الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



في غياب العدالة الجبائية:

هل يمكن الحديث عن عصيان جبائي في تونس ؟



إعداد شكري بن منصور

تبرز الدراسات أن عدد التصاريح بالدخل في تراجع متواصل خلال السنوات الأخيرة حيث أن الضغط الجبائي المرتفع والقدرة الشرائية المتدهورة والاقتصاد غير المنظم جميع هذه العوامل ساعدت على اتساع رقعة المتهربين من الضرائب. وعوض أن تسعى الحكومة إلى توسيع شريحة دافعي الضرائب (القاعدة الضريبية) وتكريس العدالة الضريبية تسعى من خلال قانون المالية الجديد إلى مزيد إثقال كاهل الملتزمين بدفع الضرائب الأمر الذي قد يضطرهم إلى التهرب الضريبي ويحولهم تدريجيا نحو الاقتصاد غير المنظم.

فما هي خطورة تراجع عدد التصاريح بالدخل وما هو تأثير ذلك على ميزانية الدولة للسنة القادمة؟

تتميز المنظومة الجبائية في تونس بارتفاع الضغط الجبائي الذي يعتبر الأعلى في المنطقة العربية متجاوزا نسبة %30 بينما يقدر في المغرب بحوالي 4.7 % و ٪7 في الأردن و ٪2 في لبنان و ٪10،9 في مصر.كما أن هناك تباينا في التصاريح بين الشركات المنظمة وغير المنظمة حيث تظهر الإحصائيات أن 5 % فقط من الشركات تدفع 80 % من الضريبة على المداخيل و أن 95 % من الشركات لا تدفع سوى 20 % من مجمل الضريبة.

تضاف إلى ذلك عديد الاخلالات الأخرى مثل توسع رقعة النظام التقديري الذي تغول وأصبح يضم أكثر من 400 ألف متدخل اقتصادي فضلا عن الإشكاليات الخاصة بمردودية الامتيازات الجبائية التي بلغت بين 1994 و2004 ما قيمته 5800 مليون دينار.. ويبقى انتشار ظاهرة الاقتصاد الموازي وما نجم عنه من خسائر كبيرة للاقتصاد المنظم من أهم الاختلالات التي تضرب المنظومة الجبائية التونسية في الصميم إذ أنه أضحى يمثل 40 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

عصيان جبائي !!

و ضمن هذا السياق يعتبر الخبير الاقتصادي صفوان بن عيسى أن الأهداف التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2019 واضحة في ما يتعلق بالعدالة الجبائية ومكافحة الاقتصاد غير المنظم. وهذا التوجه لا يعتبر جديدا حيث تم التفطن منذ أن كان المرحوم سليم شاكر وزيرا للمالية إلى أهمية تكريس العدالة الجبائية من خلال عديد الإجراءات التي من أهمها الفاتورة الالكترونية و الخزينة المسجلة ( caisse enregistreuse ) لكن وقع التخلي عنها فيما بعد . وسواء تم ذلك عن حسن أو عن سوء نية فان نسبة الامتثال للجباية للأشخاص والشركات والمهن الحرة في تراجع متواصل فبحسب الإحصائية التي أعدتها الإدارة العامة للاداءات تراجعت نسبة الامتثال للجباية من %60 سنة 2010 إلى %25 حاليا أي أصبحنا نتحدث عن ظاهرة جديدة في انتشار مستمر هي العصيان الجبائي و العزوف عن أداء الواجب الجبائي.

ودعا محدثنا إلى ضرورة معالجة أسباب هذا العزوف عوض الترفيع في الضغط الجبائي لأنه من الواضح أن عدد المتهربين أو العازفين عن أداء الواجب الضريبي في ارتفاع متواصل. . وعلى سبيل المثال على كل ثلاثة مقاهي في جهة البحيرة هناك واحدة ليس لها معرف جبائي أصلا و تعمل دون «باتيندة». كما أن العفو الجبائي مثل الذي حصل مؤخرا في الأداءات البلدية ( الخروبة ) يشجع الناس الملتزمين بأداء هذا الواجب على عدم الخلاص مجددا وانتظار العفو الجبائي القادم وهذا أمر غير معقول في تقدير محدثنا.

وعلاوة على ذلك ورغم أن قانون المالية لسنة 2019 حمل شعار الاستقرار الجبائي إلا أن هذا الاستقرار كان في مستوى جبائي مرتفع بسبب الضرائب التي تضمنها قانون المالية لسنة 2018 معتبرا أن الوضع أصبح غير محتمل بالنسبة للخاضعين للضرائب. فالسياسات الاقتصادية ليست هي المسؤولة مباشرة عن خلق النمو لأنه يعتمد أساسا على القيمة المضافة للقطاعات وعلى محركات أساسية أخرى على غرار الاستثمار والاستهلاك .

