الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



خدمات جديدة بالإدارة الرقمية

رغــم تعــدّد الإجــراءات .. لمــاذا يعــاني مـســار الإدارة الــذكـــيــة مــن البـــطء؟



إعداد: عواطف السويدي

قطعت تونس خطوات هامة في مجال إرساء الإدارة الالكترونية ولكنها تبقى غير كافية بالمقارنة مع بقية دول العالم حيث صنّفت منظمة الأمم المتحدة (قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية) تونس في المرتبة 72 عالميّا والمرتبة الثانية إفريقيا والسابعة عربيا في تقييم تطور الإدارة الإلكترونية على مستوى 193 دولة.

وفي 2016 وضعت وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد، خطة إستراتيجية للإدارة الذكية 2020، تهدف إلى الارتقاء بجودة الخدمات الإدارية وتطوير علاقة الإدارة بالمواطن ومختلف المتعاملين معها والحد من الفساد ، حيث ستعتمد معاملات الإدارة في غضون خمس سنوات بالأساس على تكنولوجيات المعلومات خاصة في تعاملها مع المواطن ، غير أن الحكومات المتعاقبة لم تنطلق في تنفيذ هذه الإستراتيجية إلا مؤخرا.

وقد اعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد يوم 28 مارس 2018 الفارط خلال افتتاحه قمة تونس الرقمية عن جملة من الإجراءات الهامة ، والتي تندرج في إطار مشاريع تونس الرقمية 2020 أبرزها خدمة جديدة لتحويل الأموال بين مختلف المؤسسات المالية عن طريق الهاتف الجوال بالإضافة إلى الانطلاق في استخراج مضمون الولادة مجانا والسجل التجاري عبر منظومة الكترونية ابتداء من 16 أفريل الجاري .

كما تم التأكيد على أن كل المعاملات التجارية ستصبح ممكنة عن طريق الهاتف الجوال بمختلف المشغلين انطلاقا من شهر جوان المقبل، فضلا عن استخراج شهادات الأجور للوظيفة العمومية والشهادات العلمية لبعض المؤسسات التربوية وذلك لتأمين الوثائق من مخاطر التزوير والتدليس والقضاء على الطوابير، مع تعميم التصرف الالكتروني في المراسلات داخل الوزارات في موفى 2018 وأيضا الانطلاق في استعمال الختم الالكتروني عوضا عن النسخ المطابقة للأصل.

كما أوصى المجلس الوزاري الذي انعقد في هذا الصدد بجملة من الإجراءات المتعلقة بانجاز مشروع النظام المعلوماتي للدولة، وإعطاء وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي الصبغة الأفقية في الإشراف على الإستراتيجية الرقمية للدولة ، وبعث المؤسسة التونسية للتنمية الرقمية تحت إشراف وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي وإعطائها الصبغة الأفقية والموارد الضرورية للإسراع في تنفيذ المشاريع الوطنية المدرجة ضمن إستراتيجية تونس الرقمية، وتعميق النظر في جملة المقترحات المتعلقة بتطوير الاقتصاد الرقمي بصفة تشاركية خاصة في ما يتعلق بتكوين الكفاءات والإحاطة بالمؤسسات الناشئة، وعرض نسخة أولية للمجلة الرقمية الجديدة على مختلف الأطراف المتدخلة .

ويمكن القول أن هذه الإجراءات تعكس برنامجا طموحا في حال تم تنفيذه وتطويره ، أما إذا نظرنا إلى نتائج منظومة الإدارة الالكترونية فنجد أنها لم تعمم إلى حد الآن بسبب قلة ثقة المواطن في التكنولوجيات الجديدة وعدم قدرته على استعمالها إضافة إلى تعثّر الإدارة الالكترونية في عملها في بعض الأحيان .

