الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



ضعف الرّواتب في تونس:

هل أدّى إلى تعميق التباطؤ الاقتصادي وتدهور المقدرة الشرائية؟



إعداد: شكري بن منصور

تحتل تونس المرتبة 102 في الأجور الدنيا، من جملة 105 دولة، وذلك على عكس ما يتم تداوله من ارتفاع كتلة الأجور. فقد بينت دراسة حول الإحصائيات المتعلّقة بكلفة المعيشة ورفاهية الحياة في مختلف البلدان والمدن حول العالم أن مستوى الرواتب في تونس منخفض مقارنة بعديد الدول رغم أن أكثر من نصف نفقات الدولة يوجه نحو خلاص الأجور على حساب التنمية والصحة والتربية.

وتشير الأرقام المتوفرة حول متوسط الأجور في الدول العربية إلى أن تونس تأتي أسفل الترتيب إلى جانب كل من سوريا التي تعيش حربا ومصر التي يفوق عدد السكان بها 90 مليون ساكن وسط مؤشرات مرتفعة للفقر. وما زالت دول الخليج متربعة على قائمة الدول ذات الأجور الأعلى عربيا وحتى دوليا ووفق مؤشر «نومبيو» للأرقام، فإن متوسط الراتب الشهري في الدول الخليجية يصل إلى نحو 3000 دولار. وقدّر هذا المؤشر متوسط الأجر في تونس بنحو 286 دولار مقابل 295 دولار في الجزائر و402 دولار في المغرب.

كما أثر تراجع قيمة الدينار سلبا على قيمة الأجور وكذلك ارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية ليناهز ٪7.7 علما وأن المفاوضات حول الزيادات في الأجور قد انطلقت وعادة ما تتم الزيادة في الأجور بحسب معدل التضخم المسجل.

وتسعى الحكومة بطلب من صندوق النقد الدولي إلى تكريس المنحى التنازلي لحجم كتلة الأجور من الناتج الداخلي الخام من خلال عديد الإجراءات أهمها تجميد الانتداب في الوظيفة العمومية و قانون المغادرة الاختيارية .

فما هو تأثير انخفاض الأجور على الأداء الاقتصادي وهل يمكن استغلال هذا العامل للرفع من تنافسية الاقتصاد؟

يقرّ عديد المسؤولين الحكوميين أن مستوى الرواتب غير مرتفع في تونس رغم ارتفاع كتلة الأجور أي أن تضخم كتلة الأجور متأت أساسا من العدد المهول لموظفي الدولة و ليس من ارتفاع الأجور الممنوحة للموظفين. وكانت كريستين لاغارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي قد أعلنت في وقت سابق أن كتلة الأجور في تونس هي من بين الأرفع في العالم لكن الإشكال يتمثل في ضعف المقدرة الشرائية لسببين رئيسيين: ارتفاع الأسعار من جهة و ضعف مستوى الأجور من جهة أخرى . و في هذا الصدد يعتبر الخبير الاقتصادي عادل الطويل أن الأجر الأدنى المضمون في تونس يبقى ضعيفا جدا مقارنة بارتفاع المعيشة فبحسب التقرير الخماسي للمعهد الوطني للإحصاء يقدر الأجر الأدنى بـ 357,136 دينار لنظام عمل 48 ساعة في الأسبوع و 305,586 دينار لنظام عمل 40 ساعة في الأسبوع. كما أن أجور نحو 32 % من العمال أقل من الأجر الأدنى المضمون. و يضاف إلى ذلك أن معدل اجر 32.3 % من العاملين في المؤسسات الصغرى في البلاد هو في حدود 432 دينار أي ما يعادل 1.2 الأجر الأدنى الصناعي المضمون.

و حذر الخبير الاقتصادي عادل الطويل من تداعيات هبوط الدينار من خلال ارتفاع أسعار المواد الموردة التي تزيد من صعوبة وضع الموظفين ذوي القدرة الشرائية الضعيفة مؤكدًا أنها ستكون كارثية على المديونية وعلى ارتفاع التضخم، الذي سيرتفع بشكل كبير بسبب غلاء قيمة الواردات، وبالتالي ستكون تأثيراته وخيمة على المؤسسات وعلى القدرة الشرائية للمواطن التونسي، حسب تعبيره. و بما أن أكثر من نصف نفقات الدولة توجه نحو خلاص الأجور أثقل ذلك ميزانية الدولة لكن لم يحسن من وضع الأجراء. فالأرقام تشير إلى أن القدرة الشرائية للمواطن التونسي تراجعت بأكثر من 42 % خلال السنوات الأخيرة كما صُنفت تونس في المرتبة الثالثة على مستوى شمال إفريقيا ضمن قائمة المدن الأكثر غلاء مما جعل من نسبة التداين الأسري ترتفع بشدة وتتجاوز 50 بالمائة لذلك من الضروري التفكير في حلول أكثر فاعلية.

ويقترح محدثنا أن يتم ربط الزيادة في الأجور بنسبة النمو بشكل آلي لذلك يجب على الحكومة تسريع الإجراءات المتعلقة بعودة الانتعاش الاقتصادي. ويرتبط ذلك أساسا بجملة من القرارات أهمها العمل على تحقيق الاستقرار السياسي لما له من انعكاسات مهمة على الاقتصاد إضافة إلى مكافحة التجارة الموازية والعمل على استيعابها ضمن الاقتصاد المنظم وهذا الأمر من شأنه أن يدعم موارد البلاد من الضرائب التي سيتم توظيفها على هذه الأنشطة. كما أنه ومن جانب أخر تعتبر الأجور المنخفضة عامل تنافسية للاقتصاد التونسي يجب العمل عليه لمزيد جلب الاستثمارات الخارجية التي تبحث عن كلفة انتاج منخفضة من خلال اطارات ويد عاملة غير باهظة الثمن.

