الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



الترفيع في نسبة الفائدة المديرية:

معالجة عرجاء لمشكلة التضخّم



بقلم : جنات بن عبد الله

صادق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي يوم 12 جوان 2019 على المراجعة الخامسة المتعلقة بتقدم برنامج الإصلاحات الهيكلية الذي انخرطت فيه حكومة الشاهد مقابل الحصول على قرض بقيمة 2.8 مليار دولار في اطار اتفاق «تسهيل الصندوق الممدد» الذي تم ابرامه بين الجمهورية التونسية والصندوق في ماي 2016.

وبناء على ذلك سيسرح الصندوق القسط السادس من القرض بقيمة 245 مليون دولار ليصل مجموع السحوبات 1.6 مليار دولار.

في تقييمه لتقدم السلطات التونسية في مسار الإصلاحات الهيكلية لاحظ النائب الأول للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي ديفيد ليبتون أن نمو الاقتصاد التونسي ما يزال محدودا وأن مواطن الضعف الاقتصادية الكلية ما تزال قائمة، ليوضح من جهة أخرى أن جهود السلطات التونسية المتعلقة بتجميد الأجور ورفع الدعم عن المحروقات بدأت تؤتي ثمارها حسب رأيه في مستوى تراجع عجز ميزانية الدولة داعيا في هذا السياق الى مواصلة تركيز السياسات على الإصلاحات المؤدية الى خفض الدين والتضخم لينوه في هذا المجال بنجاعة السياسة النقدية المتشددة التي تبناها البنك المركزي لاستهداف التضخم من خلال الترفيع الدوري في نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي.

من جهة أخرى اعتبر أن سعر صرف الدينار أضحى أقرب الى ترجمة الاقتصاد التونسي بفضل تخلي البنك المركزي عن حماية العملة الوطنية بمقتضى قانون النظام الأساسي الجديد للبنك ليتخذ منحى تنازليا متواصلا.

وبناء على هذا التقييم حدد النائب الأول للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي طبيعة التحرك القادم للسلطة النقدية في تونس ممثلة في البنك المركزي حيث قال:«يمكن أن يكون احداث زيادات إضافية في سعر الفائدة الأساسي أمرا مبررا إذا تجاوزت توقعات التضخم لشهر ديسمبر 2019 الهدف المحدد،مضيفا أن النجاح في ابطاء معدل التضخم سيتوقف على تقليص عمليات إعادة التمويل لدى البنك المركزي».

ولئن جاء تقييم صندوق النقد الدولي للوضع الاقتصادي في بلادنا في تناغم مع التحاليل الليبرالية التي تتماشى مع اقتصاد يعتمد كليا على نظام اقتصاد السوق وحرية الأسعار والمنافسة لتنخرط توصياته مع مقتضيات هذا التمشي، فاننا نتساءل عن نزاهة ومصداقية السلط التونسية في التعاطي مع توصيات يسوق لها كحلول لوضع صعب ومعقد في حين أنها واصلت في تعميق الأزمة المالية الخانقة التي يمر بها اقتصادنا.

وفي الوقت الذي يتطلب فيه الاقتصاد الوطني إجراءات وخيارات تستجيب لمتطلبات المرحلة الانتقالية، سارع مجلس نواب الشعب في عهد حكومة الصيد ثم وتحديدا في عهد حكومة الشاهد، على خلفية الاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، الى المصادقة على ترسانة من مشاريع القوانين بما في ذلك قانون النظام الأساسي للبنك المركزي الذي قلص من هامش تحرك السلطة النقدية ومنعها من تمويل ميزانية الدولة بنسبة فائدة قريبة من الصفر ومنح هذا الامتياز للبنوك المحلية على حساب تمويل الاقتصاد، كما منعها من التدخل لتعديل سعر صرف الدينار على أساس اتباع سياسة صرف مرنة تحتكم الى قانون العرض والطلب، ليتفاعل الاقتصاد الوطني مع كل هذه الخيارات بطريقة عكسية أدت الى:

- تواصل ارتفاع التضخم بخصوص السياسة النقدية المتشددة التي أدت أيضا الى تدمير المقدرة الشرائية والاستثمار والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

- تعميق تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة وعجز الميزان التجاري باعتبار أن اتباع سياسة سعر صرف مرنة ينتظر منها تطوير التصدير، أدت الى نتائج عكسية حيث أن الاقتصاد التونسي لا تتوفر فيه شروط التنافسية العالية فضلا عن هشاشته الهيكلية وتبعيته للخارج والتي تعمقت بعد الثورة في كل المجالات وخاصة المجالين الطاقي والغذائي.

