الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



تفاقم الاقتراض من البنوك

التداين حلّ لمواجهة غلاء الـمعـيـشــــة أم بحـــث عـــن الرفــــــاه؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

ارتفاع جديد لنسبة التضخم المالي وصل إلى 7.6بالمائة و زيادة جديدة في أسعار المحروقات كان لها وقع سيئ على المواطن الذي أنهكته الزيادات المتتالية وعمّقت مشاكله المالية في ظل محاولاته المتواصلة لتحقيق الموازنة المالية الصعبة لميزانيته وهو ما أصبح مهمة شبه مستحيلة أمام تعدد و تشابك النفقات و غلاء المعيشة مقابل دخل محدود لم يعد يقوى على مواجهة قائمة المتطلبات الحياتية اليومية التي لا تكاد تنتهي.

هذا الوضع دفع التونسي للبحث عن حلول بديلة لمواجهة واقع الغلاء المشط للمعيشة فكان الاقتراض من البنوك أبرز تلك الحلول التي لجأ إليها في محاولة لسد عجز ميزانيته عن تغطية نفقاته، حيث بينت إحصاءات البنك المركزي التونسي الأخيرة أن إجمالي القروض الاستهلاكية قد تطور من 10.7 مليار دينار سنة 2010 إلى 22.5 مليار دينار في شهر ديسمبر 2017 أي بزيادة في قائم القروض وصلت إلى 110 بالمائة خلال سبع سنوات وهو ما يعكس تراجع قدرة التونسي على الادخار ولجوئه للاقتراض لمجابهة متطلبات الحياة التي أصبحت في مجملها ضرورية مقابل ارتفاع في حجم القروض صعبة الاستخلاص بـ 18.4 بالمائة وهو ما يبين الوضعية المالية الحرجة التي وصل إليها أغلب المستهلكين بعجزهم على خلاص قروضهم.

«الصحافة اليوم» سلطت الأضواء على موضوع ارتفاع نسبة تداين التونسي من البنوك للوقوف على أسبابه وتداعياته على الوضعية المالية للمستهلكين.

بينت آخر دراسة أنجزها المعهد الوطني للاستهلاك حول وضعية القروض الاستهلاكية للأسر التونسية أن حجم القروض الاستهلاكية يمثل أكثر من 50 بالمائة من إجمالي القروض التي تمنحها البنوك للأسر التونسية و التي ارتفعت نسبتها بين ديسمبر 2011 و ديسمبر 2017 بـ 71 بالمائة وهذه النسبة في حد ذاتها كفيلة بإبراز ما وصل إليه المواطن اليوم من أوضاع مالية متدنية دفعته إلى اللجوء إلى التداين من البنوك لتغطية عجزه المالي إذ توضح الدراسة ذاتها أن إجمالي القروض المسندة للمستهلك التونسي من قبل البنوك قد ازداد بـ 2030 مليون دينار خلال سنة 2017 مقابل زيادة بـ 1942 مليون دينار خلال سنة 2016 و بـ1003 مليون دينار سنة 2015 لتستأثر القروض المسندة لشراء مسكن جديد بأكبر نسبة نمو وهي تمثل تقريبا نصف القروض المسندة تليها القروض لتحسين المسكن ثم تأتي القروض الاستهلاكية القصيرة التي بلغت قيمتها سنة 2017, 2.9 مليار دينار لتسجل نسبة نمو هذا الصنف من القروض 10 بالمائة.

وبينت الدراسة ذاتها أن حجم القروض التي في حال نزاع أو صعبة الاستخلاص والمسلمة من طرف البنوك بلغ 845 مليون دينار سنة 2016 مسجلة زيادة بـ 18.4 بالمائة مقارنة بسنة 2015 وهو ما يبين الصعوبات التي يواجهها بعض المواطنين في سداد أقساط قروضهم.

