الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



أزمة الصيدلية المركزية

هل تنفرج بالحلول الترقيعيّة



اعداد :منصف عويساوي

لا شك أن أزمة الصيدلية المركزية وديونها المتخلدة بذمة الصناديق الاجتماعية والتي فاقت الـ 800 مليون دينار من أبرز المشاكل التي ساهمت في عجزها عن توريد الأدوية وخصوصا منها الخاصة بالأمراض الثقيلة والمزمنة وحتى فقدانها في عدد من المصحات والمستشفيات العمومية.

ومن الطبيعي أن تصبح هذه المسألة المتصلة بصحة المواطن، قضية وطنية بامتياز بما لها من تأثير مباشر ولما تمثله من خطر حقيقي على حق المواطن في الصحة وفي الخدمات الصحية بمختلف أنواعها، فهذه الأزمة سرعان ما تحولت إلى ظاهرة خطيرة خصوصا بعد التهديد بإدراج تونس على القائمة السوداء للدول الممنوعة من التزوّد بالأدوية نتيجة عدم خلاص ديونها المتراكمة، وهو أيضا ما يدفعنا إلى طرح العديد من الأسئلة الملحّة ومنها هل أعدّت الدولة خطة لمعالجة الأزمة الهيكلية للصيدلية المركزية باعتبارها منشأة عمومية تحتكر استيراد الدواء وبالتالي تزويد السوق الوطنية والمستشفيات العمومية والمصحات الراجعة بالنظر للضمان الاجتماعي؟ والى متى ستبقى الدولة رهينة الحلول الظرفية على غرار قرارها المتعلق باللجوء إلى الاقتراض من البنوك لتجاوز أزمة التزود بالأدوية من المخابر الأجنبية؟

حالة من الخوف والهلع أصابت تقريبا الآلاف من التونسيين المتابعين للشأن الصحي نتيجة تفاقم عديد الأزمات وفي صدارتها فقدان الأدوية الثقيلة والمزمنة وحالة الفوضى التي يعيشها قطاع الصحة الأساسية بسبب فقدان استراتيجية واضحة لهذا القطاع طيلة سنوات ما بعد الثورة، وهو ما حذرت منه عديد المنظمات الوطنية والدولية في مختلف تقاريرها والتي نشرنا مقتطفات منها قي تحقيقنا الصادر بجريدتنا بتاريخ 01 مارس 2018 بعنوان «الصحة الإنجابية بين الواقع والتشريع، غياب سياسة وطنية للصحة الإنجابية وفوضى في مسلك الرعاية الصحية».

تأجيل مؤقت

أزمة الصيدلية المركزية كمرفق عمومي لا تهم فقط القائمين على هذه المؤسسة العريقة بل تهم كافة التونسيين وخاصة منهم الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة باعتبار الحاجةالماسة إلى الأدوية التي توفرها الدولة وتضمن تواجدها في المستشفيات العمومية والمصحات الراجعة لها بالنظر، وهو ما يستدعي من الدولة ومؤسساتها أخذ هذا الملف بالجدية التي يستحقها قطاع حيوي مثل قطاع الصحة والأدوية والتوجه بالسرعة القصوى إلى مراجعة السياسة العامة للدولة في هذا القطاع الحساس والحياتي والذي يهدد بصفة مباشرة الأمن الصحي للمواطن .

ان سياسة الاقتراض من البنوك لخلاص دوين الصيدلية المركزية لدى مخابر الأدوية الدولية صحيح أنه ربما يحول دون تصنيف بلادنا «مؤقتا» ضمن القائمة السوداء للدول الممنوعة من التزوّد بالأدوية لكنه يبقى حلا ارتجاليا وظرفيا من شأنه أن يعمّق ديون الدولة وإغراقها أكثر في المديونية،وهو ما يستدعي في المقابل الجلوس مع كافة الأطراف المتداخلة للتباحث والحوار حول كافة مسائل القطاع الصحي العمومي والخروج باستراتيجية شاملة تحمي هذا القطاع وتضمن نجاعته وديمومته وتحافظ على حق المواطن في الصحة.