ويظهر تراجع الامتثال الضريبي في أنه على كل 4 أشخاص هناك شخص واحد يقوم بالتصريح وهذا ما يبرر الدعوة التي أطلقها مؤخرا المرصد التونسي للاقتصاد للسلطات إلى تكريس مبدإ العدالة الجبائية للتخلص من قيود المؤسسات المالية الدولية.

ودعا المرصد إلى وقف نزيف الموارد الجبائية بسبب الإجراءات التشريعية التي تمنح فرص التهرب الجبائي خاصة في فترة الأزمة الاقتصادية التي تواجه البلاد وأخذ العدالة الجبائية بعين الاعتبار خلال إعداد ميزانية الدولة (القانون الأساسي للميزانية) وفقا للفصل 10 من الدستور.

وفي نفس السياق أوضح الخبير الاقتصادي عادل الطويل أن ثلثي الموارد العمومية في النظام الجبائي التونسي متأتية من الموارد الذاتية المتمثلة في الموارد الجبائية وغير الجبائية. وأشار إلى أن النظام الجبائي الحالي تشوبه عديد الاخلالات أهمها التفريق بين النظامين الحقيقي والتقديري وتفاقم التهريب الضريبي مشددا على أن القيام بالواجب الجبائي هو علامة من علامات المواطنة والانتماء. ويعود ارتفاع الضغط الجبائي إلى الخصم المباشر من المورد وعدم تحيين سلم الشرائح الذي لم يقع منذ 1990 والذي يتم في أوروبا كل 3 سنوات.

ضغط جبائي مرتفع

ويعتبر الضّغط الجبائي في تونس الأعلى في إفريقيا بنسبة 31 % من النّاتج الدّاخلي الخام وذلك استنادا إلى دراسة أعدّتها منظمة التّعاون والتنمية الاقتصادية بخصوص الضغط الجبائي في دول العالم. وهذه النسبة تعتبر شبيهة بالضغط الجبائي للدول المتطورة والمتقدمة غير أن الفرق هو أن تونس دولة نامية واقتصادها غير قوي. وتعود أهم الاختلالات في تقدير محدثنا إلى التباين الحاصل بين الشركات المنظمة وغير المنظمة حيث أظهرت الدراسة أن 5 % فقط من الشركات تدفع 80 % من الضريبة على المداخيل و أن 95 % من الشركات لا تدفع سوى 20 % من مجمل الضريبة.

أما مساهمة الأجراء في الضريبة فتطورت من 73.5 % سنة 1996 إلى %82.8 سنة 2012 وان معدل الضريبة في المطلق تطور من 136 دينار سنة 1996 إلى 1146 دينار سنة 2012 أي أن الأُجراء هم أكبر شريحة تتحمل القسط الأكبر من العبء الجبائي ويمكن اعتبارهم ضحايا النظام الجبائي التونسي.

ومن جانب أخر أشار عادل الطويل إلى توسع ظاهرة الاقتصاد الموازي وما نجم عنه من خسارة كبيرة للاقتصاد المنظم إذ أن الدراسة التي قدمها بينت أن الاقتصاد الموازي أضحى يمثل 40 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. فالتوزيع غير العادل في العبء الجبائي يتم على 3 مستويات أولها على مستوى الشركات إذ أن 5 % من الشركات تتحمل لوحدها 80 %من العبء وثانيها على مستوى الأصناف إذ أن 80 % من مجموع الضرائب على الدخل مصدرها الأجراء وثالثها التباين في الأنظمة الجبائية (النظامين التقديري والحقيقي).

وأوضح في هذا الصدد أن عدد المنخرطين في النظام التقديري ناهز مع موفى السنة الماضية 400 ألف منخرط مقابل 149 ألف سنة 1987 مشيرا إلى أن المنضوين تحت هذا النظام يدفعون ضرائب بمعدل 59 دينارا مقابل معدل بـ 984 دينار للمنضوين تحت النظام الحقيقي وذلك سنة 2012 داعيا إلى ضرورة الإلغاء التدريجي للنظام الجبائي التقديري في تونس بالتوازي مع مقاومة القطاع غير المنظم.

يعكس واقع المنظومة الجبائية في تونس تباينا كبيرا بين الأفراد وكذلك بين الشركات الناشطة في السوق المحلية والشركات التي تعمل في مجال التصدير. كما أن العبء الجبائي غير موزع بصفة عادلة بشكل أصبح معه النظام الجبائي الحالي عاجزا عن القيام بدوره في إعادة توزيع الثروة مما يكرس غياب العدالة الجبائية ويحتم ضرورة الإسراع بإصلاح النظام الجبائي.