة الاستعمال وسريعة التحويل  ولأنها تضمن  وسائل الحماية للمعطيات الشخصية.

فقد تزايد عدد مستعملي العملات الرقمية الافتراضية على شبكة الإنترنات بنسبة كبيرة خلال السنتين الأخيرتين، حيث تشير الإحصائيات التي تم جمعها بالعديد من منصات التداول على أن هذه العملات أصبحت تستقطب العديد من الشباب العاطل عن العمل إلا أن عديد الخبراء والمحللين يحذرون من التعامل بالعملات الرقمية نظرا لان التوجه نحو هذا الاستثمار دون فهم يعتبر مخاطرة وقد يكبّد المستثمرين خسائر فادحة.

وفي المنطقة العربية ارتفع عدد المتداولين في منصات العملات الرقمية حيث تشير أحدث البيانات إلى أن  المغرب يحتل المرتبة 43 عالميا من حيث مستعملي البيتكوين وتأتي مصر في المرتبة 47 عالميا والعراق في المرتبة 48 لكن تبقى البلدان الأوروبية و الولايات المتحدة الأكثر تداولا لهذه العملة الرقمية سواء من طرف الأفراد أو حتى التعاملات بين الشركات.

وفيما يتعلق ببلادنا لم يتخذ البنك المركزي التونسي أي إجراءات بشأن العملات الرّقمية المشفّرة رغم موقف البنك الرافض لاستعمال «البيتكوين» على اعتبار أن إقرار هذه العملة في تونس يجب أن تسبقه دراسة كاملة للوقوف على إيجابياتها وسلبياتها خصوصا أن اعتمادها كعملة معترف بها يتطلّب إمكانيات تكنولوجية عالية لتعقب مسار الأموال لتفادي استعمالها في أغراض مشبوهة. إلا أنه بالرغم من ذلك لا يزال من الممكن الآن الحصول على «بيتكوين» في تونس من خلال طرق يعلمها المتداولون جيدا . ويجري إصدار نحو 3600 عملة بيتكوين جديدة يوميا حول العالم ويبلغ الحد الأقصى المسموح بتداوله 21 مليون وحدة علما وأن قيمة البيتكوين مقارنة بالدولار الأمريكي قد سجل صعودا قياسيا فاق 19 ألف دولار للوحدة الواحدة.

فما هي مخاطر استعمال عملة البيتكوين الافتراضية، في تونس وهل ستساهم في دفع عجلة الاقتصاد  أم ستعمّق وضعه الصعب؟ 

في خطوة تدل على مدى تطور التعامل بالعملات الرقمية في مختلف بلدان العالم  أنشأ البنك المركزي الهولندي العملة الالكترونية الخاصة به للتداول الداخلي فقط  ويتجه البنك المركزي الصيني لإقرار خطوة مماثلة بينما  قام البنك المركزي الروسي  بإنشاء حساب تجريبي رقمي . وفي الولايات المتحدة يدرس  البنك الاحتياطي الفيدرالي اعتماد هذه العملات بشكل رسمي  رغم تحفظاته العديدة بشأنها وكذلك الحال بالنسبة الى أستراليا . وتعرف  البيتكوين على أنها عملة رقمية لامركزية تعتمد على التّشفير ما يجعل من الصعب تتبعها وإخضاعها لسيطرة الحكومات والبنوك المركزية لامتلاكها رقما متسلسلا وهي بالتالي تختلف عن  العملات التقليدية ويتمّ التعامل بها فقط عبر شبكة الإنترنات.

وبخصوص عملة البيتكوين يرى الخبراء أن تداولها يخل بمنظومة نقل الأموال التقليدية والتعامل فيها كالبنوك ويسهل بيع الممنوعات والتهرب الضريبي ويؤدي الى إضعاف قدرة الدول على الحفاظ على عملتها المحلية والسيطرة على حركة تداول النقد. وفي هذا الإطار يرى  الخبير في أسواق التداول عادل الطويل أن العملات المشفرة وأهمها البيتكوين التي ظهرت منذ 2009  تسجل إقبالا كبيرا من قبل المستثمرين مما أدى إلى تضاعف قيمتها في أسابيع قليلة وبلغت مستويات قياسية ولكن في غضون يوم واحد فقط من تسجيل مستوي قياسي في قيمتها تراجعت بنحو 20 % لتبلغ تسعة آلاف دولار. وبسبب هذه التذبذب وعدم الاستقرار في قيمتها قد يكون من المفيد و الأسلم منع  تداول هذه  العملات خاصة وأن مواقع التداول تشهد إقبال عديد التونسيين عليها ما ينبئ بإمكانية توسع نشاطها بين الأفراد في البلاد لا سيما وأنّ هذه الشبكات توفّر ربحا ماليا قد لا تحققه البنوك إضافة إلى كون الرسوم المفروضة عليها منخفضة لأن العملة لم تنتقل بل رمز العملة هو الذي يخرج من حساب ويدخل إلى حساب آخر.

استثمار أم مجازفة !