في المقابل إن اعتذار الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية معز مقدم عن الإدلاء بتصريحات صحفية سواء للصحافة المكتوبة أو المسموعة والمرئية بسبب عدم الإذن له كتابيا من وزارة الصحة العمومية لإنارة الرأي العام حول الوضعية المالية للمؤسسة وقيمة الديون المتخلدة بذمتها وأسباب النقص الفادح في عدد من الأدوية والحلول المطروحة لتجاوز الأزمة وأخرها في برنامج إذاعي الأيام الفارطة يعد ضربا لحق المواطن في المعلومة ويساهم في تفاقم ما يسمى بـ«كرة الثلج» وفتح المجال أمام التأويلات.

وفي السياق ذاته أكدت مصادر نقابية من الصيدلية المركزية في تصريح إعلامي نفاد المخزون الاستراتيجي لبعض الأدوية ، في حين أن المخزون الاستراتجي لبعض الأدوية الأخرى كاف لمدة 3 أشهر فقط، فضلا عن وجود نقص كبير في تزويد المستشفيات العمومية بالدواء الذي يقارب 32 منتوجا من طرف الصيدلية المركزية فيما لا يؤمّن مخزون قرابة 153 منتوج الثلاثة أشهر القادمة.

كما أكدت مصادرنا في علاقة بتزويد الصّيدليات وتجّار الجملة، أن الصيدلية المركزية أصبحت عاجزة عن توفير 88 نوعا من الدواء باعتبار أن مخزونها بلغ الــصفر وأخرى تراجع مخزونها إلى احتياطي لا يغطي سوى 60 يوما فقط ،فضلا عن فقدان أنواع من الأدوية الأساسية المستعملة خاصة في غرف العمليات وغرفة الإنعاش .

وأكدت نفس المصادر النقابية فقدان العديد من الأدوية التي تتراوح بين أدوية الأمراض العادية وصولا إلى أدوية السرطان والأدوية الحيوية التي بلغ مخزونها صفرا على غرار دواء «فليكون» لتنظيم دقات القلب و «فيتامين ك» والذي يعد من أحد العوامل الرئيسية في عملية وقف نزيف وفقدان الدم من الأوعية الدموية المصابة ودواء «بكلوفان 10 ملغ» الذي يقع استعماله في معالجة مرض سرطان الثدي.

من جانبها دعت نقابة الصيدليات الخاصة وزارة الشؤون الاجتماعية إلى اتخاذ القرارات اللازمة لتجاوز أزمة الصناديق الاجتماعية التي أنجرّت عنها «أزمة مالية حادة» للصيدلية المركزية تسببت في نقص كبير في مخزون الأدوية وصعوبة في توريدها بسبب عدم خلاص مستحقات عدد من المخابر الأجنبية.

 

 

في المقابل نفت وزارة الصحة وفق آخر التصريحات خبر فقدان بعض الأدوية بمخازن الصيدلية المركزية وخاصة في علاقة بالأدوية الحياتية والأساسية وأن المخزون الحالي يتجاوز الـ 3 أشهر، فضلا على اتخاذ الوزارة كافة الإجراءات لتوفير أدوية جنيسة لمعالجة النقص الحاصل في الأدوية العادية.

كما ذهب وزير الصحة العمومية عماد الحمامي في آخر تصريح إعلامي له إلى التذكير بأن أزمة الأدوية تعود أساسا إلى ظاهرة التهريب والفساد في قطاع الصحة فضلا عن الصعوبات المالية التي تمر بها الصيدلية المركزية بسبب عدم دفع صندوق التأمين على المرض المستحقات المالية المتخلدة بذمته لفائدة المستشفيات العمومية والصيدلية المركزية.

وكشف الوزير في هذا الإطار في تصريح سابق الشهر الماضي عن وجود أربع ملفات كبرى ترتبط بتهريب الأدوية إلى بلدان مجاورة واستعمال أدوية منتهية الصلاحية بالإضافة إلى رصد عمليات سرقة للأدوية من المخازن ومراكز الصحة الأساسية.

حلول ترقيعية !!

عثمان الجلولي كاتب عام الجامعة العامة للصحة التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل أبرز من جهته في تصريح إعلامي على هامش مشاركته في لقاء صحفي نظمه أول أمس الخميس الائتلاف المدني للدفاع عن المرفق العمومي للصحة بمقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وجود نقص في بعض الأدوية، مؤكدا على أنّ الصيدلية المركزية تعيش صعوبات مالية بسبب تراكم ديونها لدى الحرفاء.