على صعيد آخر اعتمدت الصناديق الاجتماعية باعتبارها أحد مصادر الاقتراض توجها جديدا في السنوات الأخيرة تمثل في تحويل الإعتمادات المخصصة لقروض السكن نحو القروض الشخصية و التي يتم تسديدها في غضون سنة حيث تمكن المنخرط من مجابهة مصاريفه الطارئة و العرضية حيث بلغ حجم القروض المسلمة لمنخرطي الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية خلال سنة 2015 , 14.5 مليون دينار مقابل 8 مليون دينار سنة 2014وهو ما يبين تزايد عدد المقترضين من سنة إلى أخرىوعدم قدرة المواطن التونسي على تغطية نفقاته و بحثه عن حلول بديلة لمجابهة هذه النفقات لا سيما خلال المواسم الاستهلاكية التي تعرف خلالها مصاريف التونسي ذروتها خاصة في الأعياد و شهر رمضان و العودة المدرسية حيث لم يعد الدخل الشهري حتى في وجود أكثر من دخل شهري لدى الأسرة الواحدة قادرا على مجابهة هذه المصاريف الكبيرة.

و تجدر الإشارة أن الأرقام المتعلقة بالقروض الاستهلاكية لفائدة الأسر التونسية و المسجلة من طرف البنك المركزي التونسي لا تعكس الواقع نظرا لغياب معطيات تتعلق بالشراءات بالتقسيط من المحلات التجارية خاصة للمواد الكهرومنزلية.

كما أن آخر المعطيات المتوفرة حول الرصيد السلبي «الروج» للأجراء أو السحب على الحساب باعتباره أحد أوجه التداين للبنوك تؤكد أن حجمه يناهز 471 مليون دينار و هو ما يمثل 3 بالمائة من إجمالي القروض المسلمة للأسر علما أن نسب الفائدة على «الروج» إلى حدود شهر مارس 2018 بلغت 12.61 بالمائة وهي نسبة تعتبر مرتفعة.

عجز

السيد طاهر البكاري وهو أب لـ3 أبناء و يعمل موظفا في إحدى الشركات الخاصة أخبرنا أنه تحصل على قرض لاقتناء مسكن يقوم باستخلاص أقساطه على مدى 15 سنة إلى جانب اقتناء زوجته الموظفة بدورها قرضا استهلاكيا أكثر من مرة لمجابهة المصاريف العرضية التي لم يعد دخلهما قادرا على تغطية مصاريف الأسرة التي لا تكاد تنتهي مبينا أن غلاء المعيشة الذي ما فتئت وتيرته تتزايد من يوم الى آخر قد تجاوز دخلهما و رغم تخليهما عن بعض المصاريف على غرار الترفيه و بعض المواد الاستهلاكية مثل اللحوم الحمراء و غيرها إلا أن ميزانية العائلة ما تزال تشهد عجزا أمام ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية و الفواتير و المواد الاستهلاكية و هو ما جعل من «الروج» الملجأ المستمر لهما بعد انتهاء الراتب الشهري.

وعبر محدثنا عن امتعاضه من الزيادات المتواصلة في الأسعار و آخرها الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات متسائلا عن أسباب تجاهل السلط لوضع المواطن البسيط الذي أصبح مفقّرا بفعل هذه الزيادات وبالكاد يقوم بتغطية النفقات الأساسية حيث لم يترك له هذا الوضع خيارا سوى اللجوء للبنوك للحصول على قروض صغيرة يجابه بها المصاريف الإضافية خاصة في الأعياد وخلال العودة المدرسية.

ولم تختلف السيدة منية السماوي و تعمل إطارا ساميا بشركة و أم لطفلين في رأيها عن محدثنا السابق حيث أكدت أنها قبل سنوات كان دخلها الشهري الذي يعتبر جيدا يمكنها من توفير مبلغ تقوم بادخاره لكنها الآن أصبحت بالكاد تغطي مصاريفها و مصاريف أسرتها بعد ارتفاع الأسعار الذي طال كل شيء لا سيما أن لديها طفلين يدرسان بمدرسة خاصة حيث تمثل نفقاتهما عبءا كبيرا أثقل كاهل ميزانيتها لا سيما أن زوجها يقوم بسداد أقساط القرض السكني في حين تولت هي تسديد قرض اقتناء السيارة و بالتالي فإن أكثر من نصف دخل أسرتها موجه للبنوك لسداد الديون أما الجزء المتبقي من الراتبين بالكاد يغطي المصاريف مؤكدة أنها غالبا ما تضطر إلى اللجوء إلى الرصيد السلبي «الروج» موضحة أن الاقتراض من البنوك أصبح شرا لابد منه أمام الارتفاع المشط للأسعاروتراجع القدرة الشرائية مشيرة إلى أن الزيادات الأخيرة في رواتب الموظفين لم يكن لها قيمة بعد تواتر الزيادات في أسعار مختلف المواد الاستهلاكية و المحروقات.

