الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



التلاميذ ذوو الاحتياجات الخصوصية

أي مصير تعليمي لهؤلاء في غياب الإحاطة اللازمة؟



إعداد صبرة الطرابلسي

في غياب أرقام رسمية حول عدد الأطفال حاملي التوحد المصنفين ضمن الأطفال ذوي الاحتياجات الخصوصية تتزايد من سنة إلى أخرى أعداد هذه الفئة من الأطفال الذين تختلف درجات التوحد لديهم بين الخفيفة والعميقة لكن كلا الصنفين يحتاج لإحاطة خاصة تتطلب إمكانيات مادية وبشرية وإطارا ملائما لاحتضان هؤلاء الأطفال ومساعدتهم على الاندماج في المحيط المدرسي والاجتماعي وهو ليس متوفرا بالشكل الذي يمكن أن يخفف على أوليائهم الحيرة التي يعيشونها وقلقهم الدائم على مستقبل أبنائهم.

ورغم تزايد عدد الأطفال حاملي التوحد في السنوات الأخيرة إلا أن اهتمام الهياكل المعنية بهذه الفئة ما يزال محتشما شأنه شأن بعض المشاكل الأخرى التي ظهرت لدى فئة من التلاميذ على غرار صعوبات واضطرابات التعلم التي تصنف هؤلاء الأطفال ضمن ذوي الاحتياجات الخصوصية أي أن هؤلاء الأطفال في حاجة إلى طرق بيداغوجية خاصة في التعامل خلال العملية التعليمية وهو ليس متوفرا بالمؤسسات التربوية أو لنقل في بداية الاهتمام به، لكن النقص واضح على مستوى تكوين الإطار التربوي وغياب آليات التعامل مع هذه الفئة الخصوصية من التلاميذ.

«الصحافة اليوم» سلطت الأضواء على واقع التلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية وخصوصا منهم أطفال التوحد للتعرف على الصعوبات التي يواجهونها في محيطهم المدرسي والاجتماعي وأسباب ضعف العناية بهم من قبل الهياكل والسلط المعنية بهذه الفئة.

تبدأ رحلة المعاناة منذ ملاحظة الأولياء لعلامات غير طبيعية لدى أطفالهم تتعلق بصعوبات في التواصل سواء اللغوي أو التفاعلي مع محيطهم لتنطلق بعدها مسيرة طويلة بين أروقة أطباء الأطفال وأخصائيي علم نفس الأطفال في ملاحقة لبصيص أمل يحملهم إلى تلمّس حل أو طريقة مثلى لإدماج هؤلاء الأطفال في محيطهم الاجتماعي وتطوير مهاراتهم الحياتية العادية مثل النطق والكلام.

السيدة عزيزة بن ساسي هي أم لبنت حاملة للتوحد تبلغ من العمر 9 سنوات وهي تدرس حاليا بالسنة الأولى من التعليم الأساسي وقد حدثتنا والدتها عن الصعوبات التي واجهتها بعد أن اكتشفت حالة ابنتها في سن الثالثة مبرزة نقص الجهات التي من شأنها أن توجّه الولي إلى الوجهة التي تساعد على تحسين حالة الطفل من خلال الإحاطة به.

وبينت محدثتنا أن مجمل المراحل التي قطعتها للإحاطة بابنتها كانت بمجهود شخصي حيث قامت باصطحاب ابنتها إلى مختص في تقويم النطق ثم قامت بتكوين جمعية أطلقت عليها تسمية جمعية «فرح لأطفال التوحد» قامت من خلالها بحملات تحسيسية للتعريف بالطرق المثلى للتعامل مع هذه الفئة من الأطفال إلى جانب انتداب مرافقين مدرسيين الذين يقومون بمرافقة التلاميذ الحاملين للتوحد داخل القسم لتسهيل مهامهم الدراسية مثل كتابة الدروس مشيرة إلى أن إيجاد مرافق مدرسي ليست عملية سهلة بالمرة وهو ما عاشته من خلال تجربتها الشخصية مع ابنتها.

