الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



أزمة الوظيفة العمومية

من أين سيبدأ الإصلاح ؟



إعداد : لطيفة بن عمارة

سجّل حجم الأجور لأعوان الوظيفة العمومية تطوّرا كبيرا حيث قفز من 7680 مليون دينار سنة 2011 إلى 13700 مليون دينار سنة 2017 وفق الدراسة التي قام بها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية حول أزمة الوظيفة العمومية، التي بيّنت كذلك أنّ عدم التوازن في توزيع الموظفين حسب الصنف سببه حجم الانتدابات الجملية التي شهدت تضخما بعد 2012 إلى جانب عدم التحكم في نسق الترقيات وانزلاقها على ضوء الاتفاقيات مع الأطراف الاجتماعية، إضافة إلى إحداث أسلاك جديدة وتعديل 43 نظاما أساسيا.

وحسب نفس الدراسة، شملت الترقيات الآلية في الوظيفة العموميّة منذ سنة 2012 أكثر من 435 ألف موظّف وعامل كما خلص جل الخبراء الاقتصاديين إلى أن أهم ما يميز واقع الوظيفة العمومية في تونس هو افتقار الهيكلة الحكومية والإدارية إلى نظام معلومات مركزي موحد، ونظام تصرف تقديري في الموارد البشرية والاقتصار على التصرف القانوني الاعتيادي للأعوان، مما تسبب في تشتت المعطيات المتعلقة بالوظيفة العمومية بين وزارات وهياكل متعددة.

هذا بالإضافة إلى أن 70 بالمائة من النفقات العمومية موجهة للأجور، لتسجل بذلك تونس أعلى النسب في العالم في هذا الجانب. كما أكد العديد من الخبراء أن كتلة الأجور في تونس لا تتطابق مع المعايير الدولية ومع جودة الخدمات التي يقدمها القطاع العمومي، رغم تأكيدهم أنه قبل سنة 2011 كانت مردودية القطاع العام إيجابية إلا انه بعد 14 جانفي 2011 تراجعت تلك المردودية والإنتاجية مع ارتفاع كتلة الأجور، وذلك نتيجة استعمال الوظيفة العمومية لإيقاف نزيف الاحتجاجات الاجتماعية من جهة ولأغراض سياسية من ذلك انتدابات تهم المتمتعين بالعفو التشريعي العام وأشخاص محسوبين على الأحزاب السياسية.

كل هذه المعطيات جعلت عددا من الخبراء يدقون ناقوس الخطر ويدعون إلى مراجعة منظومة الوظيفة العمومية.

فما هو واقع الوظيفة العمومية وما هي التحديات التي تواجهها وما هي أبرز الحلول المطروحة للخروج من وضعها الدقيق ؟

تعتبر الخدمة العمومية دعامة أساسية لتطور الحياة الإنسانية بمختلف تجلياتها الاقتصادية الاجتماعية والثقافية؛ لذلك وسعيا منها إلى تحقيق المنفعة العامة، من جهة، وتقديم الخدمات، من جهة أخرى، قامت مختلف بقاع المعمورة بإحداث مؤسسات خدماتية ومدها بالإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية التي أوكلت إليها مهمة الاستجابة لمتطلبات المواطنين، سواء كانوا أفرادا أو جماعات.ويعتبر العنصر البشري بمثابة النواة الصلبة التي يعول عليها في تفعيل السياسات الإستراتيجية القطاعية وصياغتها في قالب خدماتي، الأمر الذي يتطلب إعداد برامج تكوينية بهدف صقل مواهب هاته الأخيرة وجعلها تواكب التطورات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالتغير المستمر واللامتناهي للحياة الإنسانية الكونية.

وتعد الوظيفة العمومية في تونس وفق إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء 591.017 عون في سنة 2014 من بينهم 465،2 ألف موظف و105،5 ألف عامل. وفي سنة 2014، كانت الشرائح العليا أ1 (85،9 ألفا) وأ2 (124،1 ألف) تمثل 35 % من المجموع. وتستوعب وزارات التربية (32،48 % من مجموع العاملين) والصحة العمومية (12،63 %) والتعليم العالي والبحث العلمي (6،71 %) أكثر من نصف عدد العاملين في الوظيفة العمومية. وقبل سنة 2011 كان عدد أعوان الوظيفة العمومية ينمو بنسبة 1 % في المتوسط، وهي نسبة تضاهي تقريبا نسبة النمو السكاني.و لكن وبعد سنة 2011، انقلب الوضع رأسا على عقب. ففي الفترة الممتدة بين 2010 و2011 ازداد عدد أعوان الوظيفة العمومية بنسبة 2،16 % ثم بـ 19،81 % بين 2011 و2012 وبـ 4،76 % بين 2012 و2013 و 5،86 % بين 2013 و2014. ولا يمكن تحديد على وجه الدقة عدد العاملين في الوظيفة العمومية في سنة 2015 و2016.