فما هي الشروط الضرورية التي يجب توفرها لإنجاح الإدارة الرقمية وفيما تتمثل معوقات تعميمها وما هي الإجراءات اللازمة لاستكمال مشاريعها؟

إن فوائد الإدارة الالكترونية عديدة وهي تتمثل في معظمها في السرعة في إنجاز العمل والمساعدة في اتخاذ القرار وتخفيض تكاليف العمل الإداري مع رفع مستوى الأداء وتجاوز مشكلة البعدين الجغرافي والزمني ، كما يمكنها معالجة البيروقراطية والرشوة والمحسوبية وتطوير آلية العمل ومواكبة التطورات ورفع كفاءة العاملين في الإدارة ، ولكن الإشكال يتمثل في بطء تعميم الإدارة الالكترونية التي عرفت تعطيلات عديدة منذ انطلاقتها .

تطوّر الإدارة الإلكترونيّة

ويمكن تبويب هذه المراحل ضمن خمس مراحل أساسيّة، مرحلة أولى تمهيديّة تعلّقت بإدخال الإعلامية داخل الإدارة وأربع مراحل أخرى تمّ خلالها إرساء الدعائم الأوليّة للإدارة الإلكترونيّة التي خوّلت بدورها تحقيق العديد من الإنجازات في المجالات المجسمة أساسا في ما تمّ وضعه من خدمات عموميّة على الخط كمرحلة تمهيديّة، وتمّ الاعتماد على الإعلاميّة في العمل الإداري منذ الثمانينات التي مكّنت الإدارة من تطوير العديد من التطبيقات الوطنية الكبرى لتجريد عديد الإجراءات الإداريّة من صبغتها الماديّة .

وقد مكن انفتاح الإدارة التونسيّة على تكنولوجيا الانترنت (2000 2002-)من تطوير عدد من المواقع العموميّة والتي مثّلت الجيل الأوّل من مواقع الواب باعتبار أنّها لم تتعدّ مستوى توفير المعلومة للمواطن لمساعدته على قضاء شؤونه الإداريّة.

وتؤكد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تقاريرها وفي اغلب توصياتها على ضرورة اعتماد التكنولوجيات الحديثة في الخدمات العمومية للمواطنين لتيسير شؤونهم وتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة التي تقوم على احترام حق النفاذ إلى المعلومة وتمكين الرأي العام من الاطلاع على كافة المعطيات والمعلومات في إطار الشفافية والنجاعة .. كما أوصت هذه المؤسسة من خلال حثها الجانب الحكومي والسلطة التنفيذية بصفة عامة على الشروع في تطبيق نظام الحوكمة المفتوحة والذي تعتبره الهيئة طريقة للحد من البيروقراطية أولا وللحد من الاتصال المباشر بمسدي الخدمات على المستوى الإداري مما من شانه أن يمنع فرص الانحراف بالإجراءات سواء بمقابل أو على سبيل المجاملة ، كما أن تطبيق مثل هذه المنظومات الحديثة يضمن الشفافية ويحد من الفساد .

مكاتب ذكية

ويتم تدارس مشروع جديد لبعث «المكاتب الذكية»، التي ستمكن المواطنين من استخراج النسخ المطابقة للأصل ومضامين الولادة دون الاضطرار إلى الوقوف في صفوف طويلة أمام مكاتب الخدمات البلدية، وفق ما أفاد به المسؤول الإعلامي ببلدية تونس عدنان سعيدان الذي أوضح خلال يوم دراسي نظمته المؤسسة الإفريقية للحوكمة الرقمية من أجل التنمية الشاملة موضوعه «استعمال التطبيقات على الخط في البلديات وآفاق المدن الذكية» أن بلدية تونس بصدد دراسة إمكانية ربط كل الإدارات التي تطالب بمضامين الولادة عبر شبكات، قائلا انها ستكون بمثابة بنية تحتية اتصالية بين كل الإدارات التي تطالب بهذه الوثيقة.

