الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



ثماني سنوات مرّت على «ثورة الحرية والكرامة»

مَلْحَمَةُ اقتصادٍ مُنْهَارٍ!



بقلم: جنات بن عبد الله

استقبلت تونس سنة 2019 وفي جراب اقتصادها مؤشرات اقتصادية ومالية واجتماعية تروي فشل حكومات ما بعد الثورة واصرارها على استمرارية سياسات اقتصادية ونقدية ومالية واجتماعية خاطئة في ظل دعم دولي يدّعي الوقوف الى جانب الانتقال الديمقراطي في البلاد.

وتقف تونس اليوم على الذكرى الثامنة لثورة أطاحت بنظام سياسي الا أنها لا زالت تبحث عن بديل اقتصادي يثمّن تضحيات شعب بجميع فئاته ويحتكم الى أولويات واستحقاقات تنمية اقتصادية واجتماعية بعيدا عن قبضة صندوق نقدي دولي واتحاد أوروبي.

وفي الوقت الذي تسوّق فيه حكومة الشاهد لانجازات اقتصادية واجتماعية في اطار برامج أطلق عليها برامج الإصلاحات الهيكلية الموجعة، يكشف الدينار التونسي المنهار عن مسيرة اقتصاد انفلت عن السكة وأقحم به في متاهات إصلاحات تقوم على سياسات تقشف في المالية العمومية، وسياسات اقتصادية حرة تقوم على ضرب القطاع العمومي، وسياسة نقدية متشددة تدعي القدرة على احتواء تضخم مالي مصادره غير نقدية، وسياسة اجتماعية تقوم على الكر والفر بين حكومة ومنظمات نقابية ومهنية تتخبط مع منظوريها.

بعد ثماني سنوات تعمّق الشرخ بين السلطة الحاكمة واستحقاقات الشعب التونسي، شرخ يحمل عنوانين كبيرين الفساد والتبعية الى الخارج.

ففيما لم تخرج المعركة على الفساد عن دائرة الشعارات الجوفاء التي عمّقها قانون المصالحة، ساهم هذا الأخير في إخفاء الوجه الحقيقي للتبعية الى الخارج التي تحولت الى بديل وخيار استراتيجي تتباهى به حكومة الشاهد ووزراؤها ومستشاروها برهانهم في ذلك تسريح صندوق النقد الدولي لخمسة أقساط أولى من قرض «تسهيل الصندوق الممدد» بقيمة 2.9 مليار دولار والوعد بتسريح القسط السادس مقابل الامعان في سياسة تقشف اختارت تجسيد ذلك عبر مسالك رفع الدعم على المحروقات، وتجميد الأجور والانتدابات في الوظيفة العمومية والتعويل على الاقتراض الخارجي لتمويل ميزانية الدولة.

تبعية للخارج يرويها عجز ميزان تجاري في علاقة مع شريك أوروبي تعهد له الشاهد بتوقيع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق في هذه السنة قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة تجنبا لكل محاولة انزلاق أو تعطل أو اسقاط بعد أن ارتمت السلطة التشريعية في مطبات مشاريع قوانين أخرجت عن سياقها الحقيقي ليسوّق لها بطريقة منعزلة عن اطار سياسي ظاهره يسوّق للاندماج في الاقتصاد الإقليمي وباطنه ينخر سيادتنا الوطنية بكل مقوماتها مستهدفة هذه الأيام سيادتنا الغذائية بعد رفع الحماية عن صناعة دمرت في المهد بسياسة ممنهجة سطرتها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 1995 وقطاع خدمات غير مصنف بتكريس نظام «الفرنشيز» الذي فتح الأبواب أمام العلامات التجارية العالمية للاستيلاء على كل الأنشطة الخدماتية.

سيادتنا الغذائية اليوم هي بين أيدي سلطة تشريعية شرعت في النظر في مشروع قانون يتعلق بالسلامة الصحية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات ويرمي حسب المشرّع الى ملاءمة التشريع الوطني في باب المعايير ومواصفات السلامة الصحية مع التشريع الأوروبي لمزيد احكام غلق الحدود الأوروبية أمام نفاذ المنتوجات الفلاحية والغذائية التونسية التي دخلت مرحلة الموت السريري بسبب سياسة تدميرية تدريجية أتت على منظومة الألبان ومنظومة الدواجن بعد أن قضت على منظومة البذور وغيرها.

وتقف تونس اليوم على الذكرى الثامنة لثورة تم اخمادها... ولكن تحت الرماد اللهيب... ولهيب هذه الثورة هو بديلها الاقتصادي الذي يجب أن ينطلق بفضح آليات التبعية الى المؤسسات المالية الدولية والاتحاد الأوروبي.

تقف تونس اليوم على الذكرى الثامنة لثورة عرفت ثماني سنوات مضت، استبدادا لسلطة تشريعية صادقت فيها على امتداد أربع سنوات مضت، على مشاريع قوانين جائرة سحبت صلاحيات بنك مركزي في حماية سيادتنا النقدية لينهار الدينار وتنهار معه أصولنا المادية واللامادية لبيعها في الأيام القليلة القادمة في مزاد علني رخيص ستوجه مداخيله لتمويل ميزانية دولة فقدت سيادتها وتبخرت صلاحياتها بعد الإقرار بالتفويت في مؤسساتها العمومية التي دفعتها بطريقة ممنهجة الى حالة الانتحار الارادي لفائدة قطاع خاص أجنبي أخذ المشعل في اطار قانون استثمار جديد يسمح بالانتصاب الحر وبتحويل الأرباح والقيمة المضافة بكل حرية تاركا وراءه مآسي اجتماعية ومالية ذات الصلة بالاحتياطي من العملة الصعبة واقتصادية ذات الصلة بمنظومة الإنتاج الوطنية يدفع ثمنها مواطن تخلت عنه دولته لتأمين حقوقه الاقتصادية والاجتماعية ليرتمي في قوارب الموت أو يبقى لمصير تتحكم فيه ضغوط تضخمية مصدرها ارتفاع جنوني للأسعار وانهيار لدينار تونسي وتوريد منظم وعشوائي مكثف.

هي ملحمة اقتصاد تونسي اتفقت لوبيات الداخل قبل الخارج على تدميره لتجني الثمار لوحدها على حساب شعب كما انتصر على نظام استبدادي في يوم من أيام جانفي2011 سينتصر ذات يوم على نظام اقتصادي ومالي جائر شرط التحرر من قبضة صندوق نقد دولي وشريك تجاري أوروبي.