16مليار دينار أجور سنة 2018 !!!

تمثل كتلة الأجور 70 بالمائة من مجموع النفقات العمومية للدولة، و هذه الأرقام معلومة لدى الرأي العام والحكومات المتعاقبة ،حيث يؤكد معظم خبراء الاقتصاد في تونس أن كتلة الأجور سوف تصل سنة 2018 إلى 16 مليار دينار في حين أن ميزانية الدولة في حدود 37 مليار دينار.و في هذا الإطار أكد الصادق جبنون الخبير الاقتصادي أن 30.5 مليار دينار من ميزانية الدولة موجهة إلى النفقات والمصاريف من ذلك 16 مليار دينار هي كتلة أجور و8.5 مليارات دينار هي خدمات دين (قروض) و6 مليارات دينار هي ميزانية الدعم في حين أن 7 مليارات دينار موجهة إلى الاستثمار والتنمية والنفقات الأخرى مع الإشارة إلى أن 24 مليار دينار من مداخيل ميزانية الدولة هي موارد جبائية. وفي هذا السياق اعتبر الخبير الاقتصادي الصادق جبنون أن الإدارة التونسية تعتبر فاعلا اقتصاديا هاما في تحديد مدى تقدم الشعوب،وفي عدم نجاعتها تتحول إلى سبب رئيسي في تدهور وتقهقر الاقتصاد وهذا ما ينطبق على البلاد التونسية حسب رأيه،مضيفا أن هذا ما أكدته التقارير الدولية خلال السنوات التي تلت الثورة حول نجاعة الإدارة التونسية و الوظيفة العمومية.و أبرز جبنون أن الصادم حقيقة في هذا الصدد يبقى متمثلا في الظروف التي تمت فيها الانتدابات بعد 14 جانفي 2011 وفي طبيعتها. فخلال الفترة المتراوحة بين 2011 و2014 ازدادت أعداد العاملين في الوظيفة العمومية بمقدار 155،7 ألف نفر. وتطوّر عدد الأعوان ضمن الشريحة أ1 من 63،5 ألفا في سنة 2010 إلى 85،9 ألفا في سنة 2014؛ فيما ارتفع عدد الأعوان المنتمين إلى الشريحة أ2 من 85،7 ألفا إلى 124،1 ألف في سنة 2014. وبموازاة ذلك، بقي عدد الأعوان من شريحة أ3 كما هو ولم يتغير تقريبا. ولم تتجاوز نسبة النساء ضمن المجموع العام 39،5 % في سنة 2010 ولم تمثلن في نهاية الفترة 2011–2014 إلا 36،4 % لا أكثر ( نسـبة استفادتهن من الانتدابات لم تتجاوز 28 %).

غياب خطة واضحة للإصلاح !!!!

يوجد في تونس 57 عونا في الوظيفة العمومية لكل ألف ساكن وقرابة 46 موظفا وتعدّ فرنسا 88 موظفا لكل ألف ساكن، ويقدر هذا العدد بـ 160 في الدانمرك والنرويج و124 في السويد و92 في بولونيا و88 في المملكة المتحدة و79 في الولايات المتحدة (المصدر: منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية). صحيح أن المغرب لا يعد أكثر من 27 موظفا لألف ساكن وأنّ الجزائر تعدّ 42. وبخصوص الحلول التي يراها مناسبة للحد من نفقات الوظيفة العمومية، أكد الصادق جبنون تونس تسجل أرقاما قياسية من حيث عدد الموظفين العموميين الذين قاربوا 800 ألف موظف من ذلك 640 ألف موظف بالإدارات العمومية و187 ألف موظف في المؤسسات العمومية معتبرا أن الوظيفة العمومية تحتاج إلى إصلاحات جريئة.ودعا محدثنا إلى ضرورة إيقاف الانتدابات العمومية بالإدارات والمؤسسات العمومية وعدم تعويض الموظفين المحالين على التقاعد وعدم سد الشغورات بانتدابات جديدة. وهذا من شأنه التقليص في كتلة الأجور تدريجيا، مؤكدا أن ما يثير الاستغراب هو تواصل الانتدابات بالوظيفة العمومية من ذلك خلق شركات عمومية غير منتجة وانتداب الآلاف قصد الحد من نزيف الاحتجاجات ببعض الجهات.

