الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



حوادث الشغل في تونس

هل يتمّ الحدّ من كلفتها البشرية والاقتصادية الباهظة ؟



إعداد: شكري بن منصور

يتطلب تحسين مناخ الأعمال و تحسين الإنتاجية ومردودية وكفاءة اليد العاملة التونسية العمل على الحد من حوادث الشغل التي ارتفعت كثيرا في السنوات الأخيرة حيث تفيد إحدى الإحصائيات أن بلادنا تسجل حادث شغل كل أربع دقائق...

و رغم أن عدد حوادث الشغل القاتلة تراجع سنة 2016 بنسبة 18.3 بالمائة ليبلغ 98 حادثا مقابل 120 حادث خلال نفس الفترة من سنة 2015 منها 63 حادثا قاتلا في مكان العمل و35 في الطريق إلا أن المعدل الوطني يبقى مرتفعا ويحتاج إلى إجراءات عديدة للحد منه.

و تتعدد أسباب حوادث الشغل في تونس وتشمل جميع القطاعات والأنشطة الاقتصادية ومن أهم أسبابها سقوط العمال من المناطق المرتفعة خاصة في المصانع وحظائر البناء يليها التعرض إلى التيار الكهربائي حسب معطيات الصندوق الوطني للتأمين على المرض.

وترتفع نسبة الحوادث في قطاعات البناء والصناعات الكيميائية والصناعات الغذائية والنسيج والملابس مسجلة ما بين 8 و 9 بالمائة من المجموع العام للحوادث بينما يمثل القطاع الفلاحي أقل القطاعات تسجيلا لحوادث الشغل بمعدل أقل بكثير من المعدل الوطني حيث تبلغ نسبة الحوادث القاتلة والخطيرة في أماكن العمل 10% في القطاع الفلاحي والصيد البحري.

ويطرح هذا الوضع ضرورة العمل على الاهتمام أكثر بمجال الصحة والسلامة المهنية في حظائر البناء والأشغال العمومية للحد من هذه الظاهرة إضافة إلى تشجيع المؤسسات على الاهتمام أكثر بعنصر الوقاية من خلال الحوافز والتشجيعات على غرار ما قام به الصندوق الوطني للتأمين على المرض بالتخفيض في نسب الاشتراكات بنظام حوادث الشغل والأمراض المهنية مما مكن هذه المؤسسات من توفير 1.4 مليون دينار سنويا، إضافة إلى تسهيل إجراءات القروض ومنح الاستثمار لتمويل مشاريع في مجال الصحة والسلامة المهنية التي تهدف إلى تحسين ظروف العمل داخل المؤسسات .

فما هي سبل الحد من حوادث الشغل و كيف سيساهم ذلك في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي في بلادنا؟

تعتبر إصابات الشغل والأمراض المهنية التي تصيب العمال بالعجز الكلي أو الجزئي وحالات الوفاة الناجمة عن حوادث الشغل المختلفة نتائج مباشرة لظروف العمل الخطرة التي افتقرت لشروط السلامة والصحة المهنية. و يشمل الحادث أي تعرض لمخاطر طبيعية أو ميكانيكية أو كيميائية أو إجهاد حاد و غير ذلك من المخاطر التي قد تؤدي إلى الوفاة أو الإصابة البدنية أو المرض الحاد للعامل المصاب. و قد يؤدي الحادث إلى أضرار و تلف بالمنشأة أو وسائل الإنتاج دون إصابة أحد من العاملين أو قد يؤدي إلى إصابة عامل أو أكثر بالإضافة إلى تلف بالمنشأة وبوسائل الإنتاج.

 

أيام عمل ضائعة

وتفيد المعطيات الخاصة بالصندوق الوطني للتأمين على المرض أن حوادث الشغل تسببت سنة 2015 في ضياع نحو مليون يوم عمل في حيث وقع تسجيل أكثر من 40 ألف حادث.

