الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



التونسي في ظل ارتفاع الأسعار واهتراء المقدرة الشرائية

الاقتراض..أو الانقراض..!!


اعداد: سميحة الهلالي

مازالت معاناة المواطن من ارتفاع الاسعار متواصلة امام اهتراء مقدرته الشرائية وتواتر المواسم الاستهلاكية، معاناة تعكس فشل الدولة الذريع في السيطرة على السوق الموازية التي مكنت المضاربين من التحكم في الاسعار دون حسيب ولا رقيب ويبقى المواطن الحلقة الاضعف الذي يدفع فاتورة غلاء الاسعار ولايجد له من مخرج من هذا الوضع الصعب والمخيف سوى الدخول في دوامة التداين ليحاول بذلك مجابهة مصاريف الموسم الدراسي لأنه وكما هو معروف في مجتمعنا فإنّ الدراسة تبقى من اوكد الاولويات لدى العائلات التونسية التي تستثمر في هذا المجال في ظل عجز حكومي واضح عن ايجاد مخرج حقيقي وناجع للمواطن من ارتفاع الاسعار الذي بات يكبله تكبيلا لا مثيل له وغير مسبوق ويبدو ان التمشي بهذا النسق السريع نهايته طريق مسدودة لا خلاص منها الا بالحلول العملية الملموسة لوضع حد للاستهتار بقوت المواطن والاستهانة بصبره الذي قد ينقلب الى غضب لا تحمد عقباه .

ان ما تمر به العائلات التونسية اليوم يعد وضعا كارثيا بامتياز وهو نتاج لفشل ذريع للحكومات المتعاقبة التي كبلت المواطن وادت به الى طريق مسدودة ولم يعد قادرا على تامين قوته اليومي واصبح مهددا في امنه الغذائي فعديد العائلات اصبحت مفقرة وغير قادرة على تامين قوت يوم واحد. فلقد انسدت الافاق امام المواطن الذي اصبح يوفر قوته اليومي بصعوبة.

وضع كارثي...

حالة الاختناق بالأسعار وغلاء المعيشة ألقت بظلالها على السواد الاعظم من المواطنين واربكت موازين عديد العائلات التي استوفت حقها في التداين من البنوك ولم تعد قادرة على الاقتراض وفي الان نفسه إلتهم «الروج» المدخول الشهري لعديد الموظفين فما بالك بتلك العائلات المفقرة والمهمشة وبالمعطلين عن العمل لقد استوى الجميع واكتوى بنار ارتفاع الاسعار دون ان ننسى ذكر تلك العائلات التي اصبحت تسترزق من القمامات ...في الوقت الذي تنعم فيه فئة بعينها برغد العيش و بالرخاء ولا همّ لها سوى مزيد تقلد المناصب .لقد عبر عدد كبير من المواطنين عن غضبهم من الوضع الكارثي الذي يعانون منه من الارتفاع المدوي لأسعار العديد من المنتوجات على اختلافها و عن غضبهم من الصمت المريب للحكومة عن ايجاد حل حقيقي للحد من نزيف ارتفاع الاسعار و وضع حد لتغول السوق الموازية.

التوريد العشوائي

السيد أكرم الباروني الممثل القانوني لمنظمة الدفاع عن المستهلك أكد أن الأمن الغذائي للمواطن اليوم يعرف عديد الاشكاليات فلقد فقد المواطن التقاليد الغذائية الضرورية التي تتماشى والمقاييس الصحية نظرا للظروف المادية الصعبة التي تعرفها الأغلبية الساحقة من العائلات التونسية التي تمنعها من توفير أكلة غذائية متكاملة مما أدى إلى تغير النمط الاستهلاكي للمواطن ونمط حياته.كما عرج محدثنا على استيراد البلاد لمواد غذائية لا تتوفر فيها ابسط شروط الصحة أمام غياب استراتيجية وبرامج واضحة لدعم المنتوج الوطني ودعا إلى ضرورة الابتعاد عن التوريد العشوائي. وأكد أن غلاء أسعار المواد الغذائية وتدهور المقدرة الشرائية للمواطن لا يمكن تجاوزها إلا بإيجاد حلول جذرية ترافق مرحلة الزراعة والإنتاج.