وقال جبنون أنه لا توجد خريطة واضحة للوظيفة العمومية في القطاع العام فمثلا يوجد عدد مهول في عدد الموظفين مقابل نقص كبير في عدد المعلمين و الأطباء.و أضاف أن الوضع الحرج للوظيفة العمومية يقابله عدم اعتماد الحكومات المتعاقبة على خطة واضحة و عملية للإصلاح الإداري .

انتدابات عشوائية و ضعف في المردودية !!!

حينما نأخذ في الاعتبار ونقارن تطوّر نسبة البطالة بحسب الجنس، فإننا نقف عند حقيقة صادمة مفادها أنّ سياسة الانتداب سياسة تفوح منها رائحة التمييز على أساس الجنس والتفريق الجنسي و في هذا الإطار اعتبر إبراهيم الميساوي رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد أن المشكل لا ينحصر في ارتفاع كتلة الأجور فقط بل في ضعف مردودية القطاع العمومي وإنتاجيته من ذلك أن بعض الإحصائيات أكدت أن معدل العمل بالنسبة إلى الموظف العمومي في اليوم هو 8 دقائق، داعيا إلى ضرورة مراجعة منظومة الوظيفة العمومية خاصة أن البعض يتقاضى أجورا دون أن يباشر عمله من ذلك انه ينشط بالقطاع الخاص أو بالتجارة الموازية. وأضاف الميساوي انه يجب إيقاف الانتدابات من جهة وعدم تعويض المحالين على التقاعد مع وضع حد للترقيات التي تتم من خلال الضغوطات النقابية أو الولاءات لأحزاب سياسية أو للمسؤولين بالإدارة، مؤكدا انه سيقع الضغط على كلفة الأجور وذلك استجابة لشروط صندوق النقد الدولي الذي طلب أن تكون نسبة كتلة الأجور من الناتج الداخلي الخام في حدود 12 بالمائة وهي حاليا في حدود 14 بالمائة (أي 70 بالمائة من النفقات العمومية). وبين محدثنا بأنه يجب أن تخضع منظومة الوظيفة العمومية لعمليات تقييم وتدقيق وان تتحمل الوزارة الأولى مسؤولية تنظيم القطاع العمومي حتى يكون هادفا وناجعا اقتصاديا واجتماعيا.وأضاف إبراهيم الميساوي أن الجميع على علم كيف أنّ الضغوط المسلّطة على ميزانية الدولة بمفعول مقدار الأجور والمرتبات في الوظيفة العمومية أصبحت حقيقة لا سبيل إلى إنكارها في كل الأحوال.حيث مثّل هذا المقدار 67،2 % من نفقات التسيير العامة في سنة 2015 و62،6 % من المقابيض الجبائية مقابل 67،8 % و 53،4 % على التوالي في سنة 2010. وبما أنّ الأجور والمرتبات في الوظيفة العمومية قد ازدادت بنسبة 70،7 % خلال الفترة المتراوحة بين 2010 و2015 مقابل 45،6 % بالنسبة إلى المداخيل الجبائية، فإنّ تأثيرها على المالية العمومية لا يمكن أن يحمل على ارتفاع حجم الانتدابات والأجور بين 2010 و2011 وحده لأن نسبة التهرب الجبائي بلغت 40 % من المداخيل الجبائية.

ومهما يكن من أمر، فإنّ الأجور والمرتّبات في الوظيفة العمومية أمر لا يمكن أن يتحمله اقتصاد بلد لم يتجاوز نمو ناتجه الخام بالأسعار الجارية نسبة 35 % مقابل 70،7 % بالنسبة إلى الأجور والمرتبات في الوظيفة العمومية.

عدد الإدارات مهول !!!

عنصر آخر يمكن الإشارة إليه يعكس أسباب أزمة الوظيفة العمومية في تونس وهو العدد الهائل من الإدارات العامة صلب الإدارة العمومية.حيث بلغ عدد الإدارات العامة صلب بعض الوزارات التي شاءت أن تكشف عن هيكلها التنظيمي 108 (بعض المصادر تشير إلى أن العدد أرفع بكثير ويفوق 300 إدارة عامة).في حين أن عدد الإدارات العامة في الوظيفة العمومية في فرنسا لا يتجاوز 36، ويتجاوز عدد الموظفين الذين يتقلدون منصب إطار سام أو إطار مديري في تونس 15 لكل ألف عون، مقابل أربعة في فرنسا.

