الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



نسبة التضخّم بلغت 7،1 في المائة

تراجع يعمّق أزمة المقدرة الشرائية



بقلم: جنات بن عبد الله

سجلت نسبة التضخم خلال شهر جانفي 2019 تراجعا لتبلغ 7.1 بالمائة مقابل 7.5 بالمائة في شهر ديسمبر 2018. وقد تم احتساب هذه النسبة بعد المراجعة التي قام بها المعهد الوطني للإحصاء لمؤشر الأسعار عند الاستهلاك العائلي بناء على نتائج المسح الوطني حول الانفاق والاستهلاك الأسري لسنة 2015 والتي دأب المعهد على القيام بها كل خمس سنوات وتشمل مراجعة قائمة المواد والخدمات التي تشكل قفة المواطن، والأوزان الترجيحية والتغطية الجغرافية.

هذه المراجعة كشفت عن تراجع نسبة إنفاق الأسرة التونسية على مجموعة التغذية والمشروبات من 28.1 بالمائة الى 26.2 بالمائة مقابل ارتفاع نسبة الإنفاق، أو ما يسمى بالأوزان الترجيحية، لبقية المجموعات حيث ارتفعت من 17 بالمائة الى 19 بالنسبة إلى مجموعة السكن والطاقة المنزلية، ومن 24 بالمائة الى 32 بالمائة بالنسبة إلى مجموعة التعليم، ومن 12.1 بالمائة الى 12.7 بالمائة بالنسبة إلى مجموعة النقل، ومن 5.6 بالمائة الى 5.8 بالمائة بالنسبة إلى مجموعة الصحة.

ولئن تذهب التحاليل الى أن تقلص الوزن الترجيحي لمجموعة التغذية لفائدة بقية المجموعات يعكس تطورا لنمط عيش المواطن، فان تفاصيل هذا التغير بالنسبة إلى المواطن التونسي تفيد أن هذا التقلص لم يكن لفائدة مجموعة الترفيه بل لفائدة مجموعات التعليم والنقل والصحة بما يكشف عن تدهور للمقدرة الشرائية،ترجمته إعادة توزيع الانفاق مع الحفاظ على نفس ترتيب الأولويات أي التغذية فالسكن فالنقل.

هذا التغير في نمط العيش جاء نتيجة وضع اقتصادي ومالي صعب تعمق منذ الثورة وأخذ منعرجا خطيرا منذ جوان 2016 تاريخ تسجيل قيمة الدينار لأول تراجع له بـ 3 بالمائة ليدخل بعد ذلك منحى سلبيا أفقده 40 بالمائة من قيمته.

من جهتها أخذت نسبة التضخم نسقا تصاعديا منذ سنة 2016 لترتفع من 3.4 بالمائة في جانفي 2016 الى 7.1 بالمائة في جانفي 2019 مرورا بـ 4.7 بالمائة في جانفي 2017 و6.6 بالمائة في جانفي2018.

ولئن سجلت نسبة التضخم في شهر جانفي 2019 تراجعا مقابل شهر ديسمبر 2018 فإن ذلك لا يعزى الى مجهودات الحكومة في الضغط على الأسعار ولكن لاعتبارات ذات علاقة بالطلب وأخرى بتغير سنة الأساس من 2010 الى 2015.

فمن مزايا تغيير سنة الأساس تحيين قفة المواطن ومواكبة التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد في اتجاه إضفاء مزيد من المصداقية على المعلومة الإحصائية وتقريبها للواقع من خلال احتساب نسبة تضخم أكثر دقة. وفي هذا السياق أفضت نتائج المراجعة الى وجود فارق بين نسبة التضخم المحتسبة حسب سنة الأساس القديمة أي سنة 2010 وتلك المحتسبة على أساس سنة 2015 وقد قدر هذا الفارق بمعدل 0.3 نقطة أقل مما هو مسجل خلال السنوات الأربع الأخيرة أي بين سنتي 2010 و2015 . وحسب المعهد الوطني للإحصاء قدر هذا الفارق بالنسبة إلى شهر جانفي 2019 بـ 0.2 نقطة وهو ما يعني أن نسبة التضخم المسجلة في شهر جانفي 2019 اعتمادا على سنة الأساس القديمة بلغت 7.3 بالمائة وهي النسبة التي يجب مقارنتها بتلك المسجلة في شهر ديسمبر 2018.

وبعيدا عن نسبة التضخم التي تعكس معدل ارتفاع أسعار مكونات قفة المواطن، وبالتعمق في التفاصيل يتضح غياب مؤشرات تعكس حرص حكومة الشاهد على التحكم في الأسعار والسيطرة عليها باعتبار المنحى التصاعدي الذي انخرطت فيه أسعار كل المواد دون استثناء تلك المؤطرة والحرة ليتعمق هذا المنحى بتواصل انزلاق الدينار.