ان ارتفاع الاسعار اصبح يمثل كابوسا حقيقيا يعاني منه المواطن الذي لم يعد قادرا على مجابهة المصاريف اليومية البسيطة لتامين حياة كريمة كما ان الوضع الصعب للمواطن اليوم تعكسه المؤشرات والارقام التي ابرزت مؤخرا عزوفه عن عديد المناسبات وهو عزوف اجباري نتيجة الوضع المادي الصعب التي تمر به عديد العائلات. كما ان ارتفاع الاسعار هو معضلة يعاني منها المستهلك بصفة متواصلة لذلك فمن الضروري ان يكون للدولة جهاز رقابة قوي وقوانين ردعية تطبق على كل المخالفين وكل من يرتكبون تجاوزات على غرار الانفلات الكبير في الاسعار وعدم وضع لافتات الاسعار وغيرها من التجاوزات الاخرى التي تعكس عدم الإحساس بالمسؤولية من قبل بعض التجار.

غياب خطة وطنية

بالنسبة للأمن الغذائي لا ينفصل على الوضع الاقتصادي ببلادنا، ذلك ما عبر عنه الخبير الاقتصادي صادق جبنون مبينا أن اقتصاد بلادنا هو اقتصاد ندرة وقيمة مضافة ضعيفة وهو ما ينعكس رأسا في القطاع الفلاحي التونسي اليوم الذي لا يحظى بدعم مادي مباشر هام ويعاني من ارتفاع كلفة المحروقات وضعف جودة البذور المورّدة وذلك لغياب خطة وطنية للحفاظ على رأس المال النباتي في تونس واستعمال المشاتل المحلية وهو ما أعطى نسب إنتاج ضعيفة للغاية في قطاعات مثل الحبوب وجودة ضعيفة في القطاعات الفلاحية الأخرى التي بقيت رهينة الشركات متعددة الجنسيات التي تصدّر الى تونس وعديد دول العالم بذورا ذات استعمال وحيد وتكون احيانا ذات جودة متدنية، كل هذه العناصر انعكست على قيمة المنتوج الفلاحي من حيث الجودة والكمية.

ويضيف محدثنا ان الفلاح التونسي لا يستفيد من الأسعار المشطة التي يمارسها الوسطاء والباعة على حساب المواطن خاصة الطبقات الوسطى والضعيفة فلا الفلاح يتحصل على سعر مجز لإنتاجه ولا المواطن يجد وفرة في المنتوج وأسعار مناسبة وهذه هي معضلة مسالك التوزيع والتي بقيت قائمة إلى الآن ومنذ عشرات السنين.

فالإنتاج الفلاحي هو أساس الأمن الغذائي ووفرته تؤدي إلى اعتدال السوق بصفة آلية في ظروف تتوفر فيها الرقابة الإدارية الفعالة والناجعة للأسعار وفي تونس أصبح الآن من الضروري توجيه الدعم مباشرة للفلاح والحد من السعر الأقصى المسموح به في المواد الفلاحية والغذائية فقاعدة حرية الأسعار لابد أن تجد لها استثناءات بتحديد هامش الربح الأقصى المسموح به على الأقل في المواد الغذائية والفلاحية.

سياسة وخيارات الحكومة

ان الوضع الصعب الذي يمر به المواطن اليوم تتحمل مسؤوليته الحكومة باعتبارها المسؤول الاول عن ارتفاع الاسعار خاصة وانها هي من وضعت السياسات المالية وهي التي حررت الاسعار وفتحت السوق على مصراعيها وهي التي ساهمت في اغراق السوق بالمواد الموردة و ساهمت في اختلال الميزان التجاري اضافة الى تهاوي الدينار التونسي كلها عوامل تؤدي الى ارتفاع الاسعار اضافة الى عوامل اخرىعلى غرار تعطل الانتاج واستقرار نسبة كبيرة من اجور الموظفين على الحال نفسه جعل المواطن غير قادر على مجابهة متطلبات الحياة اليومية.فلم يعد قادرا على شراء «الدجاج» فما بالك ببقية المنتوجات . انها سياسة وخيارات الحكومة الخاضعة لإملاءات صندوق النقد الدولي التي تطبقها بحذافيرها .كما ان الحكومة الحالية كما الحكومات السابقة وحتى الحكومات اللاحقة ان لم تحافظ على السيادة الوطنية ولم تراجع خياراتها وسياساتها المعتمدة التي تراعي فيها مصالحها الضيقة وتبحث فيها على المحافظة على الاوساط المالية والعلاقات الدولية التي تمولها لا يمكنها ان تخدم مصلحة الوطن والمواطن. لقد اهترأت المقدرة الشرائية نتيجة ارتفاع الاسعار وتآكلت الطبقة الوسطى وانتجت شرائح موسعة من المفقّرين (اساتذة جامعيين واطباء ....).