الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الإدمان في صفوف التلاميذ

خطر يهدّد النّاشئة وغياب تام للإحاطة !!!


إعداد: صبرة الطرابلسي

 

بينت أحدث دراسة حول انتشار الكحول والتبغ والمخدرات لدى المراهقين في المؤسسات التربوية بولاية تونس أن أكثر من 22 بالمائة من إجمالي المراهقين التونسيين يدخنون و6 بالمائة منهم يقبلون على شرب الكحول فيما يتعاطى 1.4 بالمائة القنب الهندي أو ما يعرف"بالزطلة" وأكثر من 2 بالمائة منهم يستهلكون الأدوية الطبية المخصصة لمرضى الأعصاب دون وصفة طبية.<b/>

 

أرقام صادمة كشفتها اخر دراسة هي الدراسة الوطنية الأولى من نوعها التي قامت بها وزارة الصحة في هذا المجال وذلك بالتعاون مع شبكة التعاون في منطقة البحر المتوسط حول المخدرات والإدمان سنة 2014 لتدق ناقوس خطر محدق بصحة ومستقبل هذه الفئة الحساسة من المجتمع وتطرح نقاط استفهام حول العوامل التي ساهمت في تزايد عدد المدمنين من التلاميذ - خاصة بعد الثورة - لشتى أنواع السموم التي تدمر أجسامهم الغضة رويدا رويدا أمام شبه انعدام لمراكز الإحاطة ومعالجة الإدمان وتراجع الدور الرقابي للأسرة التي تظل مسؤولة على انحراف سلوك أبنائها فضلا عن نقص فادح في الدراسات الوطنية الخاصة بتشخيص واقع الإدمان في تونس لدى الشباب والمراهقين بصفة خاصة وعموم التونسيين بصفة عامة والتي من شأنها أن تشخص واقع هذه الظاهرة لإيجاد الحلول الملائمة للتخفيض من أعداد ضحايا الإدمان .

فما هي العوامل التي ساهمت في تزايد عدد التلاميذ المدمنين لشتى أنواع السموم بتفاوت خطورتها على صحتهم؟

وما هي أسباب النقص الملحوظ في الإحاطة بهذه الفئة والحلول الملائمة للحد من انتشارها ؟

حاولنا من خلال هذا التحقيق دراسة هذا الموضوع والبحث عن الحلول المتاحة لتطويق الظاهرة.

 

شباب في عمر الزهور يقبلون على شتى أنواع السموم التي يسرّبونها إلى أجسامهم اليافعة دون وعي منهم بخطورة هذا الأمر خاصة إذا تعلق الأمر بتعاطي مواد مخدرة على غرار القنب الهندي أو الأدوية المخصصة لطب الأعصاب دون وصفة الطبيب والتي يتناولها المراهق بهدف الانتشاء وهو يجهل عواقب هذا السلوك على صحته التي يفتح أمامها باب الدمار. أما عن التدخين أو شرب الخمر فهما الأكثر انتشارا في صفوف المراهقين إذ بينت الدراسة الميدانية حول انتشار واستهلاك الكحول والتبغ والمخدرات لدى المراهقين أن أغلب المستجوبين من المراهقين يرون أن استهلاك هذه المواد خاصة التبغ والكحول بشكل غير منتظم لا يمثل خطرا كبيرا على الصحة وأكثر من 10 بالمائة منهم مع فكرة شرب الخمر وأكثر من 15 بالمائة منهم مع الإقبال على التدخين و6.5 بالمائة مع تعاطي الزطلة.

 

ولئن تعكس هذه الأرقام التي تبقى تقديرية تزايد عدد الشباب المدمنين في تونس خاصة بالنسبة للتدخين فإن الأمر يمكن أن نلمسه بالعين المجردة أمام المعاهد أو بالمقاهي أو الفضاءات العامة حيث أصبح مشهد التدخين مألوفا، والأخطر من ذلك ان هذه الآفة أصبحت شيئا فشيئا تشمل أعمارا أصغر لأطفال دون سن العاشرة وهو أمر يبعث على الفزع والتساؤل عن دور العائلة وحتى المربي في مراقبة هذه الفئات الهشة التي تقبل على مثل هذه السموم من باب الاكتشاف أو التقليد وهم غير واعين بخطورة ما يأتون من سلوكيات قد تزج بهم في دوامة الإدمان و ربما تفتح لهم أبوابا لتعاطي مواد أكثر خطورة وفتكا بصحتهم ومنها المخدرات .

