الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



قانون «من أين لك هذا؟»

هل ينجح في مكافحة الإثراء غير المشروع؟



إعداد : شكري بن منصور

شرعت لجنة التشريع العام هذا الأسبوع في مناقشة مشروع القانون المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح في القطاع العام. وتحظى هذه المناقشات باهتمام كبير داخل الأوساط السياسية والمجتمع المدني نظرا لتزامنها مع تداول صورة لوزيرة الشباب والرياضة وهي ترتدي ساعة يدوية فاخرة يتجاوز سعرها الـ 10 آلاف يورو (أي ما يعادل 30 ألف دينار) مما أدى إلى بروز عديد المطالبات للوزيرة بالكشف عن مصدر هذه الساعة بكل شفافية.

حيث طالبت عديد الجمعيات الوزيرة بتقديم مجموعة من التوضيحات حول القيمة المالية للساعة. وبلغ هذا الجدل الرئيس الأول لدائرة المحاسبات نجيب القطاري الذي أكد أن دائرة المحاسبات لا تراقب المسائل المتعلقة بالحياة الشخصية للمسؤولين في الحكومة لكن القضاء العدلي هو المخول لذلك، مؤكدا أن كل عضو حكومي مطالب بالتصريح بالمكاسب و بمصادر أمواله.

ولا تقتصر هذه المطالب على السياسيين فحسب بل تشمل كذلك المسؤولين في مختلف الإدارات العمومية و من يشتبه في ان تجارتهم ترتكز على التهريب ممن ألحقوا أضرارا كبيرة بالاقتصاد الوطني فضلا عن بعض الاعلاميين.

فما هي أهمية قانون مكافحة الاستثراء غير المشروع وما هو تأثيره على مكافحة مظاهر الرشوة و الفساد ؟

 

تطرح ظاهرة ارتفاع عدد الأثرياء في تونس بعد الثورة عديد التساؤلات حول مصادر الأموال ومدى قدرة الدولة على مساءلة أصحابها ومحاسبتهم. . ففي السنوات الأخيرة برزت طبقة جديدة في المجتمع ذات ثراء فاحش و مجهول المصدر وأصبح من الرائج رؤية سيارات فارهة باهظة الثمن تجوب الشوارع لا يوجد لها مثيل إلا في أوروبا أو دول الخليج إلى جانب الإقبال الكبير على شراء العقارات في أرقى الأحياء في العاصمة وضواحيها بأسعار مرتفعة في الوقت الذي تشهد فيه البلاد أزمة اقتصاديّة وماليّة حادة، علاوة على توسع الفوارق الاجتماعية وتراجع المقدرة الشرائيّة للمواطن. و يجمع العارفون بواقع المجتمع التونسي على أن الأثرياء الجدد هم أساسا تجار التهريب وتبييض الأموال إلى حد تنامت فيه المخاوف من أن يصبح المجتمع التونسي نسخة جديدة عن المجتمع الإيطالي الذي تسيطر عليه المافيات.

من أين لك هذا؟

وتشير التقارير إلى أن عدد الأثرياء في تونس ارتفع بنسبة 16،2% بعد سنتين من سقوط النظام السابق ليبلغ عدد الأثرياء التونسيين الذين يملكون ثروات تفوق المليارات 70 شخصا، تقدر ثروتهم معا بـتسعة مليار دولار (18مليار دينار تونسي)، أي ما يعادل257 مليون دينار للشخص الواحد ما جعل تونس تحتل المرتبة السابعة من حيث مجموع الأثرياء في القارة الافريقية. وحسب مؤسسة «ويلث إكس» السنغافورية المتخصصة في جمع المعلومات حول أثرياء العالم وتوزيع الثروة فإنّ 25 مهربا يتصدرون قائمة أثرياء البلاد. كما أن تونس تحتل المركز الأوّل في المغرب العربي في قائمة أصحاب الثروات التي تتجاوز قيمتها 58 مليون دينار.

وضمن هذا الإطار يرى إبراهيم الميساوي رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد أن قانون «من أين لك هذا؟» أصبح ضرورة ملحة في تونس بعد ما أصبحت مظاهر الثراء واضحة وجلية على عديد السياسيين و المسؤولين الإداريين في أسلاك عديدة مثل الديوانة دون معرفة مصادر هذه الأموال. ففي السابق كان واجب إثبات مصدر الثروة من مشمولات القضاء لكن بمقتضى القانون الجديد ستصبح هذه المهمة موكولة على عاتق المعني بالمساءلة وهذا تحول هام من حيث الشكل . وإضافة إلى ذلك تم حصر قائمة المعنيين بالمساءلة في 40 صنف أو أقل وكان من الأجدى أن تشمل جميع الشرائح الاجتماعية والمهنية لان تعميم المسائلة ضروري ودون استثناء. وعلى سبيل المثال هناك مهربون لا يتجاوز أعمارهم 20 سنة لديهم تحويلات بنكية كبيرة وعند إحالتهم على القضاء يرافع عليهم عدد كبير من المحامين ولا تتم إدانتهم !!!

