الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



مشروع القانون الأفقي للاستثمار

...في اتجاه تحويل الشعب الى «غبار من الأفراد»..!؟



بقلم: جنات بن عبد الله

بعد قانون السلامة الصحية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات الذي سلم الشاهد من خلاله القطاع الفلاحي للمستثمر الأجنبي وقدمه على طبق من ذهب للاتحاد الأوروبي في اطار اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق «الأليكا» والتي مازال التفاوض بشأنها جار، يستعد الشاهد اليوم لاستباحة قطاع الخدمات للمستثمر الأجنبي عبر التسويق لمشروع القانون الافقي لتحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال.

فقد شهد يوم الخميس الماضي 14 مارس 2019 عقد الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للاستثمار وتنظيم ورشة عمل حول مشروع القانون الأفقي لتحفيز الاستثمار بحضور وزير التنمية والتعاون الدولي والاستثمار والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وخبراء في المجالين القانوني والمالي. وفي كلمته أكد الشاهد أن المشروع تمت صياغته بناء على مقاربة تشاركية بين الحكومة والهياكل العمومية والقطاع الخاص وهو يقدم بديلا، أي المشروع، لتحسين نسق الاستثمار. وحسب تعبيره فقد جاء هذا المشروع بعد تشخيص عديد القوانين المكبلة للاستثمار وتمويل المؤسسات والتي يشتكي منها المستثمرون، مؤكدا في ذات السياق أن الهدف منه هو تحرير القطاعات الاقتصادية من المكبلات والعوائق وتسهيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتسريع نسق انجاز المشاريع.

وفي تسويقه للمشروع أفاد الشاهد أن قانون الاستثمار الأفقي يعتبر من بين الإصلاحات الرئيسية الجديدة التي ستوفر للمستثمرين الضمانات اللازمة للمعاملة العادلة ويعالج القوانين التي تمثل عوائق.

من جهته لاحظ وزير التنمية والتعاون الدولي والاستثمار أن مشروع القانون يسهل احداث المؤسسات وبعث المشاريع وتمويلها وتطوير حوكمة المؤسسات الاقتصادية وملاءمتها مع المعايير الدولية...ليكشف قائلا أنه في صورة مصادقة مجلس نواب الشعب عليه قبل موفى شهر أفريل القادم ستتقدم تونس ما بين 10 و15 مرتبة في مؤشر سهولة الاعمال لسنة 2020.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها، ومباشرة بعد الانتهاء من أشغال ورشة العمل أحالت الحكومة مشروع القانون على لجنة المالية والتخطيط والتنمية بالبرلمان مع المطالبة بالتعجيل في دراسته ومناقشته وتحويله على الجلسة العامة قبل موفى شهر أفريل المقبل.

لقد حملت كلمتا الشاهد ووزيره للتنمية رسائل ملغمة وخطيرة للراي العام التونسي وللسلطة التشريعة المطالبة في ظرف قصير جدا بدراسة مشروع القانون في الوقت الذي تتطلب فيه مثل هذه المشاريع الرامية الى أقلمة تشريعاتنا مع المعايير الدولية اعداد دراسات لضبط انعكاساتها وكلفة تطبيقها على الاقتصاد الوطني والقطاعات الاقتصادية ومدى استعداد هذه الأخيرة للاستجابة لمتطلبات المعايير الدولية المنصوص عليها في مشروع القانون.

وفي كلمته نوه الشاهد بمنوال التنمية القائم الذي لم يستوف طاقاته الكاملة، حسب تعبيره، منتقدا قانون الاستثمار الذي قدمته حكومته وصادق عليه مجلس النواب في 17 ديسمبر 2016 ودخل حيز التنفيذ في غرة أفريل 2017 موضحا أن هذا الانتقاد جاء استنادا لشهادات مستثمرين كشفوا عن عوائق كثيرة واجهتهم ليتبنى الشاهد شكواهم بصفة استعجالية ويقدم هذا المشروع الذي جاء، حسب تعبيره، ليحرر كل القطاعات الاقتصادية من المكبلات وتيسير الشراكة وتبسيط الإجراءات الإدارية وحماية المستثمرين.

مصطلحات ومفاهيم استعملها الشاهد في كلمته ليوظفها في التسويق لمشروع قانون أفقي للاستثمار جاء، حسب تعبيره، لتعديل وتصحيح قانون طبّلت وهللت له جوقة حكومته آنذاك ليمر وسط انتقادات كبيرة من المعارضة أخمد صوتها توافق سياسي هدم كل آليات حماية الاقتصاد الوطني والقطاعات الاقتصادية وهو يستعد اليوم للاجهاز على ما تبقى منها عبر قانون افقي لا يستثني أي نشاط.

لقد كرر الشاهد عديد المرات مصطلح مكبلات الاستثمار واستعمل مصطلح المعاملة العادلة والقانون الافقي للاستثمار وكلها مصطلحات تنتمي لأدبيات الاتفاق العام لتجارة الخدمات «الغاتس» للمنظمة العالمية للتجارة الذي يقوم على تحرير المبادلات التجارية في كل الخدمات ذات الصلة بقطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات وتحرير الاستثمار والتي تستند لمبادئه وقواعده اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق «الاليكا» والتي تعهد الشاهد بتوقيعها مع الاتحاد الأوروبي قبل موفى سنة 2019 حيث سيشهد شهر افريل المقبل انعقاد الجولة الرابعة من المفاوضات التي انطلقت جولتها الأولى بتونس يوم 18 أفريل 2016.