وفي نفس السياق أوضح الطيب السويسي رئيس الجمعية التونسية للدفاع والمحافظة على المؤسسة، أن مستوى الرواتب في تونس يبقى ضعيفا وهذا الأمر يؤثر سلبا على المؤسسة الاقتصادية . فضعف الأجور يؤدي إلى ضعف المقدرة الشرائية وتراجع الطلب وبالتالي تراجع أرقام معاملات المؤسسات الاقتصادية وهذا الأمر ليس في صالح الاقتصاد ككل. ويرى محدثنا في نفس الإطار أن الرفع في الأجور يجب أن يقترن في المقابل بالرفع في الإنتاجية مشيرا إلى أنه في بعض البلدان أجر الموظف في القطاع العمومي يتجاوز نظيره في القطاع الخاص وذلك لسبب بسيط هو أن الإنتاجية لدى الموظفين مرتفعة جدا على خلاف ما يحدث في بلادنا. وأوضح أن تراجع سعر الدينار أمام العملات الأجنبية بشكل عام يؤدي للتأثير على معدلات التضخم والأسعار وأنّ التأثير يبرز في ارتفاع تكلفة الواردات وتكلفة الإنتاج مما قد يؤدي إلى تراجع معدلات الاستهلاك بسبب ضعف القدرة الشرائية، مشيرا إلى أن هذه مجرد افتراضات خاصة وأنه يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة صعوبات في صورة عدم تغير المعطيات إلى منحى ايجابي مع تواصل غياب وضوح الرؤية الاقتصادية وعدم تحقيق الاستقرار السياسي للبلاد الذي يؤثر سلبا على إقبال المستثمرين على الاستثمار في تونس وتحسن مستوى الأجور. وأضاف: «لا يمكن أن يتحسن وضع الدينار التونسي في ظل الغياب التام للإنتاجية والعمل، ولا يمكن أن تكون قيمة الدينار مرتفعة في ظل وضع اقتصادي متردّ»، موضحًا أن كل المؤشرات تدل على أن الاقتصاد التونسي في وضع انكماش و متوقعًا أن تتراجع قيمة الدينار التونسي أكثر في الأسابيع المقبلة بفعل تفاقم عجز الميزان التجاري والارتفاع المرتقب لأسعار المواد الأولية المستوردة. كما أن كتلة الأجور للبلاد التونسية لا تتطابق مع المعايير الدولية ومع جودة الخدمات التي يقدمها القطاع العمومي مشيرا إلى انه قبل سنة 2011 كانت مردودية القطاع العام ايجابية إلا انه بعد 14 جانفي 2011 تراجعت تلك المردودية والإنتاجية مع ارتفاع كتلة الأجور من جهة أخرى، وذلك نتيجة استعمال الوظيفة العمومية لإيقاف نزيف الاحتجاجات الاجتماعية من جهة ولأغراض سياسية من ذلك انتدابات تهم المتمتعين بالعفو التشريعي العام وأشخاص محسوبين على الأحزاب السياسية.وشدد على أن جوهر هذا النقاش في مسألة تأثير الزيادة في الأجور على تكاليف الإنتاج والمردودية والاستدامة والقدرة التنافسية الاقتصادية، فسياسة الأجور هي في صميم السياسات العمومية بفعل تأثيرها على خلق فرص الشغل وتطور الأسعار.وما يمكن التأكيد عليه أنه بالرغم من الآثار الإيجابية بشأن تحسين وضعيات العمال والترفيع الملحوظ للرواتب الشهرية والحصول على المنح المتصلة بوضعية وظروف العمل وكذلك الانعكاس الايجابي على السلم الاجتماعية وتطوير القدرة الشرائية والاستهلاكية للعمال، فإن هذه المسألة ستكون لها انعكاسات مباشرة على القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية من منطلق أن الزيادة في الأجور ستفرض أعباء إضافية على المؤسسات خاصة من حيث ارتفاع كلفة المنتوج المفروض أن تكون كُلفته مدروسة بطريقة تجعله يكون قابلا للترويج والتصدير. كما أن رفع معدلات القدرة الشرائيّة يحتاج إلى تحسن سعر صرف الدينار بالدرجة الأولى، ورفع قيمته وسيطرأ التغيير الإيجابي على القدرة الشرائيّة بشكل تلقائي وأكثر ما يُؤثر في ذلك هو ضخ القروض الاستهلاكية التي من شأنها توفير السيولة بيد الأفراد وهو الأمر الذي لا يتم في صورة مستوى متدن للأجور كما هو حاصل في تونس حاليا.

يتطلب تحقيق الانتعاش الاقتصادي تحسين جميع عناصر الاقتصاد ككل من ذلك أن حلقة الأجور تعتبر في غاية الأهمية بحسب عديد خبراء الاقتصاد نظرا لأنها تؤدي إلى الرفع من الاستهلاك وهو محرك اقتصادي مهم و محفز للنمو. وعادة ما تؤدي زيادة الأجور إلى تحريك الاستهلاك الخاص وتسهل توجيه التضخم إلى مستوى مقبول لرفع الإنفاق الاستهلاكي للأسر الذي يعد ضرورياً لتعزيز الطلب المحلي وانتشال الاقتصاد من حالة ارتفاع الأسعار التي يعانيها منذ سنوات .