الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



بسبب اكتساح السمسرة والقشارة زهر نابل

عادة الأجداد في طريقها إلى الاندثار



إعداد: لطيفة بن عمارة

للربيع أسلوبه في الإعلان عن قدومه ،بنسماته تزهر كل الأشجار لتشكل فسيفساء من الألوان بين أزهار شقائق النعمان والأقحوان وأشجار اللوز والغلال..فلكل جهة من بلادنا خصوصية تعلن بها عن قدوم الربيع، ولمدينة نابل رونق خاص وخصوصية تميزها عن بقية الجهات، فكل ربيع لا تنسى شجرات النارنج التي تملأ شوارع مدينة نابل أن تزهر وتطلق أريجها في كافة أرجاء المنطقة وتعلن رسميا أن فصل الربيع قد حل وان الشتاء ببرده قد ولّى .وتتوشح أشجار «النارنج» الموجودة أمام كل منزل في المدينة وفي حدائق معظم المنازل بحبات الزهر البيضاء التي تعبق رائحتها فواحة فتزيد المكان جمالا وجاذبية.

ومثل كل ربيع يقع الإعلان عن الحيوية والنشاط في مدينة نابل ، المعروفة بأنها موطن الكثير من الأشجار العطرية، وأهمها على الإطلاق شجرة النارنج ،أو كما يطلق عليها بالعامية الأرنج، مما يحول فصل الربيع داخل بيوت نابل إلى ما يشبه خلايا النحل العاملة. فترى بعض أفراد العائلة معلقين فوق أشجار النارنج العالية وكاملة النضارة بخضرتها طوال السنة، والبعض الآخر يتوجه بالسلال إلى المنازل وروائح تويجات الزهر تنتشر في كل الأرجاء، أما الأمهات والجدات فقد حولن بعض أركان المنزل إلى ما يشبه الوحدات الصناعية لتقطير الزهر. وهيهات أن تقارن بين الزهر الصناعي المنحدر من المعامل الصناعية والزهر الآتي من «قطار» تقليدي تحتفظ به بعض العائلات أبا عن جد منذ عشرات السنين، فهو لا يهترئ ولا يصدأ، ويعلن خروجه إلى الناس مطلع كل ربيع، ثم سرعان ما يعود منتصرا غانما إلى مكمنه، بينما يحفظ ماء الزهر في قوارير تسمى الواحدة منها «فاشكة».

عرس ربيعي !!!

العائلات في نابل لا تنسى أن تحتفظ بمؤونتها من ماء الزهر كل سنة. فاستعمالاته تتعدى حدود العطور إلى إعطاء النكهة الضرورية لكل أنواع الأطعمة والمرطبات. كما أن الكثير من العائلات تلجأ إليه كملطف لحرارة الجسم، وهو ما يجعل كل عائلة في نابل، وكذلك في مناطق أخرى من تونس، تسعى إلى الحصول على القليل من ماء الزهر الطبيعي في مطلع كل ربيع. وإذا كانت عائلات تونسية أخرى تحتفظ بزيت الزيتون وبالسمن العربي والعسل البيولوجي، فإن العائلة في نابل تضع على رأس قائمة المواد المطلوبة ماء الزهر. ولعل هذه الممارسة على ارتباط ما بعبارة شعبية تونسية معروفة، إذ إن الزهر في اللهجة العامية التونسية يعني «الحظ». وربما كانت العائلات التي تقبل على عطور الزهر وتحتفظ بها طوال السنة، في الحقيقة تحتفظ بجالب للحظ داخل أركان بيوتها من دون أن تعلن ذلك جهارا.

والواقع أن لشجرة النارنج أو الأرنج في نابل مكانة مهمة، كذلك من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فهي تتعدى كونها شجرة عادية من بين الأشجار تكاد تكون اختصاصا نسائيا بالأساس، لتصبح اليوم مورد رزق لأكثر من ثلاثة آلاف عائلة. وللعلم، فإن مدينة نابل تصبح خلال موسم جني الزهر قبلة أنظار كثير من العائلات التونسية التي تدرك أن المدينة تحتفظ بأسرار تلك الصناعة ولا تضاهيها في ذلك أي من مناطق تونس وهذا على الرغم من قصر مدة الموسم التي لا تزيد على 4 أسابيع في أقصى الحالات.

ثروة طبيعية !!!

لا تقل مساحات إنتاج الزهر في منطقة نابل عن 460 هكتار وفق ما أكدته سلوى الخياري والية نابل مؤخرا، ويمكن سنويا إنتاج ما بين 1000 و1400 طن من الزهر. وفي العادة، يجري تقطير 60 في المائة من الكميات المنتجة بالطريقة العصرية، بينما تحول البقية أي 40 في المائة بالقطار التقليدي، وهو مطلب الكثير من العائلات التونسية التي تبحث عن منتوج يقرب من الطبيعي ويبتعد أكثر ما يمكن عن الصناعي.

