الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



المالية العمومية

رغم الصّعوبات... الإفـــــــلاس غــــــيـــــــر وارد



إعداد: شكري بن منصور

كشفت الوكالة الأمريكية المرموقة « بلومبرغ» أن تونس من بين أربع بلدان عربية قد تعلن إفلاسها السنة المقبلة. ّوبناء على معيارين اثنين هما مخزون العملة الصعبة وأكل الديون قصيرة الأجل توصلت الوكالة إلى أن السلطات التونسية تواجه صعوبات في تسديد مبلغ ستة مليارات دينار تونسي من الديون الخارجية التي كانت مستحقة خلال سنة 2016 وتجد البلاد نفسها خلال السنة الحالية ملزمة بدفع قرابة ثمانية مليارات دينار تونسي وهو مبلغ ضخم تحوم الشكوك بشدة حول مدى قدرة البلاد على سداده. وكان مجلس نواب الشعب قد صادق خلال الأشهر الستة الأولى من 2017 على 19 قرضا خارجيا بالرغم من الانتقادات الشديدة من نواب المعارضة بحجة أن هذه القروض ستؤدي إلى إغراق البلاد في مزيد من الديون. وبالرغم من أن تقرير «بلومبرغ» لم يدرج تونس ضمن الدول المتوقع أن تتخلف عن سداد الديون الخارجية إلا أنه بمتابعة الوضع الاقتصادي للبلاد فقد تمت الإشارة إلى أن تونس تعيش أزمة خانقة حيث تعتمد في تمويل ميزانية الدولة وتوفير النفقات العمومية بشكل كبير على الديون الخارجية خلال السنوات الأخيرة وهو ما جعل حجم الديون يتراكم من سنة إلى أخرى. وحسب الإحصائيات الرسمية ارتفع حجم الدين الخارجي لتونس ليصل إلى 65 مليار دينار سنة 2016 وارتفعت نسبة الدين الخارجي بنحو 2% منذ اندلاع الثورة سنة 2011 وإلى غاية 2016. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن عدة بلدان عربية تعاني من نفس المشاكل الاقتصادية وقد تسجل عجزا عن خلاص ديونها سنة 2018 وبالتالي إفلاسها مثل مصر والبحرين.

فماهي حقيقة المخاطر الاقتصادية التي تهدد تونس وهل سيناريو الإفلاس واقعي وجدي؟

 

تبرز خطورة الوضع في تونس في جانبين أساسيين، الأول: هو ضعف الاحتياطي النقدي للبلاد، الذي تدحرج إلى خمسة مليارات دولار، أي ما يعادل 99 يوم استيراد، ، مقابل ما يعادل 104 أيام استيراد، في أفريل الماضي بحسب معطيات البنك المركزي وهذا الرقم يشكل نحو ربع ديون تونس فقط، ورغم أنه ليست المرة الأولى التي يسجل فيها الاحتياطي تراجعا كبيرا على هذا النحو حيث شهدت سنة 2012 ٍ تراجعات ّ متكررة للاحتياطي من العملة حيث وصلت إلى 94 يوم استيراد في 25 أكتوبر 2012 إلاِّ أن ما يزيد من خطورة الوضع هذه المرة هو تراكم الديون قصيرة الأجل، وهو ما يجعل تونس في وضع متعسّر خلال هذه الفترة قد يجعلها عرضه للإفلاس في حال فشلت في الحصول على مزيد من القروض الخارجية. وفي تقدير الخبراء فان الأوضاع في تونس وصلت إلى ما وصلت إليه بسب عدم مراعاة الحكومات المتعاقبة خلال السنوات التي تلت الثورة التوازن بين العائدات والمصاريف، ما دفع البلاد نحو دوامة اقتصادية أساسها اللجوء إلى الدين الخارجي وكيفية تسديد فاتورتها الباهظة مما ينذر بأزمة شبيهة بتلك التي عاشتها خلال الثمانينات من القرن الماضي والتي لم تخرج منها تونس إلا بعد تدخل المؤسسات المالية والنقدية الدولية من خلال تنفيذ برنامج للإصلاح الهيكلي.

