الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



مكاتب الصرف اليدوي للعملة

خطوة ضرورية لكن غير كافية



إعداد: شكري بن منصور</b

مثّلت مكاتب الصرف اليدوي للعملة الصعبة التي تم الشروع في إحداثها منذ أسابيع حلا من بين الحلول المقترحة للقضاء والحد من تداول العملة الصعبة في السوق السوداء والأسواق الموازية. وأعلن البنك المركزي التونسي أواخر الشهر الماضي الترخيص بفتح 7 مكاتب صرف لممارسة نشاط الصرف اليدوي للعملة الصعبة موضحا أن ثلاثة مكاتب من ضمن المتحصلين على الترخيص انطلق نشاطها بعد في مطلع سنة 2019. ويسعى البنك من خلال هذا الإجراء إلى الرفع من مخزون العملة الصعبة. ويعتبر الخبراء أن هذه الاجراءات لا تمس جوهر الإشكال وتقدّم نصف حلول للوضعية المتردية التي بلغتها سوق الصرف في تونس. فحجم العملة الصعبة المتداولة خارج الأطر القانونية كبير جدا وعدم قدرة البنك على إجبار حاملي هذه الأموال على فتح حسابات بنكية زاد من حدة الإشكال وآثاره الكارثية على قيمة الدينار أمام بقية العملات. وفي عديد الانهج في العاصمة ينشط عدد كبير من «الصرافة» على مرأى ومسمع من أعوان الأمن و يقتصر تعاملهم على العملتين الجزائرية والليبية لكن «حوانيت الصرف» في بن قردان تتم فيها عمليات بيع عدد كبير من العملات بداية بالدولار والاورو ووصولا إلى اليوان الصيني والليرة التركية...

فماهو تأثير إحداث مكاتب الصرف اليدوي للعملة الصعبة وهل ستمكن من تقليص حجم السوق الموازية للصرف؟

تمثّل السوق الموازية للعملة تحديا كبيرا للدولة ويتطلب الحد منها أو القضاء عليها إرادة حقيقية ووعيا بخطورة تداعياتها على الاقتصاد. أضف إلى ذلك وأمام انتشار التكنولوجيا فقد برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة متمثلة في شراء العملة الأجنبية عبر الأنترنت وهذه المبادلات تتم بعيدا عن مراقبة البنك المركزي التونسي مما يجعل من الصعب حصر حجم هذه الظاهرة.

وتسببت عمليات الصرف المتنامية خارج الأطر القانونية في تواصل انزلاق الدينار نحو مستويات متدنية وتاريخية لم يصلها سابقا.وتقدر عمليات البيع والشراء للعملات الأجنبيّة في تونس سنويا بـ600 مليون دولار بشكل رسمي لكن ما يقع تداوله في السوق السوداء يبلغ أضعاف ذلك بسبب تنامي ظاهرة الصرف خارج الأطر القانونية والتي تسببت في اختلال التوازن بين العرض والطلب .

معارضة البنوك

كما أن تقلص قيمة العملة الصعبة هو نتيجة مباشرة لتراجع الصادرات وتراجع مداخيل القطاع السياحي وكذلك تعطل صادرات الفسفاط وفي مقابل ذلك ارتفع الطلب على العملة الصعبة من قبل الشركات والأفراد لتغطية واردات السلع والمواد الغذائية وغيرها...وضمن هذا السياق يعتبر الطيب السويسي الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية التونسية للدفاع والحفاظ على المؤسسة أن الدولة أحكمت قبضتها على سوق الصرف كخيار اقتصادي في العقود الثلاثة الأخيرة وأخضعتها إلى رقابة صارمة من البنك المركزي وأحدثت لجنة التحاليل المالية صلب البنك مكلفة بهذا الغرض . واحتكرت البنوك التجارية عمليات الصرف رغم أن هذه العمليات ليست من دور البنوك لذلك تعارض اللوبيات البنكية بشدة إحداث مكاتب مقننة للصرف وهو ما اتّضح جليا عند المعارضة الشرسة لتمرير إحداثها قبل أن يتم الشروع في فتح هذه المكاتب مؤخرا. و أشار محدثنا إلى أن حجم العملة في السوق السوداء هو أضعاف ما هو موجود لدى البنوك خاصة لذلك فإن استقطاب السوق الموازية للعملة الصعبة وادماجها في النظام المالي الرسمي أصبح ضرورة قصوى بالنظر إلى تنامي هذه السوق بشكل متسارع في السنوات الأخيرة. حيث أصبحت هذه السوق نشيطة جدا في تونس وذلك من خلال تفعيل قانون سوق الصرافة الذي وقع تأجيله منذ سنة 2014. إضافة الى ذلك يجب العمل على حث البنوك على تفعيل خطوط التمويل الخارجية بشكل فعلي ومزيد ترشيد المصاريف بالنسبة الى تحويلات العملة الصعبة.