 

أحمد الرزقي تلميذ ذو 17 ربيعا يدرس بأحد معاهد العاصمة، حدثنا عن تجربته الخاصة مبينا أنه يدخن بصفة غير منتظمة وأن دافعه في ذلك التخلص من ضغوطات الدراسة، فقد كانت بدايتة مع أول سيجارة من باب الفضول والاكتشاف خاصة أن أغلب أصدقائه يدخنون مبينا أنه لم يدخل مرحلة الإدمان وهو يتعامل بوعي مع التدخين ولم يسبق له أن تعاطي أي نوع من المواد المخدرة ولا ينوي ذلك لأنه مدرك للخطر الذي تمثله على صحته وعلى مستقبله.

 

أما زميله أنيس عباسي فقد كان له رأي آخر حول الموضوع إذ أخبرنا أنه خلال العطلة الصيفية يتوجه رفقة أصدقائه من حين إلى آخر إلى الملاهي الليلية وهو يتناول الكحول في هذه السهرات من منطلق مشاركة رفاقه والخروج عن المألوف مضيفا أن بعض الشباب من رواد هذه الأماكن يتعاطون القنب الهندي لكن خلسة خوفا من أن تقع الوشاية بهم وتتبعهم عدليا مؤكدا أنه لم يتعاط غير الكحول أو السجائر ولا يرغب في الإقبال على المواد المخدرة نظرا لمخاطرها الصحية وإمكانية تعريض صاحبها للسجن .

 

وأشار أنيس أن التدخين لدى التلاميذ والمراهقين عامة أصبح أمرا مألوفا لاسيما بالنسبة للإناث اللاتي يدخن بالمقاهي ولم يعد أمرا محظورا بالنسبة إليهن ومنهن من يشربن الخمر خاصة خلال السهرات بالملاهي الليلية .

 

نقص الإحاطة

 

الإدمان لا يتعلق فقط بشتى أنواع المخدرات بل يتعلق كذلك بالتدخين وشرب الكحول حيث بينت الأرقام التقديرية تزايد انتشار هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة لاسيما في صفوف المراهقين الذين يمثلون الشريان الحيوي للمجتمع وذلك نتيجة عدة عوامل.

 

هذا ما أوضحه الدكتور نبيل بن صالح رئيس الجمعية التونسية لطب الإدمان مضيفا أن عوامل كثيرة ومتشابكة تساهم في دفع المراهق إلى الإدمان وتعاطي أنواع مختلفة من المواد التي تجعله أسير استهلاكها من ذلك الانقطاع المبكر عن الدراسة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والمحيط العائلي والاجتماعي إضافة إلى الجوانب النفسية المتعلقة بشخصية كل مراهق .

 

وبين في الإطار ذاته أن تزايد عدد المدمنين من المراهقين بصفة خاصة وعموم التونسيين عامة أصبح أمرا واقعا يجب تغيير التعامل معه من منطلق الإدانة والتجريم بل يجب طرح هذه الآفة على أنها مسألة صحة عمومية وتسخير الإمكانيات البشرية واللوجستية والمالية اللازمة لمكافحتها .

 

وأضاف محدثنا أن الإطار القانوني الحالي لا يساعد المدمن على الإقلاع عن تعاطي المواد المخدرة والإقبال على العلاج فهو يعطي فرصة وحيدة للعلاج حيث يجبر الطبيب على الإبلاغ عن المتعاطي مشيرا أن إدمان المواد المخدرة يعتبر مرضا ذو انتكاسات ذلك أن المدمن يمكن أن ينتكس وبالتالي لا يمكنه التوجه إلى العلاج مرة ثانية لأن مصيره سيكون السجن حسب القانون الحالي مضيفا أن هذا القانون يشجع بطريقة غير مباشرة استمرار المدمن في تعاطي المخدرات وعدم الإقبال على العلاج خاصة أمام انعدام مراكز العلاج وبين أن مشروع القانون عدد79 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة المخدرات سيساعد على إحداث مراكز مختصة لمعالجة الإدمان والسماح للخواص بإحداث هذه المراكز مشيرا إلى أن توجه مشروع القانون يتعاطى مع الإدمان كمرض مزمن يمس مراكز حيوية بالدماغ تستوجب رعاية طبية خاصة وضرورية إلى جانب الإحاطة النفسية .

 

إستراتيجية وطنية

 

هناك نقص ملحوظ على مستوى الإحصاءات والدراسات الوطنية المهتمة بآفة الإدمان بشكل عام لاسيما لدى فئة الشباب ذلك أن اخر دراسة وطنية تم إنجازها في هذا الإطار تعود إلى سنة 2013 وتم نشر نتائجها في 2014 فالإحصاءات والدراسات مهمة جدا في هذا الصدد لانها تساهم في مراقبة الوضع الوبائي في تونس.