كثيرا ما توجه صندوق النقد الدولي بالنقد من خلال توصيته بمراجعة مقياس الأجور ( أجور الوظيفة العمومية)، لكنه لا يقف نفس الموقف من كمّ الموظفين ضمن منشوراته المتعلقة بالبلاد التونسية وذلك عكس ما يقال باستمرار؛ هو يشدّد على الحاجة إلى إصلاح الوظيفة العمومية « الذي ينبغي أن يكون متزامنا مع إصلاح جبائي أكثر إنصافا وذلك عن طريق توسيع قاعدة الأداء». صندوق النقد الدولي يذهب إلى أكثر من ذلك. فهو يفرّق بين منوال النموّ ومنوال التنمية وذلك عكس ما يذهب إليه بعض مؤيديه على حد سواء داخل الحكومة وخارجها.

النقابات تهدد استمرارية المرفق العمومي !!!

المشاكل التي تثيرها الوظيفة العمومية لا تقتصر على التكلفة والكم رغم أهميتهما إنما تشمل أيضا تكوين الأعوان وكفاءتهم ومردودهم وتحلّيهم بالنزاهة وجودة الخدمات التي يقدمونها للمواطنين.هذا ما كان على الحكومة أن تقوم به عوض اتخاذ كم الموظفين في الإدارة ذريعة للتلهية وصرف الأنظار.هذا ما شدّد عليه إبراهيم الميساوي رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد معتبرا أن هناك جانبا هاما مسكوتا عنه إعلاميا و سياسيا وهو مساهمة النقابات في تدهور المرفق العمومي و تعطيله من خلال الإضرابات العشوائية التي خرجت عن نطاقها حسب تعبيره واصفا هذه الإضرابات بالجريمة في حق الوظيفة العمومية.و أكد الميساوي في ذات السياق أنه رغم أهمية و مكانة العمل النقابي في تونس إلا أنه حاد عن مساره وأصبح يلعب دورا إداريا و سياسيا حتى أن النقابات أصبحت تتدخل حتى في التسيير و هذا ما انجر عنه تداعيات خطيرة على مستوى تسيير الإدارة ومردوديتها.

وأضاف محدثنا أن هناك أطرافا تنادي بخوصصة المرفق العمومي واصفا إياها بالأطراف التي باعت ذممها و تسعى إلى التفريط في المرفق العمومي تمهيدا للخوصصة وأعطى التعليم كمثال حي،حيث أكد أن 65 بالمائة من التلاميذ في تونس الكبرى يزاولون تعليمهم في القطاع الخاص مقابل 35 بالمائة فقط في القطاع العمومي و اعتبر أن هذا الأمر خطير يهدد استمرارية القطاع العام والوظيفة العمومية التي تعتبر مقياسا هاما لتقدم و تطور الدول.

حلول جريئة و عملية !!!

إن إصلاح الإدارة التونسية يتطلب التغلب على العديد من الصعوبات الاقتصادية والسياسية. فالاقتصاد في تونس يشكو حاليا من بطالة مرتفعة، وبطء في خلق فرص العمل، فضلا عن ضغوطات اجتماعية مطالبة بتحسين ظروف العيش.وفي هذا الإطار، فان العديد من الأطراف تتساءل حول وجاهة التقليص من دور الإدارة التونسية كأهم موفر لمواطن الشغل القارة في البلاد كما يخشى العديد من التونسيين من أن يؤدي التقليص في الانتدابات في الوظيفة العمومية إلى استفحال ظاهرة البطالة وهو ما سيؤدي إلى تعكر المناخ الاجتماعي.وشدد معظم الخبراء و المطلعين على الشأن العام في تونس على ضرورة أن يكون هناك إصلاح شامل للوظيفة العمومية الذي يجب أن يرتكز على توافق وطني و اتخاذ قرارات موجعة و حلول عملية كالحد من عدد الموظفين و تسريح 30 بالمائة من العدد الحالي كأقل تقدير بالإضافة إلى ضرورة اعتماد قوانين أساسية موحدة، كذلك وجوب الفصل بين العمل النقابي و التسيير الإداري و مراجعة كتلة الأجور و مجموع الامتيازات التي تُمنح إلى غير مستحقيها مما سينتج عنه توفير ملايين الدينارات المهدورة.ولعل أبرز القرارات التي يجب اتخاذها هي تحييد الإدارة عن الحزب السياسي الحاكم وإخراجها من الصراعات والتجاذبات السياسية حتى تقوم الوظيفة العمومية بدورها الاقتصادي و الوطني.