لذلك و لإضفاء أكثر نجاعة على القانون المقترح لا بد من تعميم المساءلة وعدم الاقتصار على المسؤولين فقط خاصة وأن تونس سجلت طفرة كبيرة جدا في عدد الأثرياء منذ الثورة حتى أن بلادنا أصبحت تصنف في التقارير الدولية ضمن الجنات الضريبية. كما أن العقوبات التي تضمنها القانون أقل ما يقال عنها أنها مضحكة شبيهة بمحاضر الصلح مع الديوانة وهي عقوبات دون معايير وغير جدية و بالتالي لن تكون فعالة. وعلاوة على ذلك رغم ترسانة القوانين الموجودة فإنها لم تمكن من مكافحة الفساد لعدم توفر الشروط الضرورية.

تعميم المساءلة

أما أهم النقائص في مشروع القانون المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح في القطاع العام بحسب رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد فتتمثل في عدم ضمان القدر الكافي من النزاهة والشفافية ويبقى هذا العنصر هو الحلقة المفقودة لان القوانين السابقة لحماية المبلغين عن الفساد و قانون مكافحة الفساد ليس لها قيمة ما لم يتم التعامل مع المورّطين بنزاهة وشفافية وليس في الغرف المغلقة. كما أن تونس تشهد حاليا حالة من التطبيع مع الفساد والقبول بهذه الظاهرة وحتى الحراك الاجتماعي المهتم بهذا المجال خفت بشدة منذ أن أطلق عليه رئيس الجمهورية رصاصة الرحمة من خلال قانون المسلحة الإدارية التي قضى بصفة نهائية على أي مجهود لمكافحة الفساد. ويضاف إلى ذلك غياب الجدية في التعامل مع مكافحة الفساد و الإثراء غير المشروع في الإدارة التونسية ومن مظاهر ذلك أن الأمر المتعلق بإحداث خلايا الحوكمة ومكافحة الفساد في الإدارات العمومية بقي حبرا على ورق وإلى غاية الآن هناك منشأة عمومية وحيدة التزمت بهذا القرار هي الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

كما شدد إبراهيم الميساوي في ذات السياق على أن القوانين لوحدها والهيئات الدستورية غير كافية ما لم تكن منتخبة وغير معينة في إطار المحاصصة الحزبية لان ذلك يفتح الباب أمام انعدام المحاسبة والإفلات من العقاب وهو ما نخشى أن يكون نفس مآل القانون الحالي وفق تقديره.

ومن جانبها اعتبرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أن مشروع القانون الحكومي المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح تشوبه عديد النقائص ومن الضروري أن يتم تلافيها ضمانا لنجاعة أحكام مشروع القانون وتلاؤمه مع المعايير الدولية . ولاحظت الهيئة ضمن بيانها حول القانون المقترح أنه في حالة المصادقة على مشروع القانون فإنه سيمثل إضافة هامّة للمنظومة القانونية المتعلّقة بمكافحة الفساد ومكسبا هاما يتماشى مع أحكام الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد وسيساهم في تعزيز النزاهة والشفافية والثقة في الحياة العامة شريطة أن يكون النصّ واضحا وقابلا للتطبيق.

كما قامت بتوجيه مراسلة إلى أعضاء البرلمان ضمّنتها مجموعة المقترحات بهدف إدراجها بنص مشروع القانون قبل التصويت عليه بالجلسة العامة، من بينها التقليص في قائمة الأشخاص المطالبين بالتصريح، وذلك اعتبارا لأن العدد الكبير للتصاريح سينجرّ عنه بصورة آلية ضعف نجاعة المتابعة والمراقبة وإغراق الهيئة بملفات ليست لها الإمكانيات اللازمة لفحصها، خاصة أمام اشتراط الطبيعة الورقية للتصاريح مبينة أن ذلك سيثقل كاهل الهيئة. كما اقترحت التراجع عن إحالة مشروع القانون إلى نصوص تطبيقية تضبط نموذج التصريح وقيمة الهدية، وذلك تفاديا لتكرار التجارب الحاصلة مع نصوص أخرى وخاصة المرسوم عدد 120 لسنة 2011 المتعلق بمكافحة الفساد والقانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المبلّغين، حيث مثّل التأخر في صدور النصوص التطبيقية عائقا في تفعيل هذين النصين. ودعت هيئة مكافحة الفساد إلى إقرار مبدإ عدم سقوط جريمة الإثراء غير المشروع بمرور الزمن اعتبارا لكونها من الجرائم الخطيرة التي تمس بالمال.