 

هذا ما أكدته السيدة هاجر عون الله الشيخ السخيري مديرة المعهد الوطني للصحة مضيفة أن آفة إدمان المراهقين على التدخين والكحول والمواد المخدرة في تزايد حسب الأرقام التقديرية وسيتم الشروع قريبا في انجاز الدراسة الميدانية الثانية حول استهلاك التبغ والكحول والمواد المخدرة لدى المراهقين الذين يزاولون تعليمهم في إطار الشراكة مع شبكة "ماد نات " للتعاون في البحر الأبيض المتوسط حول المخدرات والإدمان مشيرة إلى أن الدراسة التي تم نشرها في 2014 بينت أن نسبة تعاطي مادة القنب الهندي لدى المراهقين تختلف بين الجهات إذ ترتفع بالعاصمة إلى 3بالمائة في حين لا يتجاوز 0.6 بالمائة بالوسط الشرقي والجنوب الغربي وهو ما يعكس أهمية المحيط الاجتماعي في انتشار الظاهرة من عدمه كما أن حوالي 18 بالمائة من المراهقين يتعاطون التدخين لأول مرة علما أن التدخين منتشر بأعداد كبيرة في صفوف الذكور أكثر من الإناث

 

وبينت محدثتنا أن واقع الإدمان في تونس لدى فئة المراهقين يستوجب تشخيصه بأكثر دقة بإنجاز دراسة وطنية في الغرض من أجل التعرف على مواطن الخلل وإرساء إستراتيجية وطنية للوقاية من الإدمان حتى يقع تطويق هذه الآفة المدمرة للشباب والتقليل قدر الإمكان من ضحاياها.

 

غياب المراكز المختصة

 

تزايد عدد المدمنين من سنة إلى أخرى أصبح واقعا يدق ناقوس الخطر خاصة أنه مع كل سنة تشمل هذه الآفة سن أصغر من السنة التي قبلها ليصل معدل أعمار المقبلين على التدخين بصفة خاصة لـ9 و 10سنوات وهو أمر خطير جدا يحتاج إلى تعامل جاد وحازم مع هذه الآفة التي تضرب أكثر الفئات حيوية .

 

هذا ما أكدته الدكتورة هيفاء زليلة وهي رئيسة قسم العيادات الخارجية والطب الاستعجالي بمستشفى الرازي مبينة أن الإدمان ظاهرة شائكة ومتعددة الجوانب وأن واقع اليوم في تونس يفرض ضرورة التعجيل بإرساء سياسة لمقاومة ترويج المواد المخدرة إضافة إلى ضرورة توفير الإحاطة النفسية في ظل عدم توفر العلاج حاليا أمام انعدام مراكز معالجة الإدمان فهناك أدوية خاصة بمعالجة الإدمان لكنها غير موجودة في تونس و أكدت محدثتنا أنه من الضروري الاشتغال على الجانب الوقائي الذي يظل مهما جدا للحد من عدد المدمنين فضلا على ضرورة تكوين إطارات طبية مختصة في طب الإدمان وهو ما يجري العمل عليه حاليا حيث تم بعث هذا التخصص الطبي بكلية الطب بتونس منذ أربع سنوات وتم تكوين إلى حد الآن 120طبيب مختص في الإدمان.

 

وأوضحت الدكتورة زليلة في السياق ذاته أن الإدمان يعتبر مرضا مزمنا ذا انتكاسات لذلك يجب أن تتوفر بالمؤسسات الإستشفائية العمومية مراكز لعلاج الإدمان سواء بالإيواء إذا استوجب الأمر ذلك أو توفير الإحاطة النفسية للمدمنين مضيفة أن الخط الأول للصحة العمومية

 

يجب أن يتوفر على خلية للتوقي من الإدمان وتوجيه المعنيين للمراكز المعنية حسب درجة الخطورة.

 

تقليد

 

للارتفاع الملحوظ في أعداد المدخنين من المراهقين ومستعملي الأشكال الأخرى للإدمان الأكثر خطورة على غرار الكحول والمواد المخدرة، أسباب متعددة منها التقليد وهو ما يفسر في علم الاجتماع بنظرية المحاكاة والتقليد حيث يكون التقليد للظواهر الاجتماعية ايجابيا أو سلبيا ليتم تداول هذا السلوك في غياب العائلة التي لم تعد تلعب ذلك الدور الرقابي بالقدر الكافي نظرا للتفكك الأسري الذي نعيشه اليوم .

