الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



البطالة تفتك بالطلبة الدكاترة والدكاترة الباحثين

الكفاءات المهدورة!


اعداد سميحة الهلالي

تحتفظ شهادة الدكتوراه بوقعها السحري وتحظى بالتثمين عند معظم الشعوب حتى المتقدمة منها ناهيك عند العرب عموما وفي تونس على وجه الخصوص، لما تضيفه لحاملها أو المتحصّل عليها من قيمة اعتبارية على الصعيدين العلمي والاجتماعي هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنّ الدول الراعية للعلم والحريصة على تحصيله وتحصينه عادة ماتشهد ازدهارا وتقدّما لافتا يجعلها رقما صعبا في المحافل الدولية. وفي تونس حرصت الدولة الوطنية بعد الاستقلال على اعطاء العلم والعلماء مايستحقونه من عناية واهتمام مما ساهم في عملية البناء والتحديث و التعصير وتعددت المكاسب على جميع الاصعدة وفي كل المستويات ،ولكننا اليوم نشهد انتكاسة غير مسبوقة، بل وربما السقوط المدوي في منظومة القيم لان حالة التهميش و البطالة التي يعيشها ما يفوق الالاف من الطلبة الدكاترة والدكاترة الباحثين تعتبر سابقة خطيرة ومؤشرا جدّيا على دقّة وحساسية الوضع الكارثي الذي يمرون به .هذه الفئة التي توصف بالنخبة تعتبر ان هناك تجاهلا من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لمطالبها بل تذهب الى اكثر من ذلك فالميزانية المخصصة للبحث العلمي ضعيفة .وهي غير كافية لتجهيز مخابر ووحدات البحث مما يعقّد عملهم بالإضافة الى الجانب التقني اللوجستي ورغم ان الاحصائيات الخاصة بهذه الفئة غير دقيقة الا ان مطالب الطلبة الدكاترة والدكاترة الباحثين تظل مشروعة ويظلّ السؤال مطروحا أي استراتيجية ستعتمدها الدولة لإخراج هذه الفئة من بوتقة التهميش والبطالة؟

طلبة الدكتوراه والدكاترة الباحثون كغيرهم من الشباب رغم تحصيلهم العلميّ العالي والكفاءة التي يتميزون بها في مختلف الاختصاصات الا ان كل هذا لم ينقذهم من كابوس البطالة الذي استفحل في تونس ،واصبح اشد وطأة بعد الثورة والذي لم تجد له الحكومات المتعاقبة حلا رغم الادعاء بان مسألة التشغيل أولوية من أولوياتها. هذه الفئة كغيرها من الفئات الاخرى في البلاد عبّرت عن مطالبها في عديد المناسبات. ولكن الوضع لم يتغير والمطالب لم تؤخذ بعين الاعتبار.

لقد ادت البطالة المطولة وسياسة التهميش وضبابية المستقبل بعدد كبير من الدكاترة خريجي الجامعات بمختلف الجهات الى الخروج عن صمتهم والاحتجاج على وضعهم خاصة وان هذه الفئة طالما عرفت بالجد والكد والرقي في سلم المعرفة في صمت ولكنها كسرت حاجز الصمت لتثور على وضع اعتبرته كارثيا أمام تفاقم نسبة البطالة في صفوفهم حيث يقول عدد كبير منهم ان هناك تنكرا من الدولة للكفاءات والتي في رصيدها زاد معرفي يمكن ان تنفع به كل القطاعات وتساهم في احداث نقلة نوعية في الاقتصاد وتطوره.

سياسة تهميش

سياسة التهميش والوضع المتردي لطلبة الدكتوراه والدكاترة الباحثين ليست أمرا مستجدّا على حد تعبيرهم بل هي سياسة متواصلة على مدى سنوات في ظل غياب شبه كلي للاستراتيجيات التي من شأنها ان تغير من الواقع المرير الذي يعيشه قطاع بأكمله يمثل النخبة. ورغم تحركاتهم في عديد المناسبات واحتجاجاتهم الا ان شيئا لم يتغير بل ازداد وضعهم سوءا وتفشت البطالة اكثر فاكثر لذلك فانه من الضروري ايلاء الاهمية اللازمة لما الت اليه اوضاعهم ووضع استراتيجية ناجعة لمجال البحث العلمي امام الوضعية الكارثية التي يمرون بها.

ان ترهل منظومة البحث العلمي وتفشي البطالة في صفوف حاملي شهادة الدكتوراه امر لا يمكن ان ينكره أي طرف على اطلاع بما يحدث في مجتمعنا حيث أن الكفاءات من طلبة الدكتوراه والدكاترة الباحثون يمكن ان يقدموا من زادهم المعرفي ما من شانه ان ينفع البلاد في عديد القطاعات وما يمكن من ايجاد حلول لعديد الاشكاليات العالقة فهم يمثلون الحل ولايمكن ان يكونوا جزءا من أي مشكل.

اشكاليات عالقة...

