الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



كلمة رئيس الحكومة للشعب التونسي

الشّاهد متفائل... الخبراء مصدومون!



بقلم: جنات بن عبد الله

أثارت كلمة رئيس الحكومة التي بثتها القناة الوطنية مساء أول أمس الأربعاء 17 أفريل 2019 استغراب الرأي العام التونسي وعدد من الخبراء الاقتصاديين والماليين عندما أعلن عن تحسن العديد من المؤشرات، ويقصد بها المؤشرات الاقتصادية والمالية، وأن حكومته تعرف أكثر من أي كان حجم معاناة التونسيين وحجم المشاكل التي تراكمت منذ سنوات.

هذا الاستغراب تعمّق أكثر عندما تحدث عن حماية المقدرة الشرائية للمواطن،ليحدد أن هذه الحماية تتزامن فقط مع شهر رمضان، وأن الاجراءات التي ستضعها الحكومة، في هذا المجال وبهذه المناسبة فقط، تتمثل في :

- الضرب على أيدي المحتكرين والأطراف التي تعمل على استغلال هذه الفترة للترفيع في الأسعار.

- وضمان تزويد السوق كي لا ترتفع الأسعار والعمل على تخفيضها.

ما يلفت الانتباه في كلمة رئيس الحكومة تضارب تشخيصه للواقع الاقتصادي والاجتماعي، رغم إقراره بصعوبة الوضع، مع المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية حسب الإحصائيات الرسمية وبيانات البنك المركزي.

في كلمته اختزل الشاهد أسباب ارتفاع الأسعار في الاحتكار وفي التزويد، في حين أن الاقتصاد التونسي قد دخل مرحلة الركود التضخمي مباشرة بعد الثورة ليتعمق ذلك بعد انتخابات سنة 2014 . ورغم إصرار البنك المركزي على احتواء التضخم عبر الترفيع المتواصل لنسبة الفائدة المديرية، فان الحكومة تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية ارتفاع الأسعار من خلال الترفيع في الاداءات والأداء على القيمة المضافة والترفيع الدوري وكل ثلاثة أشهر في أسعار المحروقات ومن خلال التوريد المكثف الذي يقف وراء توريد التضخم فضلا عن أسباب أخرى مرتبطة بمسالك التوزيع التي ما تزال تنتظر تنفيذ برنامج تأهيلها الجاهز قبل الثورة، وبنسبة الفائدة المديرية وبتدهور قيمة الدينار.

ففي عهد حكومة الشاهد بلغت نسبة التضخم مستويات غير مسبوقة هي مرشحة للارتفاع خلال الستة أشهر القادمة التي تغطيها خارطة طريق حكومة الشاهد التي أعلن عنها في كلمته التلفزية، وذلك في ظل انضباط الحكومة ببرنامج الإصلاحات الهيكلية لصندوق النقد الدولي مقابل الحصول على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار في إطار «تسهيل الصندوق الممدد».

ففي بيانه الأخير الصادر في ختام زيارة خبرائه إلى تونس من 27 مارس إلى 9 أفريل الجاري كشف صندوق النقد الدولي أن السلطات التونسية مطالبة بمواصلة السعي إلى التخفيض في عجز ميزانية الدولة وتطبيق السياسة النقدية المتشددة والإلغاء التدريجي لدعم الطاقة، وكلها سياسات تؤدي إلى ارتفاع الأسعار ارتفاعا جنونيا في ظل تعطل سياسة المالية العمومية المتعلقة بالسياسة الجبائية وسياسة التجارة الخارجية.

في هذا البيان، نوّه خبراء صندوق النقد الدولي بالسلطات التونسية التي انضبطت في تنفيذ سياساته وإصلاحاته التي تقوم على:

- تشديد السياسة النقدية من خلال الترفيع في نسبة الفائدة المديرية والتي يعتبرها الصندوق مجدية باعتبارها تضغط على الطلب الداخلي بشقيه الاستهلاكي والاستثماري وتتماشى مع سياسة التقشف غير المعلنة، في حين أنها أدت إلى ضرب المقدرة الشرائية للمواطن وضرب الاستثمار وضرب منظومة الإنتاج.

- الضغط على عجز ميزانية الدولة من خلال تجميد الأجور والانتدابات في القطاع العام والوظيفة العمومية والتقليص من دعم المواد الأساسية والتفويت في المؤسسات العمومية والتي يعتبرها الصندوق أساسية في حين أنها أدت إلى تدهور المقدرة الشرائية والى تفاقم البطالة والى ارتفاع الأسعار والى الاحتقان الاجتماعي.

- الترفيع في الضريبة على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين والاداء على القيمة المضافة والتي يعتبرها الصندوق ايجابية باعتبارها ساهمت في ارتفاع الموارد الجبائية لميزانية الدولة في حين أنها أدت إلى ارتفاع الضغط الجبائي والارتفاع الجنوني للأسعار وتدهور القدرة التنافسية والمقدرة الشرائية.

- مواصلة رفع دعم الطاقة الذي يعتبره الصندوق إجراء ثوريا باعتباره يبعد «ميسوري الحال من الانتفاع بالدعم» كما جاء بالبيان، في حين أن مثل هذه المعادلة لا تستند إلى منطق علمي ونظري وهي غريبة عن التحليل الاقتصادي الكمي الذي يتعامل مع دعم المحروقات كآلية للضغط على تكاليف الإنتاج والمساهمة في تحسين القدرة التنافسية للمنتوج ودعم منظومات الإنتاج، وربط دعم المحروقات بميسوري الحال يكشف إما عن غباء أو جهل الخبراء أو استبلاههم للرأي العام التونسي.

من هذا المنطلق يتضح أن الشاهد في كلمته التلفزية، اعتمد منطق صندوق النقد الدولي ليبشر التونسيين بحماية مقدرتهم الشرائية بفضل إصلاحات وسياسات، بما في ذلك السياسة النقدية، يسوّق لها الصندوق كمنقذ للاقتصاد والبلاد والانتقال الديمقراطي في حين أن المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية تكشف خطورتها على منظومة الإنتاج والمقدرة الشرائية والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني لنكتشف أن هذه الكلمة هي في الحقيقة نسخة «متونسة» لبيان صندوق النقد الدولي.