الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



سنة 2018...«سنة السياحة التونسية»

عودة النشاط لقطاع أربكه الارهاب



الصحافة اليوم: خالصة حمروني

«سترتفع عائدات القطاع السياحي بحوالي ٪25 مع موفى سنة 2018....وستستقبل البلاد 8 ملايين سائح للمرة الأولى مدعومة بحجوزات من وجهات تقليدية وأخرى جديدة، وعودة السياح البريطانيين أمر مهم للغاية بالنسبة إلينا» هذا ما صرحت به وزيرة السياحة والصناعات التقليدية، سلمى اللومي على هامش افتتاحها لأعمال الملتقى السنوي لمتفقدي الديوان الوطني للسياحة.

وحسب وزيرة السياحة، فإن المؤشرات الايجابية ما فتئت تتعزز بفضل التطور المطرد للسياحة الداخلية والذي بلغ 30 بالمائة من مجموع الليالي المقضاة خلال الموسم السياحي الفارط.

هذه المؤشرات الايجابية تعكس بوضوح عودة النشاط الى قطاع اربكه الارهاب اولا وتسببت في ركوده عدة ظروف اخرى.

تاريخ أزمة

ركود القطاع السياحي برز ابان احداث ثورة الياسمين حين عرفت عديد المناطق موجة من الانفلات والعنف اثرت سلبا على الوضع العام للبلاد التونسية. وازداد الوضع صعوبة اثر العمليتين الارهابيتين اللتين جدتا اولا بمتحف باردو وثانيا باحد نزل جوهرة الساحل سوسة وكانتا بمثابة الضربة القاضية للقطاع السياحي.

وحسب التصريحات الاعلامية لعدد من المسؤولين وقتها فقد قدرت خسائر القطاع السياحي خلال سنة 2015 جراء تلك الهجمات بحوالي 1 مليار دينار.

ولئن قدّر تراجع مردودية القطاع السياحي من قبل بـ٪21 فان خسائره بعد عملية سوسة الارهابية قدرت بـ٪4 ونتيجة لذلك خسرت تونس بين سنتي 2014 و 2016 عديد الاسواق الاستراتجية .

ركود القطاع السياحي تسبب ايضا في غلق حوالي ٪38 من إجمالي الفنادق السياحية البالغ عددها 573 . وحسب مرصد متابعة القطاع السياحي التابع لاتحاد المؤسسات المواطنة التونسية «كوناكت» فان نسبة الفنادق السياحية المغلقة وصلت إلى ٪48 من هذا العدد الإجمالي. الخسائر طالت قطاع الصناعات التقليدية الذي فقد تقريبا 90 بالمائة من قدراته.

قطاع السياحة : «قطاع منهك»

ازمة هذا القطاع الحيوي - الذي يمثل المصدر الثاني لخزينة الدولة من العملات الأجنبية للبلاد بعد الصناعات التصديرية ويوفر نحو 96 ألف فرصة عمل بصفة مباشرة وغير مباشرة- لم تكن ناتجة لوحدها عن هشاشة الوضع الأمني بل أيضاً عن تردي الخدمات واستفحال الفساد في القطاع السياحي.

ان قطاع السياحة في تونس يعيش منذ مدة ازمة هيكلية باعتباره «قطاعا هرما لم يشهد اصلاحات هيكلية كافية». ولمزيد التفسير يمكننا القول ان السياحة في تونس لم تتطور طيلة العقود الاخيرة بحكم ان عمليات الترويج والتسويق لم تتحسن ولم تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة التي كان من الممكن استغلالها لتقديم صور جديدة لتونس بعد الثورة وتشجيع السياح على زيارتها بحكم انها كانت «عروس الربيع العربي» وبقيت صورة تونس السياحية مقتصرة على بحر ازرق وأشعة شمسها الذهبية في حين ان الجهات الداخلية تزخر بطبيعة خلابة في الشمال الغربي ومنتوج وارث حضاري لا بأس به في وسط البلاد وصحراء شاسعة تبهر الناظرين في الجنوب .

اسباب اخرى عديدة ساهمت بصورة مباشرة او غير مباشرة في تعمق ازمة القطاع السياحي لن يسمح لنا المجال بسردها كلها لكن سنشير في نقاط متفرقة الى البعض منها. من هذه الاسباب نذكر تواصل الاعلان عن حالة الطوارئ الذي يزيد من مخاوف القدوم الى تونس وأيضا الاهتمام المبالغ فيه لوسائل اعلامية اجنبية ومنظمات اقتصادية قدمت صورة عن الوضع في تونس واقتصادها على أنها مأساوية على غرار اصدار وكالة التصنيف «فيتش رايتنغ» لتقرير خاص عن الوضع بتونس بعد حادثة سوسة الارهابي والذي اكدت فيه «ان هذا الاعتداء الثاني في ظرف 3 اشهر بعد ان استهدف الاعتداء الاول موقعا سياحيا بمتحف باردو سيؤثر على الاقتصاد الوطني من خلال انعكاساته على السياحة».

إجراءات للانقاذ والحماية

تواصل ازمة القطاع السياحي وما تسببت فيه من خسارة لخزينة الدولة سنة 2015 جعل من السلطات المختصة تفكر في استنباط حلول اجلة لإنقاذ ما تبقى من مؤشرات سلبية سجلها القطاع.