وفي انتظار ضبط المعهد الوطني للإحصاء لطريقة احتساب تأخذ بعين الاعتبار تأثير انزلاق الدينار على الأسعار وبالتالي على المقدرة الشرائية للمواطن، حيث يبدو أن الانطلاق في ذلك سيكون في شهر مارس المقبل، يمكن الاعتماد على مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي حسب نظام التسعيرة الذي يحلل نسبة التضخم حسب نظام التسعيرة حيث يفرق بين أسعار المواد الحرة وأسعار المواد المؤطرة للوقوف على حقيقة دور سياسة دعم المواد الأساسية وتأثيرها في كبح ارتفاع نسبة التضخم والحفاظ عليها في مستوى أقل من 10 بالمائة.

فحسب معطيات المعهد الوطني للإحصاء، أفرزت النتائج النهائية لشهر جانفي 2019 أن معدل ارتفاع أسعار المواد الحرة والتي تستحوذ على 73.5 بالمائة من إنفاق الأسرة التونسية قد بلغ 8 بالمائة في حين لم يتعد مؤشر أسعار المواد المؤطرة والمدعمة، والتي تستحوذ على 26.5 بالمائة من إنفاق الأسرة مستوى 4.4 بالمائة وهو ما عدّل نسبة التضخم في شهر جانفي 2019 في مستوى 7.1 بالمائة.

ورغم ضعف نسبة المواد المؤطرة في قفة المواطن (26.5 بالمائة) الا أن تأثيرها على نسبة التضخم كان واضحا وجنّب تسجيل تضخم برقمين، في الوقت الذي قررت فيه الحكومة رفع دعم المواد الأساسية على خلفية الضغط على عجز ميزانية الدولة، وتأجيل ذلك بسبب الضغوط الاجتماعية، متجاهلة محدودية السياسة النقدية في احتواء التضخم ومخاطرها على الاستثمار كأحد محركات النمو الاقتصادي.

معاناة المواطن التونسي وخاصة الطبقة الوسطى وأصحاب الدخل الضعيف تترجمها أرقام المعهد الوطني للإحصاء في مستوى مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي حسب قطاع الإنتاج الذي يضبط تطور أسعار المواد الغذائية من جهة ، وتطور أسعار المواد غير الغذائية من كساء وسكن وتعليم ونقل من جهة أخرى.

فبالنسبة إلى المواد الغذائية، فقد عرفت أسعارها من جانفي 2018 الى جانفي 2019 ارتفاعا بنسبة 7.1 بالمائة وبالتحديد بنسبة 8.8 بالمائة للمواد الفلاحية و5.5 بالمائة للمواد الغذائية المحولة.

وتعكس تفاصيل مؤشر أسعار المواد غير الغذائية خلال هذه الفترة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الضغوط التضخمية التي تواجهها الأسرة التونسية يوميا، وهي أسباب دفعت الاتحاد العام التونسي للشغل الى المطالبة بتحسين المقدرة الشرائية للمواطن قصد مساعدته على التأقلم مع واقع صعب عمقه التزام حكومة الشاهد تجاه صندوق النقد الدولي بتجميد الأجور لمدة ثلاث سنوات في القطاع العمومي والوظيفة العمومية.

أرقام المعهد الوطني للإحصاء تشير الى أنه خلال الفترة الفاصلة بين جانفي 2018 وجانفي 2019 ارتفعت أسعار مواد البناء وصيانة المساكن بـ 11.1 بالمائة، وأسعار مواد التنظيف بـ 10 بالمائة، واللباس والكساء بـ 9.4 بالمائة، والمواد المعملية بـ 8.9 بالمائة، والسكن والايجار بـ 4.7 بالمائة، والخدمات العمومية بـ 4.5 بالمائة.

هذا النسق التصاعدي الرهيب لارتفاع الأسعار يدفعنا الى التساؤل عن دور لجنة الأسعار التي أعاد الشاهد احياءها من جديد، وعن دور سياسة المالية العمومية بما في ذلك السياسة القطاعية في ظل استنفاد السياسة النقدية لآلياتها بعد أن دمرت الاستثمار وقضت عليه بالترفيع المتواصل لنسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي، لتشهد اليوم نسبة التضخم على تدمير المحرك الثاني للنمو وهو الاستهلاك وتتعطل جميع المحركات بما في ذلك التصدير.

اننا نستغرب من رئيس حكومة شمّر عن ساعديه لتكوين حزب سياسي ودخول الانتخابات القادمة وسط مؤشرات مالية واقتصادية واجتماعية تعكس فشل حكومته، ونسبة التضخم وانزلاق الدينار وتفاقم عجز الميزان التجاري والعجز الجاري تترجم هذا الفشل الذي يخفي حقائق خطيرة تتعلق باستقلالية قرارنا الوطني وسيادتنا الوطنية.