وعلى عكس البلدان المتقدمة التي شاركت في وضع قواعد ومبادئ الاتفاقيات الدولية، لم تشارك البلدان النامية على غرار تونس في صياغة وضبط قواعد ومبادئ الاتفاقيات الدولية بما في ذلك الاتفاقيات التجارية للمنظمة العالمية للتجارة بما في ذلك ايضا الاتفاق العام لتجارة الخدمات الذي صيغ وصمم على مقاس مصالح البلدان المتقدمة وشركاتها ومصالح راس المال العالمي الباحث عن ضمانات قانونية تؤمن له المعاملة الوطنية حسب أحكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة والعادلة حسب الشاهد بينه والمستثمر الوطني من خلال رفع،ما يعتبره الاتفاق العام لتجارة الخدمات مكبلات وقيود أمام النفاذ الى الأسواق والانتصاب فيها وتحويل مرابيحه الى الخارج بكل حرية دون رقابة واستغلال الأراضي واليد العاملة ...

لقد سمحت أحكام الاتفاقيات التجارية للمنظمة العالمية للتجارة للبلدان النامية بوضع مكبلات وقيود أمام الاستثمار الأجنبي لفترة سمتها انتقالية في انتظار تأهيل قطاعاتها الاقتصادية الهشة واعدادها للتأقلم مع متطلبات معايير هذه الاتفاقيات التي تترجمها في مرحلة لاحقة أي بعد انتهاء الفترة الانتقالية القوانين الوطنية التي تتحول الى سيف مسلط على كل ما هو وطني وضمان لكل ما هو استثمار أجنبي.

لقد استطاع الشاهد مغالطة الفلاحين واحتواء منظمتهم النقابية بتمريره في مجلس النواب لقانون السلامة الصحية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات الذي يعتبر الاطار التشريعي لتنفيذ سياسة فلاحية فتحت عديد الأبواب للمستثمر الأجنبي للاستيلاء على ثرواتنا الفلاحية والبيولوجية وهو اليوم يفتح بقية أبواب النهب عبر قانون افقي للاستثمار يشمل كل قطاع الخدمات بما في ذلك الخدمات ذات الصلة بقطاعي الفلاحة والصناعة.

فبعد أن سوّق للاطار القانوني لاتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق في الجانب المتعلق بالقطاع الفلاحي يخرج الشاهد اليوم لاستكمال الاطار التشريعي «للأليكا» وهذه المرة في الجانب المتعلق بقطاع الخدمات من خلال مشروع قانون «مسموم» أطلق عليه مشروع القانون الافقي لتحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال الذي يعتبر ترجمة لأحكام الاتفاق العام لتجارة الخدمات «الغاتس» للمنظمة العالمية للتجارة الذي تستند اليه المفاوضات الجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي في اطار اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق.

فعلى خلاف طبيعة التزامات الدول الأعضاء في المنظمة العالمية للتجارة في مستوى الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة «الغات» بخصوص نفاذ السلع والبضائع الى أسواقها من خلال التخفيض في المعاليم الديوانية أو رفعها كتوجه لتحرير التبادل التجاري بين الدول الأعضاء أو بين الدول التي أبرمت اتفاقيات شراكة في ما بينها أو اتفاقيات تبادل حر فقد ضبط الاتفاق العام لتجارة الخدمات «الغاتس» باعتبار لامادية الخدمات المسداة، نوعية أخرى من الالتزامات أطلق عليها التزامات أفقية تتعلق بكل القطاعات وفي مستويات معينة كتلك المتصلة بالاستثمار الأجنبي وتنقل الأشخاص وممارسة الأنشطة التجارية ومراقبة الصرف وشراء الأراضي.

ويعرف الاتفاق العام لتجارة الخدمات «الغاتس» في فصله الأول بالفقرة الثالثة «ب» الخدمات على أنها «تشمل خدمات كل القطاعات» وبالتالي يغطي الاتفاق كل القطاعات بما في ذلك القطاعات التي يمكن أن تظهر في المستقبل. وقد حاولت سكرتارية المنظمة العالمية للتجارة تصنيف الأنشطة في 12 قطاعا مقسمة بدورها الى 155 فرع وميدان نذكر منها الخدمات المهنية (المستشارون الجبائيون والمحامون والخبراء المحاسبون...) وخدمات التشييد والهندسة (المقاولون والمهندسون وغيرهم) وخدمات التوزيع بالتفصيل والجملة والخدمات المالية (التأمين والبنوك) والخدمات الصحية (الأطباء والممرضون والصيادلة...) والخدمات التعليمية (الأساتذة والمعلمون...) وخدمات النقل وخدمات السياحة والسفر والخدمات الترفيهية والثقافية والرياضية والخدمات المرتبطة بالإعلامية والبحث العلمي وخدمات الاتصالات.