وبهدف تسهيل الإجراءات البلدية على مستوى الخدمات المسداة للمواطنين، طورت بلدية تونس بوابة ثابتة وأخرى متحركة يتم تحيينهما بانتظام، وتوفر للمواطن إمكانية المشاركة في «فضاء المواطن» الذي يتضمن الميزانية التشاركية والميزانية على الخط والجذاذات البلدية القابلة للاستخراج على الواب، بالإضافة الى كل المعلومات المتوفرة في المكاتب البلدية، كما يتيح هذا الفضاء التفاعل بين المواطن والأعوان البلديين .

وطورت أيضا بلدية تونس تطبيقات تمكن المواطن من القيام بالتصريح عن بعد دون الحاجة إلى التنقل، مؤكدا في المقابل أن بعض التطبيقات تستوجب التنقل بالضرورة لأسباب قانونية بحتة، وأفاد سعيدان بأن بلدية تونس قامت كذلك بإحداث تطبيقة من أجل إيداع رخصة البناء، ستمكن قريبا من تأمين المتابعة المباشرة واستخلاص المطالب.

وذكر أن البلدية طورت منذ سنة 2009 موقعا يؤمن خدمة الاستخلاص الإلكتروني، بما يوفر على المواطن عناء التنقل، وبالتالي استخلاص ضرائبه على البناءات عن بعد في أي وقت يريد.

الختم الالكتروني

وأبرزت الرئيس المدير العام بالوكالة الوطنية للمصادقة الالكترونية سيرين التليلي ان الخدمات المتعلقة بمضمون السجل التجاري وبمضمون الولادة تندرج في اطار مشروع تطوير الادارة الالكترونية وقالت في تصريح لـ «الصحافة اليوم» انه تم العمل مع وزارة العدل ومع لجنة السجل التجاري بخصوص الختم الالكتروني المستعمل في هذه الوثائق عوضا عن النسخ المطابقة للأصل وهو إجراء ستتولى انجازه الهياكل الادارية وهي عمليات تتم عبر الانترنت.

وأضافت محدثتنا أن الخدمات المسداة في إطار منظومة الإدارة الالكترونية كانت ضعيفة وتقتصر فقط على خلاص الفواتير عن بعد واليوم سيتم تكثيف الاجراءات الالكترونية لتوفير الوقت والجهد على المواطن وكذلك على الادارة التونسية.

واشارت الى ان الاجراءات المعلنة تندرج في اطار قانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلق بالمبادلات والتجارة الالكترونية الذي تم تطويره في انتظار الانتهاء من اعداد مجلة الاقتصاد الرقمي التي ستشمل كل المعاملات والمبادلات التي تستعملها المؤسسات ، كما ذكرت ان المركز الوطني للإعلامية قد اعد منظومة الكترونية من اجل ان يستخرج الموظفون في الوظيفة العمومية شهادات الاجر من الانترنت مؤكدة استعداد كل المؤسسات للانخراط في هذه الخدمات على ان يتم يوم 16 افريل الانطلاق في خدمة استخراج مضمون الولادة ومضمون السجل التجاري وفي موفى جوان المقبل الانطلاق في خدمة استخراج شهادة الباكالوريا في انتظار تعميم الاجراء على المؤسسات الجامعية ..

الحد من البيروقراطية

وقال رئيس لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد بمجلس نواب الشعب حسن العمري أن جملة الإجراءات المتعلقة برقمنة الخدمات الإدارية ليست جديدة وانما هو مشروع انطلق مع وزارة الوظيفة العمومية وهو مطلب العديد من الناس من اجل تذليل العوائق الادارية وتسهيل الخدمات التي تهم المواطن في انتظار تنفيذ برنامج اشمل يتعلق بالبطاقة الذكية وايضا برنامج المعرف الوحيد الخاص بوزارة الشؤون الاجتماعية حتى يذهب الدعم الى مستحقيه والذي يتطلب مزيدا من الوقت .