وأوضحت السيدة بن ساسي أن نظام الامتحانات الحالي لا يراعي خصوصية هذه الفئة من التلاميذ وحتى بعض الفئات الأخرى من التلاميذ على غرار التلاميذ الذين لديهم صعوبات تعلم وهي من الحالات الشائعة حاليا إذ يفترض أن تقع مراعاة خصوصية هؤلاء لضمان حظوظ متساوية في الدراسة والنجاح بينهم وبين بقية زملائهم من خلال القيام بتطويع بيداغوجي للامتحانات بطريقة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية وضعهم الصحي.

أما السيد طاهر صفر فقد كانت تجربته مختلفة في تفاصيلها لكنها تلتقي مع بقية التجارب الأخرى على مستوى نقص الإحاطة بأطفال التوحد فقد أخبرنا أن ابنه الذي يبلغ حاليا من العمر 11 سنة قد طرق في سبيل تحسين حالته كل الأبواب وسخّر له كل الإمكانيات مضيفا أنه في المرحلة الأولى ما قبل دخوله المدرسة عمل على تحسين مهاراته اللغوية والحركية لدى المختصين المعنيين وما استوجبه ذلك من إمكانيات مالية مشيرا إلى أن وضعه المادي قد سمح له بتوفير الظروف الملائمة لابنه لكن ما مصير أطفال التوحد المنتمين لعائلات ذات دخل محدود وهم كثر في غياب أي هيكل عمومي يعنى بهذه الفئة.

وبيّن في السياق ذاته أن ابنه قد درس في مرحلة أولى بمدرسة عمومية لكن التجربة لم تكن ناجحة نظرا لعدم تفهم الإطار التربوي لحالة ولده وهو ما اضطره إلى تغيير المدرسة وتسجيل ابنه في مدرسة خاصة التي قضى بها 3 سنوات حيث خصص له مرافقا مدرسيا صاحبه طيلة هذه المدة داخل القسم لمساعدته على أداء المهام التي يصعب عليه إنجازها مثل الكتابة مشيرا إلى أنه لم يجد التفهم المطلوب لحالة ابنه من قبل الإطار التربوي وحتى الإداري في كلا المدرستين فالوعي بخصوصية هذا النوع من الاضطرابات لدى الأطفال ما يزال منقوصا في الوقت الذي يجب أن يقع فيه تكوين المعلمين حول كيفية التعامل مع هؤلاء الأطفال حتى يتمكنوا من تجاوز الصعوبات التي تواجههم والنجاح في دراستهم.

وأوضح محدثنا أن نتائج ابنه الدراسية تعتبر متوسطة وكان بالإمكان أن تكون أفضل لو كان التعامل معه بطريقة تساعده على استثمار قدراته ذلك أن طفل التوحد يتميز بذاكرة قوية ودعا في هذا الإطار إلى التعامل بأكثر جدية مع ملف الأطفال حاملي التوحد وبعث هيكل مختص يعنى بهم ويوفر لهم الإحاطة اللازمة.

صعوبات التعلّم

على صعيد آخر حدثتنا الأم سلوى بن حميدة عن إشكال يعاني منه ابنها ذو الـ 10 سنوات والمتعلق باضطرابات التعلم وهو ما شكل لديه عائقا في التحصيل الدراسي خاصة في مادتي الحساب والقراءة إذ يقوم بقراءة بعض الحروف بطريقة خاطئة وكذلك على مستوى احتساب الأعداد مبينة أنها في البداية لم تكترث للأمر وخالت أن ابنها لا يريد الاجتهاد في دراسته لكن باستمرار هذه الحالة وتفاقمها بشكل غير طبيعي قامت باستشارة طبيب نفسي الذي شخص حالته على أنها اضطراب في التعلم وهو ما يستوجب معاملة خاصة من قبل الإطار التربوي لكن للأسف هذا غير متوفر في مؤسساتنا التربوية حاليا إذ لا توجد آليات بيداغوجية من شأنها أن تساعد هذه الفئة من التلاميذ على تجاوز الصعوبات التي يشكون منها.

اضطراب ذهني

التوحد هو اضطراب ذهني نمائي من بين مظاهره خلل في التواصل على مستوى النطق والكلام وخلل في العلاقات الاجتماعية على مستوى التواصل مع الآخرين إلى جانب خلل في المهارات الحركية والحسية بدرجات مختلفة تتفاوت بين الخفيفة والعميقة.

