الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات





لماذا عجزت الدولة عن حل معضلة البطالة؟



إعداد: شكري بن منصور

تصنف تونس من بين أكثر البلدان بطالة في العالم حيث احتلت المرتبة التاسعة عالميا والثانية عربيا من حيث نسبة البطالة. وبحسب تقرير صندوق النقد الدولي تبلغ نسبة البطالة في البلاد 15٪. ويمثل ارتفاع نسبة البطالة معضلة كبيرة أمام جميع الحكومات المتعاقبة في تونس منذ الثورة ويتطلب القضاء عليها مقاربة شاملة اجتماعية واقتصادية وتعليمية تمسّ جوهر المنظومة الجامعية ومنظومة التكوين المهني لذلك تعتبر البطالة من أكثر المشاكل التي تؤرق الكثير من الدول، ويختلف حجمها من دولةٍ الى أخرى تبعاً للخطط الاقتصادية فيها ومدى توفر فرص العمل، حيث تشير الدراسات إلى تجاوز هذه النسبة 20٪ في تونس ، ولهذه البطالة الكثير من الآثار السلبية على الفرد وعلى المجتمع ككل لأنّها تتفشى غالباً بين الأفراد الذين هم في سن العمل ممّا يجعلهم يوجهون طاقاتهم وقدراتهم إلى مجالاتٍ أخرى قد تكون خطيرة في كثير من الأحيان مثل الجريمة و الإرهاب ، كما أنها تؤخر عجلة النمو والتطور داخل الدولة وتؤدي إلى ظهور الكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية.

فلــماذا فــــشلت جـميـــع الحـــكومات مـــا بــعد الثـــورة فـــي القـــضــاء على البطالة أو حتى الحـــد مـــنها وكـــيف يمـــكن حـــل هـــذه المعضلة الاجتماعية والاقتصادية؟

يعتبر الخبير الاقتصادي منجي السماعلي أنه لا يوجد وصفة سحرية للقضاء على البطالة في تونس خاصة في الوضع الاقتصادي والاجتماعي الراهن. فالوعود التي يطلقها السياسيون خلال المواعيد الانتخابية تبقى مجرد وسيلة لاستقطاب الناخبين لا أكثر وهذا يحدث في جميع بلدان العالم ولا يقتصر على تونس كما أن هناك فرقا كبيرا بين الوعود وما يحدث على أرض الواقع بعدها. ويمكن القول أن السبيل الوحيد لتخفيض نسبة البطالة هو تحقيق نسبة نمو عالية وهذا بدوره لا يحدث إلا عن طريق الاستثمار. كما أن العاطلين عن العمل يمكن استيعابهم في الشركات سواء العمومية أو الخاصة شريطة تحسن الوضع الاقتصادي. وأشار محدثنا في المقابل إلى أن هناك بطالة هيكلية في بعض البلدان ومنها تونس بسبب عدم ملاءمة خريجي الجامعات مع الشغل أي أن هناك كفاءات في مجالات معينة لم تعد مطلوبة في سوق الشغل وهذا يطرح تحديات جديدة أمام الحكومة لخلق برامج للتكوين المستمر.

عقد اجتماعي جديد

وتحدث منجي السماعلي عن أنه حتى في صورة تسلم حكومة يسارية الحكم في تونس فإن الوضع لن يتغير على الأرجح. وبالنسبة إليه فان الأطروحات التي تطلقها الأحزاب اليسارية تغيرت وحاولت التأقلم أكثر مع الواقع لكن الإشكال يتمثل في مدى الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة كفاعل اقتصادي خاصة وأن المؤسسات المانحة الدولية تدفع نحو تقليص هذا الدور والحد منه في مقابل تعزيز دور القطاع الخاص. ومن هذا المنطلق أصبح من الضروري التفكير جديا في ما هو أعمق من منوال تنموي بل عقد اجتماعي جديد يكرس المساواة بين الأشخاص وبين الجهات. فنسبة البطالة تقدّر لدى الذكور بـ 12.5٪ و23.2٪ لدى الإناث حسب إحصائيات للمعهد التونسي للإحصاء، في حين تقدّر نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا بـ 22.1٪ وبـ 39.7٪ لدى حاملات الشهادات العليا.

و عوض تركيز الاهتمام خلال الانتخابات على الأشخاص يجب التركيز على البرامج التي ستمكن من الحد من البطالة لكن على ما يبدو هذا غير قابل للتحقيق خلال الانتخابات المقبلة لان البلاد تعيش حاليا أزمة ثقة في جميع الأحزاب الموجودة على الصحة السياسية. كما أنه حتى في صورة إحداث رئيس الحكومة يوسف الشاهد لحزب جديد فلن يتغير الأمر لأنه بذلك يكرس صورة تواصل الانشقاقات في الأحزاب ولن يحظى بالتالي بثقة المواطنين في تقديره.