ودعا في هذا الصدد الحكومة إلى تطبيق كافة القرارات التى اتخذتها لفائدة الصيدلية المركزية وإلى ضرورة الاعتراف بأن أزمة هذه المؤسسة تسببت في فقدان عدد من الأدوية والى ضرورة الترفيع في الميزانية المخصصة لوزارة الصحة في ظل تردي الخدمات الصحية العمومية وارتفاع أسعار الأدوية معتبرا أن مخرجات الحوار الوطني للصحة سنة 2014 لم تراع الواقع الصحي للبلاد اليوم.

كما حذر في تصريح سابق من الوضعية الكارثية التي آلت إليها الصيدلية المركزية بسبب تراكم ديونها لدى حرفائها التي فاقت 800 مليون دينار مقابل ارتفاع ديونها لدى مزوديها ما يُهدد إمكانية التزوّد خاصّة وأن 50 بالمائة من الأدوية تورّد من الخارج.

ودعا في هذا الإطار كافة المؤسسات العمومية للصحة و«الكنام» إلى خلاص مستحقاتها المالية تجاه الصيدلية المركزية التي ناهزت 400 مليون دينار ، من أجل المحافظة على هذا المرفق العمومي الذي يحتكر الدواء ويوزعه على كافة الصيدليات والمؤسسات الصحية للبلاد .

كما استنكر عثمان الجلولي في هذا الصدد ، الحلول والتي وصفها بـ«الترقيعية» التي قدمتها الحكومة والتي جعلت العديد من الأطراف تقترح الاقتراض من البنوك من أجل توفير الدواء، وهو ما عارضه بشدة كل العاملين بالمؤسسة واعتبروه فخا من أجل التفويت في جزء كبير من نشاط هذه المؤسسة لمصالحهم الخاصة.

عدم الالتزام بالتعهدات السابقة..

وفي سياق متصل صرح كاتب عام النقابة الأساسية للصيدلية المركزية سفيان الدلاجي خلال هذا الأسبوع، أن ديون الصيدلية بلغت 345 مليون دينار لدى المستشفيات، وقرابة 340 مليون دينار لدى الصناديق الاجتماعيّة، مبيّنا أنّ عجز الصيدليّة بلغ 820 مليون دينار إلى موفّى شهر مارس 2018 ، مؤكدا أن عجز الصيدليّة المركزيّة ادّى إلى تداينها هي الأخرى، حيث انها مطالبة بخلاص 389 مليون دينار لدى المزوّدين الأجانب.

وبخصوص تأثير الأزمة المالية للصيدلية المركزية على فقدان الأدوية في عدد من المستشفيات العمومية أو المصحات أبرز الدلاّجي في التصريح ذاته أنه أمام هذه الديون فإنّ عديد الأدوية غير متوفّرة حاليا وإن وجدت فهي بكميات ضئيلة على غرار أدوية الأمراض المزمنة وأخرى ضروريّة في عمليات أقسام الإنعاش ومادة «التبنيج» خاصّة التي يستعملها أطبّاء الأسنان.

وذكر كاتب عام النقابة الأساسية أن الاتحاد العام التونسي للشغل تدخل في مسألة ديون الصيدليّة، وسبق أن تمّ عقد مجلس وزاريّ بتاريخ 6 نوفمبر 2017، حيث تمّ الاتفاق على أن يسدّد الصندوق الوطني للتأمين على المرض «الكنام» ما قيمته 33.8 مليون دينار شهريّا، في حين تعهّدت المستشفيات بخلاص 20 مليون دينار شهريّا، وكانت هذه الإجراءات من أجل تجاوز أزمة الديون التي تعيش على وقعها الصيدليّة المركزية، غير انّ ذلك لم يتم وتم تسديد ما قيمته 13.8 مليون دينار فقط من قبل «الكنام» و 6 مليون دينار فقط من قبل المستشفيات .

سابقة أولى !!

سابقة أولى تعيش على وقعها الصيدلية المركزية بعد الثورة بسبب أزمة مالية حادة وشلل كلي لاسيما بعد تحذير شركات الأدوية العالمية بلادنا من إمكانية وضعها ضمن القائمة السوداء الممنوعة من التزوّد بالأدوية ،القرار الذي ستكون له إن تم تنفيذه - ونحن نستبعد ذلك ولو حاليا خاصة بعد تعهد الدولة باختيار الاقتراض من البنوك لتجاوز الأزمة المالية الحالية للصيدلية المركزية- تداعيات سلبية وفي مقدمتها الإساءة لصورة تونس في مجال حيوي وترجيح تآكل ما تبقى من مخزون الأدوية الحيوية.