وتضم منطقة نابل، وتحديدا مدينة نابل ومدينة دار شعبان ومدينة بني خيار نحو 65 في المائة من مجموع غراسات النارنج، كما تستحوذ بمفردها على ست وحدات تحويلية مما يجعلها عاصمة ماء الزهر بلا منازع. وهذا التميز جعل المنطقة تبرز كقطب مهم جدا لإنتاج وتصدير زيت «النيرولي» الذي يستعمل في صناعة مواد التجميل والعطور، وهي تحتل مكانة بارزة عالميا في مجال تصدير هذه المادة الأساسية الموجهة، بالأساس، إلى مراكز صناعة العطور الرفيعة الراقية، ولا سيما في فرنسا، و«عاصمة العطور» فيها بلدة غراس التي تستورد ما بين 500 و700 كيلوغرام من «النيرولي» ذي الجودة العالية.

ويعدّ موسم الزهر في نابل عيد كل العائلات «النابلية» التي تحيي خلاله تقاليد تقطير ماء الزهر وإعداد «العولة» باستعمال «القطار العربي» المصنوع من النحاس أو من الفخار، وهو كذلك مناسبة للتلاقي بين أفراد الأسرة الواحدة والاجوار للتعاون على جمع الحبات وانجاز عملية التقطير في أجواء حميمية مميزة تعكس عراقة هذه العادة التي تسعى العائلات «النابلية» للمحافظة عليها من خلال إعداد العولة من ماء الزهر. ويستعمل هذا الماء في صنع الحلويات والعطور وأيضا للتداوي على غرار علاج آلام الأمعاء هذا إلى جانب إعداد الأقنعة الخاصة بالبشرة والتجميل.

عادة الأجداد

تبدأ عملية التقطير بجمع الزهر وتجفيفه لمدة يومين كي يفرز المادة الزيتية ثم توضع كمية من الزهر (2 كغ) في وعاء نحاسي يسمى (القطّار) يضاف إليها الماء (سبع لترات) وتترك على نار عالية حتى الغليان. هذه العملية ينتج عنها تبخير يتم تمريره في أنبوب مثلج خاص موصول بإناء لتكثيف البخار على شكل قطرات ندية تتدلى نحو وعاء آخر مشكلة «روح الزهر»، كما أن ماء الزهر يستعمل بالاضافة إلى الاستهلاك العائلي في الطبخ والتعطير والمداواة. وبالتالي فإن الزيوت الأساسية للعطور وخاصة النيرولي (زيت الزهر الأساسي)مطلوبة وذات شهرة عالمية في مجال صناعة العطور الرفيعة، كما تستعمل المقطرات في صنع المرطبات وتعطير المواد الغذائية. وماء الزهر يستعمل كذلك في مجالات الصيدلة وفي تحضير كثير من الأكلات التقليدية والحلويات المعروفة في المدينة، بحيث يكفي أن تتذوق طعم تلك الحلويات لتتأكد أنها معدة في نابل. ومن المنافع الصحية لماء الزهر أيضا استعماله كعلاج للبشرة، وهو كذلك يساعد على النوم الهادئ ويخفض حرارة الجسم ويساعد على التوقي من ضربة الشمس في صورة تخضيب فروة الرأس به.

غلاء الأسعار

يوفر هذا النشاط لعديد من العائلات محدودة الدخل مجالا لممارسة نشاط اقتصادي عائلي تقليدي يتمثل في تقطير الزهر بمقابل وبيعه لزوار المدينة الذين يتوافدون من مختلف جهات البلاد لشراء ما يحتاجونه من ماء الزهر. ندرة اليد العاملة وغلائها ـ حيث يطلب العامل 35 دينارا في اليوم الواحد ـ تفسر الارتفاع الصاروخي لأسعار حبات الزهر فـ«الوزنة» التي تقدر بـ 4 كيلوغرام بلغ سعرها 60 دينارا ، علما أن «الوزنة» تستخرج منها قارورتان يطلق عليها اسم«فاشكة». وأسعار الزهر ارتفعت بشكل جنوني خلال السبع سنوات الأخيرة فمن 8 دينارات سعر «الوزنة» سنة 2012 إلى 60 دينارا هذه السنة، فربما تشبث العائلة النابلية بهذه العادة وبتحضير «العولة» سنويا بالإضافة إلى إقبال الزوار هو الذي ساهم في هذه الأسعار المشطة.

موسم قطف الزهر كان بمثابة المهرجان وفرصة للعائلات للتقارب والتعاون والاجتماع،ولكن في يومنا هذا الكل يبحث عن الزهر الحاضر وبالتالي فقد نكهته خاصة مع تكاثر السماسرة والقشارة الذين أتوا على الأخضر واليابس وساهموا في ارتفاع أسعار الزهر حتى أن سعر الشجرة الواحدة بأزهارها بلغ 600دينار.