وفي ما يتعلق بالاجراءات المتعلقة بالتقليص من استعمالات الأرصدة الموجودة بالعملة الصعبة فستؤدي الى الحد من ديناميكية سوق الأجل الذي هو من ركائز السوق المالية في تونس وتقليص حجم التداول على سوق الصرف مباشرة وبالتالي يجب انتظار مدى تأثير هذا الاجراء على سعر الدينار. كما يقترح أن يتم الشروع في استعمال عملات أجنبية غير قابلة للتحويل وتعمل بصفة المقاصصة مثل الروبل الروسي الامر الذي قد يساعد كثيرا في تخفيف الضغط على احتياطي البلاد من العملة الصعبة خاصة وان السياح الروس اصبحوا يقبلون بشكل كبير على تونس في السنوات الاخيرة. ومن الأسباب الرئيسية لتنامي السوق السوداء للعملة تساهل جميع حكومات ما بعد الثورة مع هذه الظاهرة بذريعة أن التهريب يمثل مورد رزق آلاف العائلات. كما أن تطويقها يزداد صعوبة يوم بعد يوم لذلك يجب الإسراع في وضع استراتيجية ملائمة تسمح بإدماج هذا القطاع في الاقتصاد الحقيقي وطمانة الأشخاص الفاعلين فيه وتسهيل انتقالهم للاستثمار في الاقتصاد المنظم.

مافيا العملة

من جانبه شدد الخبير الجبائي لسعد الذوادي على أن السوق الموازية للصرف أصبحت ضخمة جدا ويقدر حجمها بين 48% إلى 50 % يقع تمويلها أساسا عبر العملة وبالتالي فان حجم السوق السوداء لدى الصرافة هو أضعاف ما هو موجود لدى البنوك وأكبر دليل على ذلك هو حجم السلع المتداولة في المناطق الحدودية.وتتحكم في هذه السوق مافيات معروفة سواء على المناطق الحدودية أو حتى في قلب العاصمة وإحداث مكاتب الصرف لن يغير شيئا من الوضع القائم وفق تقديره لان حجم الاخلالات أعمق وأكبر بكثير من مجرد مسكنات. ولتجاوز مرحلة التشخيص والمرور إلى الحلول العاجلة والواقعية لاستيعاب هذه السوق يجب تفعيل مكاتب الصرف وإحداث مناطق تجارة حرة تنحصر فيها مبادلات العملة إضافة إلى اقرار عفو الصرف عن المخلفات وهو ما من شأنه التأثير ايجابيا على مخزون البنوك من العملات الأجنبية لان المواطن البسيط سيلجأ إلى وضع ما لديه من عملة في البنوك دون خوف. يضاف إلى جميع هذه الحلول ضرورة ردع المخالفين وتطبيق ما ورد في مجلة الصرف بعد إقرار العفو عن المخلفات السابقة من خلال إحداث القطب القضائي الاقتصادي والمالي الذي سيمكن من ملاحقة مرتكبي مخالفات الصرف كجرائم مالية.

وأرجع لسعد الذوادي هذا الوضع إلى تساهل الحكومات المتعاقبة ومنها الحكومة الحالية مع المهربين خاصة وأن عدد «حوانيت الصرافة» كبير جدا وتجاوز 250 وهي منتصبة أمام البنوك في بنقردان بشكل علني وعلى مرأى من الجميع دون أي رادع قانوني. هذا ما توصلت إليه دراسة أشرف عليها أستاذ العلوم الاقتصادية محمد الهدار اواخر سنة 2013 وتضمنت أن التحويلات غير القانونية من العملة الصعبة في منطقة بن قردان ومدنين تتراوح بين 1 و3 مليون دينار في اليوم اي ما يعادل 750 مليون دينار في السنة . واستغرب عدم إدخال هذه الأموال في المنظومة التجارية الرسمية إلى غاية الآن رغم تسليط الضوء عليها من قبل الخبراء ووسائل الإعلام. أما سنة 2016 فليس من الممكن تقدير الحجم الحقيقي للقطاع الموازي لأنه في زيادة متواصلة.