أما بالنسبة إلى سليم الخراط رئيس جمعية «بوصلة» تتمثل نقطة الخلاف الرئيسية بين النواب خلال مناقشة مشروع قانون التصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح في القطاع العام في نشر البيانات من عدمه على اعتبار أن هناك من يرى في ذلك مسا بالحقوق الفردية للأشخاص من خلال نشر المعلومات الشخصية للمسؤولين . و على الأرجح سيتم اعتماد التوجه السائد حاليا وهو ضرورة نشر المعلومات مع أخذ التدابير اللازمة لحماية المعطيات الشخصية وهذا ممكن بتأكيد الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية التي يمكنها تقديم مقترحات للحكومة بالاعتماد على التجارب المقارنة في هذا الخصوص. كما اقترحت اللجنة المكلفة بإعداد القانون إضافة الصحفيين إلى حلقة المعنيين بالتصريح والنشر نظرا لأنهم عرضة لبعض التمويلات المشبوهة. ورغم أن جمعية بوصلة تعتبر أنه ليست هناك نية صادقة لدى الحكومة لمكافحة ظاهرة الإثراء غير المشروع لان النقاشات حول القانون جاءت متأخرة جدا بعد أن تم طرحه منذ سنة 2016 إلا أنها تعتبر القانون من الناحية النظرية أداة قوية جدا لمكافحة الفساد لانه يضع جميع المسؤولين في القطاعين العام والخاص تحت طائلة الرقابة والمساءلة.

مساءلة بلا استثناء

«هذا القانون انتظرناه طويلا وسيمثل إضافة هامة لترسانة القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد». هذا ما أكدته انتصار العرفاوي المستشارة القانونية بمنظمة «أنا يقظ»معتبرة في ذات السياق أن الإضافة التي تميزه عن قانون 17 لسنة 1987 المتعلق بالتصريح بالمكاسب هو أنه لا يقتصر على الوزراء فقط بل يشمل جميع المسؤولين في الدولة بداية من رئيس الجمهورية ووصولا إلى أعضاء المجالس المحلية المنتخبة. وتشمل قائمة المعنيين بالتصريح بالمكاسب رئيس الجمهورية ومستشاريه ورئيس الحكومة وأعضاءها ورؤساء الهيئات الدستورية إضافة إلى أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وأعضاء المحكمة الدستورية ومجالس الجماعات المحلية. وأوضحت محدثتنا أنه ضمن الصيغة القديمة يتمثل الإشكال في أن جميع الوزراء يصرحون بأملاكهم عند تعيينهم لكن لا يصرحون بها عند مغادرتهم لذلك قامت منظمة « أنا يقظ» بإطلاق حملة «برا صرح» التي نتج عنها قيام جميع الوزراء المغادرين بالتصريح باستثناء وزيرة الصحة السابقة سميرة مرعي التي لم تصرح إلى غاية الآن. ويتميز القانون الجديد بكونه يفرض على جميع المسؤولين و الوزراء في الحكومة التصريح بالمكاسب كشرط لتسلم المنصب والمباشرة لكن هناك إشكال بالنسبة إلى رئيس الجمهورية كونه وقع انتخابه قبل صدور القانون لان النقطة المتعلقة برجعية القانون مازال النقاش دائرا حولها و لم يقع الاتفاق عليها. كما سعت لجنة التشريع العام إلى توسيع قائمة المشمولين بالتصريح وهو أمر جيّد في تقدير محدثتنا رغم أنه سيثقل كاهل الهيئة الوطنية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد من ذلك أنه من بين النقاط الجديدة التي تضمنها القانون كذلك التصريح بممتلكات الأبناء القصر تفاديا للتغطية على الإثراء غير المشروع لبعض المسؤولين. وفي مقابل هذه النقاط الايجابية ترى منظمة «أنا يقظ» أن هناك رغبة لدى العديد من النواب في عدم نشر تصاريح بعض المسؤولين مثل منازلهم و عناوينهم بحجة أن ذلك قد يجعلهم عرضة لمخاطر إرهابية لكن هذا غير منطقي لان النشر ضروري للتثبت من صحة المعلومات المصرح بها. كما أن عدم التناسب بين الجريمة والعقوبة يمثل نقطة سلبية أخرى حيث أن العقوبة القصوى في التصريح المغلوط قدرت بخمس سنوات سجنا فقط بينما يقترح القانون عقوبة على من يفشي التصاريح أو ينشرها مثل الصحفيين وغيرهم....

تبرز أهمية قانون مكافحة الإثراء غير المشروع في ارتباطها بتفشي ظواهر التهريب وتجارة المخدرات والسلاح والدعارة والتجارة الموازية والتي تسبب فيها غياب آليات المراقبة والمساءلة ووسائل الردع في ظل انتشار الرشوة والفساد. ورغم أن المنظومة التي تشكلت ما فتئت تتضخم وتخرج عن سلطة الدولة إلا أن الشروع في المحاسبة أمر ضروري حتى تستعيد الدولة سلطتها وقدرتها على فرض القانون لان طبقات الأثرياء الجدد ذوي مصادر الأموال غير المشروعة يشكلون خطرا على الاقتصاد الوطني خاصة إذا ما علمنا أن الطبقة الثرية في تونس ارتفعت، في السنوات الأربع الماضية إلى حوالي 20% من المجتمع التونسي وتستحوذ لوحدها على حوالي 80% من ثروات البلاد.