وفي هذا السياق أكد لطفي محجوب مدير تفقدية الشغل والسلامة المهنية أن التفقدية تسعى إلى الحيلولة دون حصول أضرار بالعامل بشكل خاص والمؤسسة بشكل عام وذلك من خلال تطبيق المؤسسات لقواعد وضوابط السلامة المهنية من خلال عمليات المراقبة والزيارات الميدانية. ويوجد نوعان من وسائل الوقاية: منهما الجماعية التي تشمل وسائل الإنتاج وواقيات آلات العمل والتهوئة الكافية لمكان العمل والنظافة... و الوقاية الفردية المتمثلة في وسائل حماية العامل (قناع و قفازات وغيرها).. و شدد لطفي محجوب على أن القطاعات التي تسجل حوادث شغل قاتلة أو خطيرة هي البناء والأشغال العامة نظرا لضعف الالتزام بوسائل الوقاية في عدد كبير من الحظائر مما ينجر عنه وقوع عدد كبير من الحوادث وأهمها السقوط من أعلى البنايات. و بما أن قطاع البناء لا يزال غير مهيكل ولا يستجيب في أغلبه إلى معايير السلامة فإنه يبقى أكثر القطاعات عرضة لحوادث الشغل القاتلة.

وللحد من ذلك أوضح محدثنا أن تفقدية الشغل تعمل على توعية العمال وأرباب الأعمال بأهمية الوقاية من الحوادث في أماكن العمل وفي صورة عدم الالتزام يتم المرور إلى مرحلة الزجر من خلال المحاضر .

 

كلفة بشرية واقتصادية باهظة

واعتبر لطفي محجوب أن الكلفة التي تتسبب فيها حوادث الشغل باهظة جدا نظرا لأنها ترتبط بالثروة البشرية والرأسمال البشري وهي تنقسم إلى نوعين: كلفة مباشرة متمثلة في مصاريف علاج الضحية وفي حالة الوفاة تعويضات للأهل وما إلى ذلك من تأثيرات اجتماعية سلبية على العائلة والمحيط .. أما الكلفة غير المباشرة لحوادث الشغل فتتمثل في خسارة الخبرات والتأخير في تسليم الطلبيات وتعطل العمل وهي كلفة اقتصادية كبيرة تقدر بالملايين. إضافة إلى ذلك تؤدي الحوادث إلى زيادة العبء الاجتماعي على الدولة و الصناديق الاجتماعية من خلال تحول عنصر عامل إلى عاجز عن العمل في حاجة إلى جراية شهرية. و هذا العبء ستتحمله الصناديق الاجتماعية التي تشكو أصلا من أعباء مالية ضخمة وصلت إلى مرحلة العجز الهيكلي وهو ما سيعمق من وضعها المتدهور.

وفي ذات الإطار أظهرت عديد الدراسات أن الاستثمار في الوقاية من حوادث الشغل له عوائد مالية هامة على المدى الطويل للمؤسسة والاقتصاد عموما من ذلك أن كل دولار يقع استثماره في الوقاية يحقق أرباحا تتراوح بين 5 و6 دولارات خلال سنوات سواء على مستوى تراجع الكلفة الاجتماعية ( الضمان الاجتماعي) أو تأثيره الايجابي على تحسين الإنتاجية ومردودية وكفاءة اليد العاملة.

وتميزت السنوات الخمس الأخير بتراجع عدد حوادث الشغل في أماكن العمل إلى مستوى 16 إلى 17 حادث لكل ألف عامل وهو رقم ضعيف بحسب محدثنا بعد أن كنا نسجل بين 20 و 25 حادث شغل أي أن مؤشر التواتر لكل ألف عامل في تراجع مستمر حسب تعبيره. و ختم بالقول أن تونس ليست من ضمن البلدان الأكثر تسجيلا لحوادث الشغل في العالم وهي قريبة من المعدل العالمي.

 

خارطة وطنية للأخطار المهنية

ونظرا لأهمية ملف حوادث الشغل تعكف وزارة التشغيل ووزارة الشؤون الاجتماعية بالتنسيق مع تفقدية الشغل حاليا على إعداد إستراتيجية وطنية للوقاية من الأخطار المهنية ستشمل جميع الأطراف من عمال ونقابات و أرباب عمل إضافة إلى الدولة وستقوم هاته الإستراتيجية على نظرة تشاركية تلزم الجميع بتحسين ظروف العمل داخل المؤسسة بما يمكن من الرفع من الإنتاجية وتحسين مناخ الأعمال...