إن لجوء التونسي إلى الاقتراض من البنوك يعود إلى عدة أسباب أبرزها يتعلق بعقليته أو طريقة تفكيره التي تقوم على رغبته في امتلاك المسكن والسيارة حتى إن فاق ذلك قدراته المالية فلم نعد نتحدث عن مواطن ذي دخل جيد أو دخل متوسط فكلما ارتفع دخله تجاوزت النفقات سقف هذا الدخل و هو ما دفع أغلب المواطنين إلى اللجوء إلى الاقتراض من البنوك.

هذا ما أكده الخبير الاقتصادي محمد الجراية مبينا أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد و التي تسببت في تراجع نسبة اقتناء القروض الاستثمارية قد ساهم في قيام البنوك بتسهيلات لمنح القروض الاستهلاكية لفائدة حرفائها للحفاظ على توازناتها الماليةوكحل لضمان ديمومتها ذلك أنه تم الترفيع في حجم القروض الاستهلاكية من 3 آلاف دينار إلى 5 آلاف دينار إلى جانب تسهيل آليات الاقتراض و الإجراءات الخاصة بها.

وأوضح محدثنا في السياق ذاته أن أكثر من 50 بالمائة من الموظفين في تونس حاصلون على قروض بنكية 20 بالمائة منهم يقومون بسداد أقساطهم بصفة منتظمة في حين لا يواظب 30 بالمائة من مجموع الحاصلين على قروض من البنوك على خلاص هذه الأقساط مشيرا أن البنوك اليوم باتت تعتمد على تعويضات شركات التأمين لاستخلاص الديون المتخلدة في ذمة الحرفاء الذين لم يتمكنوا من استخلاص ديونهم و حتى الإجراءات القانونية المعتمدة في مثل هذه الحالات لم تعد ناجعة و ردعية فقد أصبحت أساليب الاستخلاص التي تعتمدها البنوك ودية أكثر منها جزائية لذلك لم يعد المقترض يخشى العقوبات و هذا ما فتح أمامه الباب للاستمرار أو التلاعب في بعض الأحيان بطرق الاقتراض فعندما يتم غلق الحساب البنكي للمقترض الذي لم يوف بالتزاماته المالية للبنك يقوم الشخص ذاته بفتح حساب جديد و اقتناء قرض اخر من مؤسسة بنكية أخرى ليجد نفسه منخرطا في دوامة لا تنتهي من القروض التي وجد فيها الحل الأوحد لمعالجة مشاكله المالية.

وأبرز السيد محمد الجراية أن ارتفاع نسبة تداين التونسيين للبنوك تعكس عقلية استهلاكية يجب العمل على مجابهتها بالعمل و عودة الدورة الاقتصادية إلى سالف نشاطها من خلال استرجاع نسق الاستثمار ذلك أن شح الموارد المالية ونقص الاستثمار يضر بالنسيج الاقتصادي و من بين أبرز مظاهره هو ارتفاع نسبة الاقتراض من البنوك لكن عندما تدور عجلة الاقتصاد فإن الرخاء الاقتصادي والاجتماعي سيشمل الدولة وأفراد المجتمع لذلك لا خيار أمامنا اليوم سوى العمل والإنتاج و القطع مع ثقافة الإضرابات.

متابعة مستوى التداين

في إطار عمل المعهد الوطني للاستهلاك على متابعة مستوى التداين لدى الأسرة التونسية قام المعهد الوطني للاستهلاك بإنجاز دراسة حول وضعية القروض الاستهلاكية للأسر التونسية التي بينت تطور نسبة نمو القروض بنسبة تناهز 10 بالمائة سنة 2017 مقابل 5.7 بالمائة سنة 2015 و هو ما يعكس تراجع القدرة الشرائية للتونسي و تعدد أبواب الاستهلاك بالنسبة إليه.