هذا ما أوضحه الأستاذ محمد السندي الأخصائي النفسي مضيفا أن التوحد يصنف إلى خفيف حيث يمكن للطفل الحامل لهذا الصنف أن يكتسب مهارات لغوية وهو له ذكاء عادي أو ذكاء خارق لكن لديه صعوبة في التواصل مع الآخرين أما الصنف الثاني من التوحد والمسمى بالعميق فيكون الطفل الحامل لهذا الصنف غير قادر على القيام بالمهام الملائمة لعمره مثل ارتداء ملابسه أو الأكل بمفرده.

وبين محدثنا أن اكتشاف حالات التوحد تكون عادة في سن الثالثة عندما يلاحظ الأبوان تصرفات غير طبيعية ومختلفة لدى أطفالهم وهي متعلقة في مجملها بمشكل في التواصل من ذلك عدم التجاوب مع من يناديه أو نقص الانتباه مشيرا إلى أنه لا توجد إلى حد الآن دراسة علمية تبين أسباب التوحد الذي يولد الطفل حاملا له.

وأضاف أن التوحد يحتاج إلى إحاطة اجتماعية ونفسية خاصة بهذه الفئة من الأطفال لكن في تونس للأسف هناك تقصير واضح من قبل السلط المعنية فلا يوجد مركز عمومي واحد خاص بالأطفال حاملي التوحد مبينا أن المراكز الموجودة حاليا مجملها خاصة وتستوجب إمكانيات مالية إلى جانب الجمعيات التي تعمل على توفير بعض الإحاطة وفق ما تسمح به إمكانياتها المحدودة فقد أصبح هناك تقريبا في كل ولاية جمعية تعنى بأطفال التوحد.

وبين محدثنا أنه يجب التمييز بين مختلف أنواع الاضطرابات التي يمكن أن تكون لدى الأطفال فصعوبات التعلم تختلف مثلا عن التوحد وتختلف بدورها عن فرط الحركة وتشتّت الانتباه ولكل منها خصوصية وجب التعامل معها بطريقة خاصة من الضروري جدا أن تكون بعيدة كل البعد عن أي شكل من أشكال العنف.

على صعيد آخر حدثنا الأستاذ محمد السندي عن التجربة الجديدة التي أعلنت عنها وزارة التربية منذ سنة تقريبا والمتعلقة بتعويض إدماج التلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية بما يسمى بالدمج أي أقلمة المدرسة بمختلف مكوناتها مع حاجيات التلميذ في حين كان الإدماج يقوم على وضع التلميذ داخل المدرسة بهدف التأقلم مع هذا المحيط لكن التجربة لم تكن ناجحة لعدة اعتبارات منها نقص تكوين المربين مشيرا إلى أن التجربة الجديدة المتعلقة بالدمج ما تزال حبرا على ورق نظرا لما تتطلبه من إمكانيات تتعلق بتهيئة الفضاء المدرسي لحاجيات التلميذ ذي الاحتياجات الخصوصية بما في ذلك الأطفال حاملو التوحد والتلاميذ الذين لديهم صعوبات تعلم أو اضطراب تعلم .

خطة علاجية

لئن تختلف طبيعة الاضطرابات أو الحالات التي تشكو منها فئة من التلاميذ إلا أنهم مصنفون ضمن التلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية حيث تشمل أطفال التوحد والتلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم أواضطرابات التعلم وذوي الإعاقات الخفيفة والأطفال خارقي الذكاء.