كما أكد لطفي محجوب أن تفقدية الشغل تعمل إلى جانب ذلك على وضع خارطة وطنية للأخطار المهنية لتكون تونس أول بلد عربي وإفريقي يتخذ هذا الإجراء وهو ما يعكس الأهمية القصوى التي تحظى بها صحة العامل في بلادنا وستمكن هذه الخارطة من تحديد الأولويات في هذا المجال والقطاعات ذات الأولية وكذلك الجهات المستحقة للتدخل.

وفي هذا الإطار شرعت وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية منذ شهر جوان الماضي في تنظيم حملات للمراقبة المستمرة لحظائر البناء والأشغال العمومية للتثبت من مدى احترام المقاولات لمقتضيات السلامة المهنية وتوفر العدد المستوجب من الأعوان. وستتخذ الوزارة الإجراءات اللازمة ضد المخالفين. تم ذلك على اثر إصدار منشور ينص على ضرورة توفر العدد المستوجب من الأعوان بحظائر البناء والأشغال العمومية ومدى التزامها بشروط السلامة والوقاية من الحوادث والتحذير من أنه في حال عدم احترام هذه المقتضيات يمكن إيقاف الأشغال الخاصة بالحظيرة المعنية.هذه الإجراءات الحازمة من شأنها الحد من العديد من الاخلالات الحاصلة في حظائر البناء والأشغال العمومية التي لا يتوفر بها العدد المطلوب من الأعوان والعملة مقارنة مع ما هو مستوجب حسب ما ينص عليه عقد الصفقة لانجاز المشروع.

كما شدد لطفي محجوب على أن المسؤولية لا تشمل المشغل فقط بل كذلك العديد من العمال الذين لا يتقيدون بشروط السلامة والوقاية من الحوادث وفق ما ينص عليه كراس الشروط وخاصة في ما يتعلق بارتداء الملابس الواقية.

وبقدر ما يتم تحسين ظروف العمل من خلال احترام معايير السلامة والحفاظ على صحة العامل بقدر ما يتحسن الأداء والمردودية والاقتصاد ككل. هذا ما أكده الحبيب النوايقي المدير العام لمعهد الصحة والسلامة المهنية موضحا أن الوقاية من حوادث الشغل لها دور هام في المحافظة على العامل و زيادة الإنتاج وبالتالي تمثل حافزا مهما لتحقيق التنمية الشاملة للاقتصاد التونسي من خلال إعطاء العامل القيمة التي يستحقها وأوضح أن الأمراض المهنية التي تصيب العمال في تونس تتمثل في ثلثيها في الاعتلال العظمي وتشمل قطاعات الإلكترونيك والنسيج والأحذية والمواد الغذائية إضافة إلى أمراض أخرى بدرجة أقل .

و يمكن القول أن تصنيف تونس في مجال معدل حوادث الشغل يتموقع في وسط الجدول أي أنها أفضل من عديد البلدان خاصة منها العربية لكن تبقى الريادة في هذا المجال للبلدان الأوروبية خاصة ألمانيا رغم أن تونس تحتل مرتبة أفضل من بعض البلدان الأوروبية الأخرى..