ان الاقتصار على المعالجة النقدية الأحادية للتضخم كما يدعو إليها صندوق النقد الدولي وانخرط فيها البنك المركزي يرتقي الى مستوى التهديد للأمن القومي باعتباره توجه يحاول تجاهل دور السلطة التنفيذية في هذا المجال خاصة وأن مصدر التضخم، وباعتراف من البنك المركزي، غير نقدي ويتطلب التدخل من خلال سياسة المالية العمومية والسياسات القطاعية وسياسة التجارة الداخلية والخارجية من خلال التحكم في مسالك التوزيع وإيقاف نزيف التوريد وغيرها من الإجراءات القادرة على التحكم في الأسعار.

لقد عاش التونسيون في الأيام الأخيرة على وقع مشاهد مؤلمة تتمثل في اتلاف كميات هامة من الخوخ بسوق الجملة ببئر القصعة نتيجة وفرة الإنتاج التي أدت الى انخفاض الأسعار الى مستوى دون تكلفة الإنتاج في ظل تراجع الطلب بما فرض واقعا استثنائيا فرض على المتعاملين في سوق الجملة اتلاف كميات تضررت بحكم ارتفاع درجة الحرارة وعدم قدرتها على الانتظار أكثر من يوم بالسوق.

في المقابل سجل التاريخ أنه في تونس بعد الثورة اضطرت بعض الفئات ضعيفة الدخل الى البحث في فضلات الأسواق للفوز بما حرمتهم منه قوانين وبرامج إصلاحات وسياسات تتحمل مسؤولية تدمير الفلاح ومنظومة الإنتاج عوض التحرك في اتجاه تثمين المحاصيل الفلاحية واستغلال هذه الوفرة للضغط على الأسعار والتضخم بما يقطع الطريق أمام سياسة نقدية متشددة وأحادية، باعتبار استقلالية البنك المركزي بمقتضى قانون النظام الأساسي الجديد، لم تنتج سوى الأزمات، عكس ما يدعيه محافظ البنك المركزي، ليبقى السؤال مطروحا، لصالح من جاء هذا القانون وكل المؤشرات المالية والاقتصادية تؤكد وقوفه وراء مزيد اغراق البلاد في التضخم والمديونية وانهيار الدينار وتراجع الاحتياطي من العملة الصعبة...

ان ما يعانيه الاقتصاد التونسي من انهيار تتحمل مسؤوليته الأحزاب الحاكمة التي تقدم نفسها اليوم بديلا بعد انتخابات 2019 حاملة لشعار انقاذ اقتصاد تفننت في تدميره بعد سنة 2011 انطلاقا من حكومة الباجي قائد السبسي الذي تعهد في قمة دوفيل بباريس في سنة 2011 بضمان «استمرارية الدولة» وبعدم مراجعة الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف والحفاظ على مصالح الشركات العالمية والاتحاد الأوروبي في تونس ومواصلة تحرير الاقتصاد.

ان استجابة البنك المركزي لدعوة صندوق النقد الدولي الى الترفيع في نسبة الفائدة المديرية في الأيام القادمة لمزيد احتواء التضخم في ظل غياب وتعطل بقية اليات التحكم في التضخم بصفة آلية ودون تحميل السلطة التنفيذية لمسؤوليتها في هذا المجال، لا يمكن تصنيفها الا في خانة الاستهتار بمقومات اقتصاد وطني وجد نفسه أمام نخبة سياسية تفتقد للرؤية الاستراتيجية وتعمل على حماية كراسيها على حساب المصلحة العليا للبلاد.