وتشير التسريبات إلى أن وفد صندوق النقد الدولي طلب من الحكومة خلال زيارته الأخيرة إلى تونس خلال الأسبوع المنقضي تعهدا صارما بالتخفيض مجددا من سعر صرف الدينار مقابل الأورو والدولار، ورغم أن الحكومة لم تصدر بيانا حول ذلك يرى العديد من الخبراء أن هذا الطلب يعتبر مؤشرا على مدى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد وتبرز أهم تجلياتها في مزيد تراجع الدينار وتشير التوقعات إلى أن تصبح قيمة الدولار 2.9 دينار والأورو 3.3 دينار، أي أن الدينار سيفقد 16.3% من قيمته أمام العملتين الرئيسيتين.

كريم بن كحلة أستاذ العلوم الاقتصادية ورئيس منتدى خير الدين اعتبر أن تونس تمر بمرحلة حرجة اقتصاديا والمخاطر موجودة لكنها لا تصل حد الإفلاس. و لو كان هناك خطر إفلاس كما ورد في تقرير بلومبرغ لكانت المفاوضات حول الديون التونسية انطلقت بالفعل مع صندوق النقد الدولي والدائنين الآخرين ولكن ما حصل هو العكس تماما حيث أن وفد الصندوق أدلى خلال زيارته الأخيرة بتصاريح ايجابية حول تحسن الوضع. وأضاف أن الحديث عن الإفلاس يفترض أمرين اثنين هما التوقف بشكل كلي عن خلاص الديون وإعادة الجدولة وهو ما لم يحصل وبالتالي فان مؤشرات الإفلاس غير موجودة.

فرضية مستبعدة

تبرز المخاطر الحقيقية في الضرر الذي لحق صورة تونس في الخارج وهو ما تسبب في عزوف بعض الدائنين عن إقراض بلادنا أو طلب نسبة فائدة مرتفعة نظرا لارتفاع المخاطر المرتبطة بالاقتصاد التونسي وهذا يعود بالأساس إلى الرسائل السلبية التي ترسلها تونس للخارج من إضرابات وعدم استقرار اجتماعي وهذا يؤثر على المانحين دون شك . لذلك في تقدير محدثنا لابد من العناية بصورة تونس بالخارج وتكليف هيكل أو مؤسسة بهذه المهمة.

فالتصريح الأخير المبالغ فيه لوكالة بلومبرغ يؤثر حتما بالرغم من أنه لا يعكس الواقع بدقة ويجعل من الوضع المالي أكثر هشاشة لكن يجب التأكيد على أن الوضع الاقتصادي ليس كارثيا ووسائل الإنقاذ تبقى ممكنة وفي المتناول .

فمخاطر الإفلاس الحقيقية لا تتعلق بالاقتصاد بل بالإفلاس المجتمعي والقيمي ونشر عدم الثقة بين أفراد المجتمع مما يؤدي إلى عدم القدرة على الخلق والإبداع والعمل وبالتالي الإفلاس الاقتصادي. وعموما عدم وجود خطر إفلاس لا ينفي وجود مخاطر كبيرة ستواجه بلادنا عند عملية خلاص ديونها قصيرة الأمد.

كما أن الحديث عن إفلاس الدولة تكرر كثيرا خلال السنوات الأخيرة ووقع الترويج له إعلاميا من خلال بث التخوفات من عدم صرف الأجور وعجز الدولة عن توريد المواد الضرورية. لكن لم يحصل شيء من ذلك ولو مرة واحدة حيث تواصل الدولة وستواصل التكفل بتعهداتها بشكل عادي (أجور وواردات ونفقات عادية) غير أن الإشكال يبقى في التأثر السلبي للاستثمار الداخلي والخارجي جراء الوضع السياسي غير المطمئن وأضاف محدثنا أن رصيد العملة الصعبة رغم تراجعه يبقى متذبذبا وقد يرتفع في الفترة القادمة بما يمكن الدولة من تأمين حاجياتها من التوريد.