ويطرح الحديث عن سبل التقليص من نسبة البطالة تناول تجارب بلدان عديدة نجحت في هذا المجال على غرار البلدان الأسكندينافية و بعض البلدان الآسياوية التي بينما تتخلى دول العالم الثالث عن القطاع العام عبر خصخصة المؤسسات، يقوم النموذج الاقتصادي لبلدان الشمال الأوروبي على تطوير القطاع العام وتحقيق إصلاحات حقيقية بما يجعله أكثر كفاءة واستجابة لتوجهات الدولة، وهي أولى الميزات التي تمنح المواطنين مساواة وعدالة من حيث التعليم والعلاج والتمتع بالخدمات. كما أن الاهتمام بالموارد البشرية من الرجال والنساء، من لحظة الولادة وحتى الممات، مهد ليكون أحد العوامل المهمة في النمو الاقتصادي كما يشير لذلك تقرير السياسات الاقتصادية الاسكندينافية في العام الماضي 2016. والأمر الآخر هو النظام الضريبي للدول الاسكندينافية الذي يؤمن عائدات ضريبية كبرى تزيد على عائدات دول تفوقها في المساحة وعدد السكان مثل الولايات المتحدة. حيث تصل نسبة العائدات الضريبية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الاسكندينافية إلى 49% في حالة الدنمارك وفي النرويج والسويد وفنلندا قرابة 45% لذلك من المهم التركيز على أن تغير الواقع الحالي يتطلب التضحية من قبل الجميع والتونسي مستعد لذلك لكن بشرط أن تكون بشكل جماعي وتشمل الجميع ولا تقتصر على شريحة بعينها. بينما في تونس فإنّ الحكومة الحالية عاجزة عن تسيير حركة المرور وفرض احترام الإشارات الضوئية فكيف لها أن تنجح في تشغيل أكثر من 600 ألف عاطل عن العمل كما أن الحديث عن خلق نمو بنسبة 6٪ في غضون سنتين هو مجرد استهتار واستغباء للشعب التونسي.

ومن جهة أخرى أوضح الخبير في أسواق المال عادل الطويل أن جميع مساعي الحكومة و القطاع الخاص فشلت في خفض نسب البطالة المرتفعة التي كانت واحدة من أسباب الثورة في البلاد، بفعل تبعات الثورة ومخرجات التعليم وأرقام النمو المتواضعة. وصعدت نسبة البطالة في تونس، إلى 15.5% مقارنة مع 13% سجلت في البلاد قبيل اشتعال فتيل الثورة.

بطالة نوعية

تمس البطالة أكثر حاملي الشهادات العليا أي أنها بطالة نوعية وهو ما يتطلب حلولا خاصة. ولا تقتصر أسباب هذه المعضلة على البعد الاقتصادي وفشل المنوال التنموي المعتمد منذ فترة ما بعد الاستقلال بل تمسّ كذلك الوضع الأمني والاجتماعي وبطء النمو وفشل منظومة التكوين والتأهيل تعد من الأسباب الرئيسية وراء عجز الحكومات المتعاقبة في إيجاد حل لمعضلة البطالة والحدّ من تفاقمها. ويمكن القول أن عدم استقرار الوضع الاجتماعي والأمني أدى إلى فقدان العديد من مواطن الشغل الموجودة. فالعديد من الشركات غادرت تونس بسبب الاحتجاجات الاجتماعية أو الهجمات التي عرفتها البلاد في سنوات ما بعد الثورة. وذكر محدثنا بان 2000 شركة منها 500 شركة أجنبية أغلقت خلال السنوات التي تلت الثورة.

كما أن تجميد الانتدابات ساهم في تفشي البطالة إضافة إلى الانتدابات العشوائية في القطاع العام التي حدثت مطلع 2011 والتي أثقلت ميزانية الدولة للسنوات الست الماضية مما دفعها إلى إعداد خطة لتسريح الموظفين وتوفير حوافز مالية لهم لإحداث مشاريع خاصة.

حلول

و تتمثل أهم الحلول التي يمكن أن تساهم في خلق مواطن الشغل والحد من البطالة في تفعيل دور الدولة في الاقتصاد من خلال دعم القطاع العام ماليا وفنياً وبشرياً، وإصلاحه، والقضاء على الفساد، وتفعيل الرقابة فيه. كما أن خفض الضرائب من شأنه التشجيع على الإنفاق ما يحسّن من الوضع الاقتصادي العام للدولة، ويزيد من فرصة الاستثمار التي توفر فرص عمل محتملة. وإضافة إلى ذلك يشدد عادل الطويل على أهمية دعم المشاريع الصغيرة وتفعيل التمويل الصغير و كذلك إبرام اتفاقيات اقتصادية واستثمارية مع الدول المجاورة، وتشجيع الاستثمار من خلال خفض مستوى المتطلبات والشروط التي تفرضها الحكومة على المستثمرين. ويبقى أهم إجراء يجب العمل عليه هو تطوير قطاع التعليم بما يتلاءم مع التطور التكنولوجي لإنتاج جيل قادر على تطوير الأفكار والمواكبة.