لئن كانت الارقام والمؤشرات المتعلقة بالعاطلين عن العمل من المتحصلين على الدكتوراه شحيحة وغير دقيقة ولا تعطي صورة واضحة عن واقع هذه الفئة فان المتحدّث اليهم يتبين حجم معاناتهم فجلّهم يعيشون ظروفا اجتماعية صعبة نتيجة البطالة المطولة خاصة وان اغلبهم قد تقدم به السن باعتبار انهم أفنوا سنوات عديدة من اعمارهم في مراكز البحوث والمكتبات والأرشيف للإعداد لرسالة الدكتوراه ورغم الزاد المعرفي الكبير الذي يتزوّدون به فإنهم يجدون انفسهم خارج دائرة اهتمام الدولة بالضافة الى صعوبة اندماجهم في سوق الشغل إذ أنّ المجال الوحيد لتشغيل هذه الفئة هو إلحاقهم بالتدريس بمؤسسات التعليم العالي ولكن كما هو معروف فان خطط الانتداب في هذه المؤسسات لا تكاد تفوق اصابع اليد الواحدة باعتبار انه غالبا ما يقع الاعتماد على الاساتذة المتعاقدين او العرضيين مما حدا ببعضهم الى العمل بالمقاهي والمطاعم بغية كسب قوته اليومي.

المنحة الجامعية ضعيفة

لقد بين عدد كبير من الطلبة الدكاترة ان سنوات البحث تتطلب امكانيات مادية ضخمة فحتى المنحة التي تسند لهم طيلة ثلاث سنوات تعتبر ضعيفة ولا يقع صرفها في اجالها وهي لا تكفي لاقتناء الكتب ونسخ الوثائق والتنقل بين المكتبات هذا دون اعتبار مصاريف النقل والسكن ...كما ان اغلبية الطلبة لا ينهون ابحاثهم خلال ثلاث سنوات وانما يتطلب منهم العمل مايفوق الخمس سنوات في اغلب الحالات لذلك يرون انه من الضروري ان يتم التمديد في سنوات التمتع بالمنحة الجامعية والترفيع في قيمتها . كما ان هناك غيابا كليا لاستراتيجية تنهض بقطاع البحث العلمي وتجنب الطلبة الدكاترة والدكاترة الباحثين مشقة البطالة وتمكن الدولة من الاستفادة من الكفاءات عوض تهميشها. وأيضا على الدولة ان تعتني بأهل العلم وتوفر ميزانية تتماشى ومتطلبات هذا المجال ومن حق المتحصلين على الدكتوراه ان يقع ادماجهم في سوق الشغل خاصة وان هذا الاخير يفتقر الى الحد الادنى من الكفاءات وهو في حاجة الى التطور والتطوير والمدخل الوحيد الى ذلك هو البحث العلمي ولكن للأسف المؤسسات البحثية والجامعية غير قادرة على استيعاب الكوادر العليا من المتحصلين على الدكتوراه.

جديد الوزارة..

بيّن وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم خلبوس خلال الملتقى السنوي للبحث العلمي في نسخته الثالثة الذي انتظم مؤخرا ان الوزارة عملت في السنتين الأخيرتين على ترفيع هام في ميزانية البحث العلمي كما انها واعية بانها ليست كافية لتلبية حاجيات الباحثين والهياكل. كما ان نسبة التمويل العمومي للبحث في تونس تفوق ٪95 ووضعت آليات تمكن من تنويع مصادر التمويل.

ومحاور الأولويات الوطنية في مجال البحث هي التي توجه أولويات التمويل العمومي، حيث تمت المراجعة الكلية لحوكمة منظومة البحث بوضع معايير شفافة ومعلنة لتمويل الهياكل. معايير موضوعية تكرس المردودية وجودة الإنتاج والعمل على تيسير إجراءات صرف الاعتمادات المتخلدة التي بلغت في سنة 2017 اكثر من 70 مليون دينار وتغيير مقاربة الوزارة في مرافقة الهياكل البحثية لجلب الاعتمادات الدولية بتكوين خبراء في هندسة المشاريع وارتفعت هذه الاعتمادات من 1,2 مليون يورو في 2017 إلى ما يقارب 8 مليون يورو في موفى 2018. وإرساء التمويل التنافسي لهياكل البحث مكّن من تحسن ملحوظ في جودة المشاريع والبرامج. وأنجزت الوزارة منصة إلكترونية لترشيد استعمال التجهيزات البحثية ودعم الاستغلال المشترك بين الهياكل الناشطة في نفس الاختصاصات. ودعم البحث التطبيقي الموجه نحو اشكاليات وتحديات مستخرجة من المحيط الاقتصادي والاجتماعي سيمكن هياكل البحث من تمويل إضافي عمومي وخاص ودولي. وتم تصميم آليات تمويل ملائمة لكل صنف من الفاعلين في المنظومة البحثية: المهندسين وحاملي شهادة الماجستير /POST PFE/ الدكاترة /MOBIDOC/ المخابر والمراكز المنخرطة في برامج تثمين نتائج البحث/VRR/ أو في مشاريع ايلافية/PRF/ ....و دعم اندماج الوحدات البحثية في مخابر سيمكن من تحسين حجم الهياكل وقدرتها على جلب الاعتمادات والانخراط في مشاريع دولية.

والعمل على دعم الاستقلالية المالية للهياكل البحثية بالنسبة للمؤسسات الجامعية وتمكينها من احتضان اقسام مختصة لها حد أدنى من الاستقلالية.

كما ان المنح الدراسية الخاصة بطلبة الدكتوراه غير كافية لتمويل الباحثين وتسند دون أي معايير متعلقة بجدية العمل وتقدمه. وتتوجه الوزارة نحو الترفيع في قيمتها واسنادها على اساس معايير موضوعية مبنية على الاستحقاق.

كما ان النص القانوني المنظم لإحداث منحة التشجيع على الإنتاج العلمي جاهز وسيكون تحفيزا هاما للباحثين.