هذا ما أوضحه السيد طارق بن جازية مدير عام المعهد الوطني للاستهلاك مضيفا أن لجوء المستهلك إلى الاقتراض من البنوك يعود إلى تراجع قدرته الشرائية من ناحية ورغبته في اقتناء المسكن أو تحسينه و شراء السيارة و تغطية بعض النفقات العرضية من ناحية أخرى مبينا أن مستوى اقتراض التونسي قد تضاعف بين 7 إلى 8 مرات في ظرف 7 سنوات ليرتفع نسق نمو القروض التي تحصل عليها من البنوك بين 9 إلى 10 في المائة خلال الفترة ذاتها و هي نسبة تتجاوز تقريبا 5 مرات نسبة النمو الاقتصادي للبلاد.

وأوضح السيد بن جازية أنه في الوقت الذي حافظ فيه نسق النمو الاقتصادي للبلاد على نسبة ضعيفة و شبه ثابتة سجل نسق نمو الاستهلاك والاقتراض للمستهلك ارتفاعا ملحوظا و بالتالي فقد أصبح المحرك الأساسي للاقتصاد أمام تراجع نسبة الاستثمارات ذلك أن الاقتراض ينشط الاستهلاك لكن لا يجب أن يكون مفرطا.

وأكد محدثنا أن الدراسة حول وضعية القروض الاستهلاكية للأسر التونسية لا تعكس واقع الاقتراض الحقيقي للتونسي ذلك أن هذه الدراسة لم تشمل مظاهر الاقتراض الأخرى على غرار الشراء بالتقسيط مشيرا أن المعهد الوطني للاستهلاك لديه تخوفات من ظاهرة التداين متعدد المصادر خاصة أن أغلب المقترضين من البنوك هم من فئة الموظفين و من الطبقة الوسطى.

انعكاسات الأزمة الاقتصادية

أصبح ارتفاع مستوى تداين التونسيين من البنوك واقعا يمكن قراءته حتى في غياب الأرقام و المؤشرات إذ نلمس ذلك في الحياة اليومية للمواطن الذي لم يعد دخله قادرا على تغطية مصاريفه.

هذا ما أكده أخصائي علم الاجتماع سامي نصر مبينا أن ارتفاع مستوى تداين الأسر التونسية للبنوك يعود إلى عدة عوامل أبرزها يتعلق بتداعيات الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد و التي خلقت لديه أزمة مالية بتدهور قدرته الشرائية و الانعكاسات الصارخة للتضخم المالي مبينا أن عامل التقليد الذي أصبح بمثابة العدوى التي انتقلت في صفوف التونسيين مثّل عاملا رئيسيا في اللجوء إلى الاقتراض ذلك أن البعض وجد في التداين من البنوك حلا لمجابهة المشاكل المالية الأمر الذي شجع البعض الآخر على النسج على منواله ليصبح الاقتراض بمثابة الظاهرة خاصة أن الضغوطات التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية و السياسية في البلاد جعلت التونسي لا يفكر في المستقبل بقدر تفكيره في تدبير أموره اليومية خاصة أن متطلبات الحياة اليوم فرضت عليه نسقا استهلاكيا معينا جعل حتى من الكماليات ضروريات لم يعد قادرا على التنازل عنها ليصبح منخرطا ضمن عقلية استهلاكية مهيمنة على سلوكه الاستهلاكي وعاجزا عن التمرد عليها.

وبين الأستاذ سامي نصر أن معالجة هذا الإشكال الذي يعكس أحد أوجه تدهور الاقتصاد الوطني تستوجب مراجعة السياسات الاقتصادية التي تعتمدها الدولة والبحث عن آليات ناجعة تعالج أبرز الإشكالات التي أثرت سلبا على القدرة الشرائية للتونسي و أبرزها التضخم المالي.

ارتفاع مديونية الدولة من سنة إلى أخرى وتأزم أوضاعها الاقتصادية بسبب انخرام توازناتها المالية ليس سوى انعكاسا لما يعيشه المواطن التونسي الذي لم يعد بدوره قادرا على تغطية نفقاته بتدهور قدرته الشرائية حيث أصبح الاقتراض من البنوك الحل الأمثل بالنسبة إليه لتجاوز صعوباته المالية ليجد نفسه في دوامة ديون لا تنتهي لم تترك له خيارا آخر.