ومن الاجراءات التي اقرتها الحكومة انذاك نذكر تأجيل خلاص بعض اقساط القروض وإعادة جدولتها حسب قدرة المؤسسة على التسديد بالإضافة الى منح قروض جديدة تسدد على 7 سنوات مع امهال بسنتين على ان تخصص هذه القروض لتمويل نشاط المؤسسات السياحية.

واتخذت السلطات ايضا إجراءات أمنية بالاضافة الى المشاركة في كل التظاهرات السياحية العالمية بهدف تحسين صورة تونس والتشجيع على زيارتها.

ونتيجة لهذه الجهود المبذولة او ربما لغايات اخرى سياسية قد تكون او امنية فقد سعت بعض الدول الى التجاوب مع تونس. وعمدت بذلك الى اعادة رحلاتها السياحية وتشجيع مواطنيها لزيارتها اذ قررت السلطات اليابانية في فيفري 2018 مراجعة ورفع الحظر المفروض على السفر إلى تونس منذ سنة 2015.

كما أعلنت كل من السويد وهولندا من قبل رفعهما قرار حجر السفر الى تونس. وجاء هذان القراران نتيجة استقرار الوضع الأمني في تونس واتخاذ الحكومة التونسية كافة التدابير الامنية اللازمة لحماية السياح الاجانب.

العودة «من جديد»

فعليا يمكننا الجزم بان قطاع السياحة عاد الى سالف نشاطه بداية سنة 2017 مع عودة الزائرين التقليديين إليها بعد سنتين من الركود. وحسب تصريحات وزيرة السياحة فان عائدات السياحة ارتفعت إلى 2.8 مليار دينار وارتفع عدد الوافدين على تونس من 5.7 مليون زائر في 2016 إلى 7 ملايين سائح في 2017.

والملاحظ ان الأرقام والمؤشرات التي أعلنت عنها وزارة السياحة تدل على ارتفاع في الموارد السياحية، إلا أن هذا الارتفاع يقابله انخفاض في موارد العملة الصعبة، وذلك يعود إلى تراجع قيمة الدينار بالاساس والى نوعية السياح الوافدين على تونس (الروس) باعتبارها نوعية غير قادرة على تحريك نشاط القطاعات الأخرى من صناعات تقليدية والمطاعم.

والمدرك للوضع يفهم ان السلطات المختصة تبنت سياسة «الكم وليس الكيف» والمهم بالنسبة لها تضاعف عدد الوافدين وامتلاء الوحدات السياحية على حساب تحقيق موارد العملة الصعبة.

قرار بريطانيا وبداية التفاؤل

بعد 3 سنوات اقتنعت السلطات البريطانية من ان الارهاب يمكن ان يمس كل البلدان بتعلة انه مس فرنسا وبلجيكا وعدة دول اخرى. ورأت السلطات البريطانية ايضا ان «تونس بلد آمن يمكن زيارته والتمتع بأجوائه السياحية». وعلى هذا الاساس اعلنت مؤخرا رفع حظر السفر على مواطنيها نحو تونس.

ان في عودة السياح البريطانيين اشارة جيدة على تحسن الوضع الامني بتونس الذي من شانه ان يدعم عودة السياحة البريطانية -وهي التي فقدت كما اشرنا من قبل أكبر عدد من الضحايا جراء حادثة سوسة - الامر الذي شجع الوكيل السياحي البريطاني «توماس كوك» على تجديد رحلاته الجوية لنقل السياح إلى تونس في إطار برنامج أسبوعي سيؤمن ثلاث رحلات أسبوعية إلى عدد من المطارات التونسية.

عودة نشاط الوكيل السياحي البريطاني «توماس كوك» كان بداية للاعلان عن سلسلة من الرحلات لوكالات عالمية اخرى مثل وكالة الأسفار الروسية «بيغاس توريستك» عن افتتاح سفراتها للموسم السياحي 2018 بكل من المنستير وجربة.

وحسب الوعود والاحصائيات بدأت السياحة التونسية في التعافي وهي التي شهدت طيلة السنوات الاخيرة ازمة خانقة مست كل قطاعاتها الحساسة واضرت بكافة المؤشرات الحيوية. ومن المؤكد ان المحافظة على هذا التعافي والتحسن يتطلب من السلطات المختصة أكثر من بعث رسائل طمأنة او رسم بحر صاف وشمس ساطعة.

ان قطاع السياحة في العالم كله يتطور وخدماته تتنوع وسبل النهوض به تختلف من بلد الى اخر لذلك من المهم اتباع سياسة جديدة تستقطب السائح الذي لا يقتصر على مصاريف اقامة كاملة داخل نزل باسعار زهيدة ومن الاهم الاطلاع على تجارب البلدان المنافسة التي اصبحت مثالا يحتذى به ونخص بالذكر كل من المغرب وتركيا.

ان تونس لا تفتقر الى مناطق سياحية جذابة ولا ارث تاريخي عريق ولا ثقافة ولا حضارة...ان تونس تفتقد سياسات جديدة وبرامج جديدة تنهض بصورتها وتحسنها داخل الوطن وخارجه.