هذا ما أوضحته الأستاذة سلمى تكيكي الأخصائية النفسية بالمندوبية الجهوية للتربية بالمنستير ونائب رئيس الجمعية التونسية للاضطرابات وصعوبات التعلم مضيفة أن هناك اختلافا بين مختلف أصناف هذه الاضطرابات لكن لكل منها خصوصية تستوجب التدخل الملائم للتعامل السليم مع الطفل الذي يشكو من إحدى هذه الاضطرابات ومن المفترض أن يقع توفير ما يسمى بخطة علاجية «إفرادية» حسب حالة كل طفل لكن ذلك يصعب تطبيقه مبينة في السياق ذاته أن اضطرابات التعلم هي خلل وظيفي عصبي يتم اكتشافه في سن الـ9 باعتبار أنه مرتبط بالمهارات الأكاديمية والفرق بينه وبين صعوبات التعلم أن هذا الأخير وقتي مرتبط بوقوع حدث ما أثر على نفسية التلميذ وانعكس على قدراته الدراسية في حين أن اضطرابات التعلم تكون دائمة وتستوجب تعهدا نفسيا وبيداغوجيا من خلال توفير ما يسمى بالتطويع البيداغوجي التي تستجيب لحاجيات هذه الفئة من التلاميذ على غرار إعداد امتحانات خاصة بهم تراعي الصعوبات التي يواجهونها.

وبينت في السياق ذاته أن وزارة التربية قد أصدرت بتاريخ 16 جانفي 2018 المذكرة عدد 7 المتعلقة بالتعهد بالأطفال ذوي الاحتياجات الخصوصية بكل المؤسسات التربوية حيث تتمتع هذه الفئة من التلاميذ بموجب هذه المذكرة بامتيازات في إطار مراعاة خصوصية حالتهم من ذلك منحهم وقتا إضافيا عند الامتحان علما أنه يجري حاليا صلب وزارة التربية إعداد قاعدة بيانات لإحصاء عدد التلاميذ الذين لديهم اضطرابات في التعلم.

كما تم الشروع منذ سنة 2013 في بعث خطة الأخصائي النفسي التربوي الذي يقوم بالنظر في ملفات طلب دخول الأطفال ذوي الاحتياجات الخصوصية للمدرسة في إطار لجنة متكونة من ممثلين عن وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية إلى جانب وزارة التربية.

ولاحظت محدثتنا أنه ثمة نقص على مستوى تكوين الإطار التربوي حول كيفية التعامل مع مختلف حالات الاضطراب الموجودة لدى فئة من التلاميذ إلى جانب قلة وعي الأولياء بوجود هذا الخلل الوظيفي لدى بعض الأطفال والذي يستوجب استشارة طبيب نفسي لأن عدم التعامل السليم مع مختلف هذه الاضطرابات قد يؤدي بالتلميذ إلى الفشل الدراسي.

تمويل الجمعيات

لئن لم توفر الدولة مركزا عموميا مختصا للإحاطة بأطفال التوحد إلا أن دور وزارة الشؤون الاجتماعية يكمن في تمويل الجمعيات التي تعنى بهذه الفئة من الأطفال حيث ترصد الوزارة سنويا نحو 33 مليون دينار لتمويل الجمعيات الخاصة بالمعوقين والتي يضم البعض منها أقساما تهم الأطفال حاملي التوحد.

هذا ما أوضحه السيد مناف تراكي رئيس مصلحة بالإدارة العامة للنهوض الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية مضيفا أنه توجد حاليا 23 جمعية تعنى بأطفال التوحد إلى جانب عمل الإتحاد التونسي لإعانة الأشخاص القاصرين ذهنيا الذي يتضمن 90 فرعا وتوجد في بعض فروعه أقسام خاصة بالأطفال حاملي التوحد مبينا أنه رغم عدم وجود مراكز عمومية للإحاطة بهذه الفئة إلا أن الجمعيات المعنية تعاضد مجهود الدولة.

غياب الرد

لمعرفة الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية في ما يخص التلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية حاولنا الاتصال بالسيدة إلهام بربورة المديرة المكلفة بالدمج المدرسي بوزارة التربية إلا أننا لم نتحصل على أي رد.

إن تزايد أعداد الأطفال والتلاميذ حاملي التوحد أو ممن يشكون اضطرابات في التعلم أو تشتت الانتباه وفرط الحركة ومعاناة أوليائهم من أجل إيجاد الحلول الملائمة لم يرافقه مجهود يذكر من قبل الهياكل الرسمية التي ما تزال تتجاهل هذه الفئة من التلاميذ ذوي الاحتياجات الخصوصية وحاجتهم للإحاطة الخاصة في غياب لنظام تكفل بمصاريف الإحاطة بهم.