وما يثير المخاوف من هذه العملة في تقدير محدثنا هو التذبذب الكبير في قيمتها حيث أنه  بعد الارتفاع الصاروخي لقيمة البيتكوين انخفضت العملة خلال الأسبوع الفارط  إلى أدنى مستوى لها في أربعة أسابيع بعد توجه العديد من الدول لمنع التداول بها على غرار كوريا الجنوبية والمملكة العربية السعودية ومصر... هذا الأمر يضع الحديث عن العملات الرقمية في خانة المجازفة والمغامرة اذ انها ليست استثمارا ماليا يخضع إلى قواعد واليات علمية مدروسة مما جعل عديد البنوك حول العالم ترسل مذكرات تحذير إلى عملائها من مخاطر الاستثمار في العملات الرقمية.

ولا ينصح الخبير المالي عادل الطويل بالاستثمار في العملات الرقمية  لان هذا النوع من المنتجات المالية لا يضمن شروط الاستثمار الحذر والآمن وغير المحفوف بالمخاطر. وبما أن الاستثمارات في العملة الرقمية تشهد تقلبات على مدى دقائق وساعات فهي ببساطة حالة لم تشهدها السوق المنظمة وبالتالي يجب انتظار وضع إطار قانوني متقدم يواكب هذا التطور التكنولوجي  حتى أن هناك من يعتبر العملات الرقمية وسيلة للغش على اعتبار أن وسيلة الدفع يتعين أن تبدي استقرارا لقيمتها وهذا الشرط غير متوفر حاليا.

و بحسب مبارك الخماسي عضو الجمعية التونسية  للحفاظ على المؤسسة لا يبدو أن بلادنا تتجه نحو التعامل بالعملات الرقمية  لعدة عوامل أهمها  المخاوف من التمويلات المشبوهة وتبيض الأموال. وبالنسبة إليه هذه العملات لها عديد الايجابيات حيث تساعد المؤسسة على المرونة في دفع وتمويل عملياتها التجارية سواء عند الاستيراد أو التصدير وكذلك يمكّن هذا الأمر من الحفاظ على مخزون البلاد من العملة الصعبة.  لكن في المقابل يبرز استعمال هذه العملات المشفرة عديد السلبيات أهمها الاضطراب المتواصل في قيمتها وعدم ملاءمتها للبنية التحتية المالية لتونس.  وعلاوة على ذلك تحيط بهذه العملة عديد النقاط الغامضة يجعل منها أشبه ما تكون إلى عملة خيالية فليس وراءها بنك مركزي يقوم بضخها في الأسواق أو وزارة مالية تراقب تعاملاتها ولا يمكن معرفة من يديرها ومن يتحكم فيها من وراء الستار.

تحذيرات من فقاعة مالية !!

 ومن حيث المبدإ لا يساعد الغموض على الازدهار الاقتصادي نظرا لان عنصر وضوح الرؤية مهم جدا في اتخاذ القرار الاقتصادي وبالتالي يعتقد محدثنا أنه يجب التروي ومزيد الانتظار قبل اعتماد بيتكوين أو غيرها من العملات الرقمية في بلادنا. ومن ناحية أخرى يجب الإقرار أنه ليس من الأكيد أن كل جديد اقتصادي ومالي ينجح في البلدان المتقدمة يمكن أن ينجح في تونس نظرا للخصوصيات الاقتصادية والمالية لكل بلد و ذلك لكون بلادنا تمر بمرحلة انتقالية لا تحتمل مزيد المجازفة بالتوجه إلى اعتماد عملات يصعب مراقبتها والتنبؤ بمستقبلها ويمكن أن تختفي فجأة كما ظهرت فجأة. 

و من المستبعد أن يقدم البنك المركزي على السماح بتداول هذه العملات الرقمية لعدم مطابقتها للقوانين رغم أن عديد البلدان تبذل جهودا كبيرة لتشريع استخدام البيتكوين مثل اليابان وأستراليا والشركات الصينية  لأن المنطق  يقتضي أن لا تسمح  الحكومات للناس بإجراء معاملات مالية ضخمة من خلال طرق لا يمكن تتبع أطرافها. ويمكن تفسير الرواج الذي أصبحت تحظى به العملات الرقمية في البلدان المتقدمة برغبة هذه البلدان في دفع عجلة الابتكارات التكنولوجية وسيكون التحدي الأكبر الذي ستواجهه هذه العملات هو مدى سيطرة الحكومات عليها  لذلك من المستبعد بحسب محدثنا أن تهيمن العملة الافتراضية المشفرة على التعاملات المالية التي توفر ملاذا للتهرب  من دفع الضرائب فالحكومات هي التي تسن القوانين وبإمكانها أيضا أن تظل تغيرها وتمنع تطور العملات الرقمية.  كذلك من أهم  سلبياتها التذبذب الحاد في أسعارها فضلا عن كونها سوقا خفية لبعض المعاملات غير المرخص ما جعل من الخبراء يحذرون من  فقاعة قد تنفجر و تتسبب للمستثمرين في  خسائر بملايين الدولارات.