وأفاد العمري في حديث لـ«الصحافة اليوم» أن الإجراءات المعلنة هي اشارة ايجابية وبادرة سيستحسنها المواطن وستسهل كل الخدمات وخاصة ستقلص من البيروقراطية التي تعطل مصالحه وهذا ما يعكس رغبة في المضي في الاصلاحات الكبرى وتحديدا الاصلاح الاداري .

وأضاف محدثنا ان الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من تطبيق هذا البرنامج الذي يهدف الى ارساء ادارة عصرية تساهم في تقليص منسوب العلاقة بين الادارة والمواطن وتفادي الرشوة والابتزاز والتزوير واعادة الثقة بين الطرفين .

واعتبر رئيس لجنة الإصلاح الإداري أن الرقمنة مشروع هام جدا يخضع للانجاز على مراحل عديدة وله مردودية ايجابية على العمل الاداري وحسن ترشيد المال العام .

قفزة نوعية

من جهته ابرز الوزير السابق للوظيفة العمومية عبيد البريكي ان وزارة الوظيفة العمومية أعدت هذه الإجراءات في إطار اصلاح الادارة التونسية والتقليص اكثر ما يمكن من الوثائق عن طريق الادارة الالكترونية والتي كان جزء منها معتمد من قبل وهي إجراءات الخلاص تحديدا..

وأكد البريكي في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن الإجراءات المعلنة هي خطوة الى الامام ولكن الاجراء الاهم هو مقاومة التهريب وذلك عبر اقرار اطار قانوني يحدد سقف السحب بـ 500 دينار على سبيل المثال وهكذا تتم عملية حسر السحب نقدا ولا يتم تداول العملة نقدا .

وعموما اعتبر عبيد البريكي أن كل الإجراءات الادارية ستسهل الخدمات بالنسبة للمواطن على أن يتم تجذير توجه الإدارة الالكترونية وتوفر الارادة السياسية لتصبح الادارة الالكترونية انجازا تاريخيا ، وبين انه حسب دراسة تقييمية لوزارة الوظيفة العمومية والحوكمة فان الدولة كانت تخسر اموالا طائلة في الاوراق والحبر لاستخراج الوثائق الإدارية بالإضافة إلى التعطيلات الكبيرة في ملفات الانتداب وفي تأسيس الشركات ولهذا سيساهم استخراج سجل المضمون التجاري ومضمون الولادة في تسهيل خدمات المواطن.

واعتبر عبيد البريكي انه لم ننجز إلى حد الآن قفزة نوعية في مجال الادارة الالكترونية وتقليص التجاوزات التي اضرت بالمالية التونسية وافرزت تجاوزات للاقتصاد الموازي وبالتالي فالإصلاح الإداري هو مسار سياسي حسب تقديره .

حوكمة الادارة

وأوضحت عضو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نادية السعدي في تصريح لـ «الصحافة اليوم» بان تطوير الإدارة ورقمنة الإجراءات والحوكمة المفتوحة هي من بين توصيات الهيئة في اطار مكافحة الفساد التي تنص على حياد الإدارة وتوضيح الإجراءات والشفافية وتقليص الوثائق وهي تندرج في إطار حوكمة القطاع المالي لتفادي مخاطر الفساد.

واكدت السعدي ان هناك اتفاقيات بين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والوزارات والإدارات للقيام بإجراءات تحد من الفساد ومن تدخل الموظفين.

وإجمالا ، يشتكي المواطن من كثرة الوثائق وطول الإجراءات في الإدارة التونسية، وللتخلص من كل هذه الأعباء التي تتسبب فيها المسارات الإدارية العادية يصبو المخطط الاستراتيجي لتونس الرقمية إلى تيسير الخدمات العمومية للمواطن ، ولكن نجاح هذا المخطط يحتاج إلى المتابعة والتدقيق والتقييم المستمر للوقوف على الصعوبات التي تحول دون تنفيذه.