ويرى محدثنا أن الطموح بمنع وقوع حوادث على الإطلاق ليس محض خيال بل أمر ممكن وخير دليل على ذلك تراجع عدد حوادث الشغل في تونس خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ وانخفاض عدد الحوادث التي تم الإبلاغ عنها إلى مستويات متدنية في السنوات العشرين الماضية.ويبرز مؤشر التواتر في تونس أن عدد حوادث الشغل لكل ألف عامل تراجع خلال السنوات الأخيرة على النحو التـالي: 30,5 (سنة 2011 ) 29,7 (سنة 2012 ) 24,6 (سنة 2013 ) 24,3 (سنة 2014 ) و 20 (سنة 2015) ...سجلت فرنسا سنة 2014-2015 وقوع 34 حادث لكل ألف عامل بينما في ألمانيا 24 حادثا لكل ألف عامل في نفس الفترة أي أنه يمكن القول أن معدل الحوادث المسجل في تونس يعتبر مقبولا مقارنة بالبلدان الأوروبية لكن يجب العمل على مزيد الحد من حوادث الشغل نظرا لأنها تتسبب بشكل مباشر في خسائر بشرية كما وقع الإشارة إليه سابقا.

كما شدد المدير العام لمعهد الصحة والسلامة المهنية على أن الحد من عدد حوادث الشغل يتطلب معالجة عديد النقائص أهمها ضرورة تحسين وتحيين الإطار التشريعي والقانوني بما يمكن من تحسين فاعلية عملية الوقاية من الحوادث وكذلك إرساء آليات للمراقبة الخاصة على مستوى بعض الأنشطة والمهن مضيفا بالقول «أنه حان الوقت لتقييم و حوكمة مجال الوقاية من حوادث الشغل سواء في القطاع العام أو الخاص» .

وتفيد المعطيات المتعلقة بتوزيع حوادث الشغل حسب الجهات في تونس أن صفاقس تستأثر بالنصيب الأكبر من عـدد حـوادث بنسبـة تقدر بـ 18% من المجموع الجملي لحوادث الشغل على اعتبار أن هذه الولاية تمثل قطبا صناعيا وتجاريا كبيرا تليها ولاية بن عروس بنسبة 12 % وسوسة بنسبة 10 % وتونس العاصمة بنسبة 9،8% و المنستير بنسبة 9.2 %.

وأضاف أن التدابير الوقائية في إطار حفز المؤسسات على الاستثمار في برامج الوقاية والسلامة المهنية مكنت حوالي 50 مؤسسة من التخفيض في نسبة مساهماتها في نظام حوادث الشغل والأمراض المهنية بنسب تتراوح بين 0.4 و4 بالمائة، بما مكنها من ربح حوالي 1.5 مليون دينار من اجل إعادة استثمار هذا المبلغ في برامج الوقاية من الأخطار المهنية وحوادث الشغل. كما منح الصندوق موفى العام الماضي قروضا بقيمة 480 ألف دينار لفائدة 3 مؤسسات لتحسين ظروف العمل للعمال بطرق ميسرة، من خلال الانتفاع بقرض بنسبة فائدة تصل إلى 5 % ويسترجع على 10 سنوات مع فترة إمهال بـ 3 سنوات ومنحة بـ 25 % من قيمة المشروع لتصل مجموع المنح مع موفى السنة الماضية 120 ألف دينار لمؤسسات للاستثمار في برامج الوقاية.

وتقدر إحصائيات منظمة العمل الدولية أن 2.3 مليون شخص في العالم يموتون سنويا جراء أمراض وحوادث مهنية إضافة إلى وقوع 860 ألف حادث مهني يوميا تنتج عنه إصابات. وتقدَّر التكلفة المباشرة وغير المباشرة للأمراض والحوادث المهنية في العمل بـِ 2.8 تريليون دولار في العالم. وفي تونس تبرز إحدى الدراسات أن بلادنا تسجل حادثا مهنيا قاتلا كل يومين أي أن الحوادث المهنية الخطيرة أصبحت تكلف الاقتصاد والمجتمع ثمناً باهظاً. وبما أن الحصول على بيئة عمل آمنة وصحية حقٌ من حقوق الإنسان الأساسية فان احترام هذا الحق على مستويات التنمية كافةً وفي مختلف الظروف الاقتصادية واجبٌ وشرطٌ لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة والوقاية ممكنةٌ وضروريةٌ ومفيدة. كما أن الاستثمار في الوقاية من المخاطر له فوائد اجتماعية واقتصادية عديدة حيث أن متوسط العائد على الاستثمار في الوقاية يبلغ ضعفي المبلغ المستثمَر.