كما أن الأوجه غير المشروعة لاستعمالات العملات الرقمية متعددة من ذلك على سبيل المثال يمكن استخدامها لتسهيل عمليات تحويل الأموال للإرهابيين وتمويل عمليات إرهابية أو تسهيل عمليات غسل الأموال ونقلها بين الدول إضافة إلى إمكانية استخدامها من قبل القراصنة على الأنترنات للحصول على الفدية والأموال التي يريدون سرقتها وهذا ما حصل بالفعل من القراصنة الذين شنوا الهجومين الإلكترونيين العالميين أواخر سنة 2017 عندما طالب الذين قرصنوا مئات آلاف الكمبيوترات بالعالم بدفع فدية بعملة "بيتكوين" من أجل إرجاع الملفات المقرصنة.

نظام مالي موازي

من جهته يرى رضا قويعة أستاذ العلوم الاقتصادية وعضو جمعية الاقتصاديين التونسيين أن البنك المركزي يسعى من خلال رفض التداول بالعملات الرقمية إلى حماية الاقتصاد لان  هذه العملات تجعل من رقابة البنك غير ممكنة وأيضا لان البيتكوين وغيرها تشكل نظاما ماليا موازيا. وبما أن الدينار غير قابل للتحويل ليس بالإمكان حاليا الإتاحة للشركات التعامل بالبيتكوين وغيرها لان البنك المركزي من خلال ذلك سيفقد السيطرة على السوق المالية. وبالنسبة إليه من صالح الشركات التعامل بالعملات الرقمية من وجهة نظرها لأنه يتيح لها الهروب من رقابة البنك المركزي والتهرب من دفع الضرائب على مداخيل عمليات التصدير التي تقوم بها وهذا مخالف للسياسة المالية التونسية. وعلى عكس ما يظنه العديد من الخبراء يعتبر رضا قويعة أن العملات الرقمية لا تساعد على الحفاظ على مخزون البلاد من العملة الصعبة لان الحسابات البنكية للشركات وللأفراد ستكون في الخارج أو عبر الشبكة العنكبوتية أي لن تكون هناك عملة صعبة تدخل  الى حساب البنك المركزي وعلى سبيل المثال عندما تقوم شركة ما بتصدير سلع من تونس نحو الخارج ستقبض مقابل ذلك في حسابات خارجية  في شكل أموال تضاف إلى حسابها المالي من العملات الرقمية وبالتالي لن تجني الدولة التونسية أي عوائد في شكل ضرائب ولن يرتفع مخزون العملة الصعبة لدى البنك المركزي. . أما عن ايجابيات هذه العملات فهي تتيح التعامل بها عالمياً عبر الانترنات، مما ساهم في تيسير الكثير من عمليات التجارة لبعض المواقع الأمر الذي انعكس إيجاباً على نمو وازدياد مواقع التجارة الإلكترونية في السنوات الثلاث الماضية.ودعا عضو جمعية الاقتصاديين التونسيين إلى ضرورة وضع أسس وقوانين تنظم التعامل بتلك العملات الرقمية، مما سيساعد في الحد من السلبيات التي تشكلها، إذ أن هناك خطورة كبيرة عندما يرتفع الشيء الذي تملكه إلى 5000 دولار وينخفض إلى 2500 دولار فجأة، فهذا يدعى في عالمنا «المضاربة»، منوهاً إلى أن الارتفاعات والانخفاضات المفاجئة سيجعلها بيئة منفرة للاستثمار.  كما أن  هوس العملات الرقمية الذي يجتاح العالم بات أمراً طبيعياً في ظل التطور التكنولوجي والمعلوماتي الواقع حاليا فضلاً عن زيادة حلقات التواصل بين الأفراد والمجتمعات بشكل أبسط وأسرع ولذلك اُستقبلت تلك العملات بالترحيب. ويرفض رضا قويعة الاستثمار بالعملات الرقمية نظراً لارتفاع التذبذب الحاد في أسعارها لاسيما أن كثرة عددها يجعلها غير مجدية عند الاستثمار ولكن يمكن استخدامها من قبل من يجيد المضاربة.

وأضاف أن البيتكوين تشكل فقاعة ستزول مع مرور الوقت، فمن الممكن أن يظهر لها منافس جديد وهي ليست المرة الأولى التي تظهر فيها عملات من هذا النوع على الصعيد العالمي فقد ظهرت في السابق عملة الريبيل ثم اختفت، وفى الغد ستظهر عملة جديدة أخرى وبعد الغد عملة أكثر اختلافا وبالتالي فإن زوال سلة العملات الرقمية أصبح شيئا مستبعدا.

لا تزال هناك العديد من العقبات حتى تصبح العملات الرقمية آمنة ومستقطبة للمستهلكين والشركات في تونس خاصة وأن الخبراء يجمعون على عدم جاهزية البنك المركزي لذلك.  كما أن قيمة ومصداقية النقد في بلادنا تتأتى أساسا من  سلطة الدولة واعترافها بالعملة المتداولة وبالتالي يبدو من المبكر جدا الحديث عن اعتماد تونس للعملات الرقمية على خلاف ما شرعت به البنوك المركزية في البلدان المتقدمة.