 

هذا ما أوضحه أستاذ علم الاجتماع سامي نصر مضيفا أن شبه القطيعة بين الأبناء وأوليائهم بسبب انشغالهم بالعمل طوال اليوم دفعت المراهقين إلى البحث عما يسمى بالمجموعات المتفرقة. وبين في السياق ذاته أن من دوافع الإدمان لدى المراهقين تحقيق الاستقلالية فالتدخين وربما شرب الكحول يمثل بالنسبة إليهم شكلا من أشكال فرض الذات والتعبير عن الاستقلالية في غياب للقدوة سواء في الأسرة أو في المحيط المضيق بالحي فقد كان في السابق ظهور هذه السلوكيات محل استنكار اجتماعي كما يسميه "دوركايم" وهو يلعب أحيانا دورا أقوى من القانون في الردع فقد كان في السابق ما يسمى بـ"كبير الحومة" يمارس سلطة معنوية تجعل المراهق يهابه ولا يأتي سلوكا يمكن أن يعرضه للاستنكار لكن للأسف ما نلاحظه اليوم أن المجتمع أصبح أكثر تقبلا واستساغة لمثل هذه الظواهر وكأنها أمرا عاديا.

 

وبين الأستاذ سامي أن الإشكال في الإدمان يكمن في التجربة الأولى التي يخوضها المراهق من منطلق الاكتشاف ليجد نفسه بعد ذلك منساقا وراء التيار دون إرادة خاصة أن شبكات الترويج للمواد المخدرة تستغل النفسية الهشة لهذه الفئة وتدفع بهم إلى هاوية الاستهلاك ثم الإدمان.

 

وأبرز محدثنا أن هناك وسائل عديدة يمكن أن تكافح ظاهرة الإدمان لدى المراهق منها رصد مثل هذه الظواهر التي تعتبر بمثابة المحرار الذي يقيس مدى انتشارها والملاحظ أن تونس كانت سباقة في إنشاء مرصد لرصد سلوك الطفل أمام المدارس سنة 2005 لتكون بلادنا ثالث دولة في العالم لها مثل هذا المرصد لكن مع الأسف لم يقع استثمار المعطيات التي يقوم بإعدادها بما يمكن أن يساهم في إيجاد حلول للحد من انتشار الإدمان في صفوف المراهقين إلى جانب دور الإعلام الذي لا يقل أهمية فغياب ما يسمى بالإعلام الخاص بأخبار الجريمة والانحراف الذي يخضع بث الأخبار الخاصة بقضايا الإدمان لضوابط معينة جعل منه أحيانا وربما دون قصد وسيلة لترويج أفكار خاصة بالإدمان لا سيما تلك المشاهد التي ترد علينا من خلال الأعمال الدرامية التي لها وقع خطير على المراهق فهو يرى في أبطال الدراما قدوة تجعله يقلد سلوكهم وهنا تكمن الخطورة خاصة في غياب الرقابة .

 

وأشار محدثنا أن مجتمعات ما بعد الثورة تكون عادة فاقدة للمناعة الاجتماعية لذلك يكون معدل انتشار الجريمة داخلها أسهل، فالتونسي لم يستوعب بعد التغييرات التي طرأت عليه بعد الثورة وهذا غالبا ما يكون له وقع خطير على مستقبل المجتمع .

 

وفيما يخص الحلول يرى الأستاذ سامي نصر أنه يجب أن تسترجع الأسرة دورها الرقابي والريادي إلى جانب الدور الهام للمربي الذي يجب أن تكون له سلطة معنوية على التلاميذ لتوعيتهم وردعهم لان التلميذ اليوم يقضي مع المربي وقتا أطول مما يقضيه مع أسرته لذلك يلعب هذا الأخير دورا هاما في التأثير وتوجيه سلوك التلميذ.

 

وأكد الأستاذ سامي أن ما نحتاجه اليوم هو ثورة ثقافية لتغيير العقليات والمظاهر السلبية بمجتمعنا أكثر من حاجتنا للقوانين.

 

إن تزايد عدد ضحايا الإدمان في صفوف المراهقين - وهي الفئة الحيوية التي تمثل مستقبل البلاد- يعدّ مؤشرا مخيفا إلى حد الفزع يستوجب الإسراع بإيجاد الحلول الملائمة له للحد قدر الإمكان من انتشار هذه الظاهرة وتوفير مراكز العلاج المفقودة حاليا إلى جانب إيلاء الجانب الوقائي الأهمية التي يستحقها.