كما أكد الخبراء في المجال الصحي ان أزمة الصيدلية المركزية انعكست أيضا على الشركة التونسية للصناعات الصيدلية (سيفات)، فقد بدت بدورها عاجزة عن اقتناء المواد الأساسية لتصنيع الأدوية نظرا إلى أن الصيدلية المركزية تمتلك ما يناهز 66 بالمائة من رأسمال الشركة مما يعني أن النقص في الأدوية سيشمل كذلك ما يصنع في تونس.

ونذكر أيضا في هذا المستوى من تحليلنا انه مباشرة بعد بروز ظاهرة فقدان بعض الأدوية أطلقت الجمعية التونسية للصيادلة صيحة فزع خاصة بعد نفاد أدوية منع الحمل بسبب عدم دفع الصيدلية المركزية مستحقات المختبرات المصنعة لعدة أشهر رغم التنبيه والتحذير بإمكانية مغادرة تونس نهائيا.

ودعا المكتب الوطني لأصحاب الصيدليات الخاصة في بيان له مؤخرا الى إيجاد حل للأزمة داعيا بذلك وزارة الشؤون الاجتماعية إلى الإسراع باتخاذ القرارات اللازمة لحل مشكلة الصناديق الاجتماعية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تحذّر فيها أيضا نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة من خطورة وضع الصيدلية المركزية في تونس والتداعيات التي يمكن أن تترتب عنه،كما انتقدت سابقا، عدم وجود اتفاق رسمي ينهي كل الإشكاليات العالقة والتي تسببت في نقص كبير في كميات الأدوية الأساسية.

وطالب عدد من الخبراء والمتابعين لأزمة الصيدلية المركزية السلطة بايلاء أهمية أكبر لشركة الصناعات الدوائية التونسية والتي يعتبرها الجميع «فخر الصناعة التونسية» وهى التي لها أكثر من 200 منتج تونسي أثبتت فاعليتها منذ سنوات وباعتبار انه يمكن لهذه المؤسسة أن تتطور إن وجدت الدعم والحماية وتوفير الخطط اللازمة لتصدير منتجاتها.

وذهب آخرون للقول أيضا بان انهيار الاقتصاد التونسي خلال السنوات الأخيرة وخصوصا انخفاض سعر صرف الدينار التونسي ساهم في خلق ارتفاع هام في أسعار الأدوية سواء كانت مستوردة أو التي تصنّع محليا باعتبار أن المواد الأولية يتم استيرادها من الخارج، بالإضافة إلى أن استيراد المواد الطبية وشبه الطبية والتي تستعمل في مواد التجميل تستورد بالعملة الصعبة وبأسعار مرتفعة جدا وهو ما عمّق أيضا من الأزمة المالية للصيدلية المركزية خلال السنوات الأخيرة.

وكانت أوساط مختلفة متداخلة في القطاع الصحي قد حذرت سابقا من أزمة حقيقية في تزويد السوق التونسية بالأدوية، في ظل كل الإشكاليات التي تمر بها الصيدلية المركزية والتي تعود بالأساس إلى عدم تمكّنها من استيراد الأدوية التي تحتاجها بلادنا.

ومما زاد الوضع تأزما هو عدم إيفاء صندوق التأمين على المرض والمستشفيات العمومية بتعهداتها السابقة حيث التزم الصندوق بدفع مبلغ شهري قدّر بأكثر من 33 مليون دينار، في حين تعهدت المستشفيات العمومية بدفع ما بين 10 و12 مليون دينار شهريا لكن الصيدلية المركزية «لم تحصل من قبل الصندوق إلا على 32.3 مليون دينار خلال 5 أشهر أما المستشفيات فقد دفعت 6 ملايين دينار فقط خلال نفس المدة».

فهل ستمّر الدولة إلى إعلان حالة طوارئ دوائية بعد أن لجأت إلى بعض الحلول الترقيعية المتمثلة في الاقتراض من البنوك وبالعملة الصعبة مما قد يضاعف من أزمة الصيدلية المركزية ومن تداعيات ذلك على المواطن وعلى المخابر المحلية والقطاع الصحي بأكمله أم أنها ستتدارس هذا الملف بكل ما يستوجبه من جدية لإيجاد حلول جذرية؟