وكما كان متوقعا وصلنا إلى هذه الوضعية نتيجة مخاطرة الحكومة بترفيع ميزانية سنة 2017 على مستوى الإنفاق في الوقت الذي لم تكن لديها الموارد اللازمة من المداخيل الجبائية وغير الجبائية والقروض وغيرها. وعلى نفس خطى الحكومات السابقة اعتمدت الحكومة على حلول سهلة وغير متناسبة و المعضلة الأساسية التي يعيشها الاقتصاد الوطني هي معضلة هيكلية بالأساس ومرتبطة بكيفية التصرف في المالية العمومية .

ويضاف ذلك إلى السياق الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد في السنوات الأخيرة لكن و بالرغم من جميع هذه العوامل فان الحديث عن عدم قدرة الحكومة على دفع الأجور إلا في حال الحصول على قروض أجنبية بالعملة الصعبة يبدو غير منطقي نظرا لان الدولة تدفع الأجور بالدينار التونسي من ناحية ويمكنها من ناحية أخرى إصدار سندات في السوق النقدية أو أصول لتمويل المصاريف الجارية وخاصة رواتب الموظفين في القطاع. وما يدعم هذا القول ما خلص إليه تقرير وفد صندوق النقد الدولي الذي أنهى مؤخرا زيارته التقييمية إلى تونس وتضمن مساندة الصندوق للحكومة التونسية في سياساتها لسنتي 2017 و 2018 وبرنامجها لتحقيق النمو وسياساتها الطموحة التي تحقق توازنا بين ما يمكن تحقيقه وما تنشده الحكومة في ظل مناخ اجتماعي وسياسي صعب.

ويقترح التقرير كذلك وضع إجراءات لدعم التصرف في المداخيل تمكن من جمع عادل للضرائب و الاداءات الجمركية الهامة (6 بالمائة من الناتج الداخلي) وإضفاء المزيد من المرونة في ما يتعلق بسعر صرف الدينار. وأوصي التقرير بإصلاحات عميقة للوظيفة العمومية بما يتيح جودة الخدمات مشيرا إلى أهمية الجهود الحكومية لتقليص كتلة الأجور في القطاع العمومي التي تعد من بين الأعلى عالميا ويتطلب الأمر تجميد الزيادات إلى حدود سنة 2020 وكذلك إرساء برامج فاعلة وملائمة للحماية الاجتماعية وخاصة في ظل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والتي تعتبر مقنعة جدا من وجهة نظر الصندوق.

وعلى عكس ذلك يرى الخبير الاقتصادي عياض اللومي أن ما توصل إليه تقرير وكالة بلومبرغ يعكس مخاطر جدية كان قد عبر عنها البنك المركزي في وقت سابق وترتبط بتراجع احتياطي البلاد من العملة الصعبة ولولا القسط الأخير من قرض صندوق النقد الدولي الذي مثل جرعة أكسيجان أنعشت الاقتصاد لبرزت الأزمة بشكل أكثر وضوحا. فالواردات بلغت مستويات قياسية إلى مستوى 45 مليارا أي بزيادة قدرها 7 مليارات مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية وهو ما يمثل ثلث القروض التي تحصلت عليها تونس وهذا الأمر يطرح مخاطر جدية أمام الحكومة.. كما أن الحديث عن جدولة الديون ليس جديدا فقد سبق وأن تمت جدولة الدين القطري الذي تقدر قيمته بخمسة مليارات دينار. وتبرز بوادر الأزمة في عديد المؤشرات أهمها ارتفاع الدين الخارجي وتراجع قمة الدينار و خفض الدعم والإصلاح الجبائي وخصخصة مؤسسات الدولة. فحجم الديون الخارجية لتونس تجاوز 20 مليار أورو مما يطرح مخاطر حول عدم القدرة على إيفاء بلادنا بتعهداتها وتسديد ديونها ويجعلها على باب الإفلاس وهي في نفس الوقت أصبحت غير قادرة على تمويل المشاريع العمومية المدرجة في الميزانية مما سيزيد في تدهور الاقتصاد والظروف الاجتماعية التي يعيشها المواطن يضاف إلى ذلك غياب الوضوح في الرؤية والارتباك في برنامج الحكومة وعملها مما يجعل من وضع الاقتصاد غير مطمئن خاصة وأن تونس وصلت إلى مرحلة الاقتراض لخلاص الأجور ولم يعد من المستبعد الحديث عن جدولة القروض التونسية وفق تقديره..

حلول

ولتفادي الأسوإ على الحكومة أن تأخذ بعين الاعتبار وبشكل جدي هذه المخاطر والشروع في جملة من الحلول العاجلة أولها توقيف الواردات و تخفيضها بنسبة 30% على الأقل وهذا الإجراء يجب أن يشمل جميع الواردات ولا يقتصر على قائمة بعينها كالتي أطلقها البنك المركزي أو بلدا بعينه كما حصل مع تركيا. أما على المدى الطويل فمن الضروري الشروع في الإصلاحات الاقتصادية لرفع نسبة النمو وتعزيز مداخيل الدولة من خلال إصلاحات صارمة وليس إصلاحات على المقاس فالضغط الجبائي المرتفع لا يعطي نتائج ايجابية في ظل الوضع الراهن وهو ضغط جبائي مرتفع في الأنشطة الرسمية وفي المقابل جنة ضريبية في الاقتصاد الموازي. وهو أمر غير معقول وغير مقبول وفق تعبيره كما أنه تسبب في وضع تونس في قائمة الجنات الضريبية من قبل الدول الأوروبية. ويمكن تلخيص الحلول في جملة من الإجراءات كالترويج لتونس للمستثمرين ورجال الأعمال الأجانب والتدرج في رفع الدعم خاصة على المحروقات وهو أمر أساسي وتقليص النفقات من خلال إيقاف التوظيف في القطاع العام وإرساء هدنة اجتماعية تتمثل في إيقاف الاعتصامات واستغلال العمل الديبلوماسي لجلب المستثمرين. ومكافحة الفساد المتفشي في جميع هياكل الدولة. وبخصوص وضعية المالية التونسية فيمكن القول أنها صعبة ودقيقة حسب العديد من الأرقام، وإن إمكانيات البلاد محدودة للغاية، مؤكدا أن الحكومة تراقب يوميا حسابها الجاري لدى البنك المركزي التونسي في ظل تراجع كبير في عائدات الدولة مقابل ارتفاع النفقات الموجهة للأجور والتصرف. يضاف إلى ذلك تفاقم عجز الموازنة الذي مرده دخول تونس في مرحلة سداد أقساط الديون التي تم اقتراضها في الفترة المتراوحة بين 2013 و2014، مشيرا إلى أن جل القروض المتحصل عليها بعد الثورة قصيرة المدى وذات نسبة فائدة مرتفعة مما أرهق المالية العمومية.

رغم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس يبقى خطر الإفلاس مستبعدا على الأقل في المرحلة الراهنة بحسب عديد الخبراء لذلك على الحكومة تدارك الوضع من خلال خطة استباقية وعاجلة لتدارس الالتزامات المالية القادمة لتونس فيما يتعلق بآجال سداد الديون الخارجية مع توجيه الأموال المتأتية منها إلى المكان الصحيح وهو تمويل المشاريع والاستثمارات وليس تسديد الأجور مثلما فعلت جميع حكومات ما بعد الثورة.