الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



يحدث في تونس

العيش المذلّ ... من القمامة ...



اعداد: سميحة الهلالي

إن الفقر هو أسوأ أشكال العنف وهوأحد أضلاع المثلث الشهير الذي يضم معه المرض والجهل فإذا تجلى هذا المثلث ثلاثي الاضلاع في مكان ما تأكد أن الشعب - أي شعب - مهما كانت حضارته وعراقته سوف يكفر بالدولة وآلياتها ونظامها ولسوف تنتحر القيم الوطنية داخل كل إنسان و يموت لديه الاحساس بالانتماء لتلك الرقعة الجغرافية المسماة وطنا والملاحظ في تونس لا يفوته ان يستنتج أنّ أيّا من الحكومات التي تعاقبت على بلادنا بعد الثورة كلها حكومات تسابقت في التميز في الفشل، حكومات شهد في ظلها السواد الاعظم من الشعب مختلف الوان و صنوف الفاقة و الجوع والعذاب، كأن لعنة حلت ببلادنا وعصفت بالحد الادنى بما يمكن أن يحلم به المواطن ويجعله سيّدا ،عزيزا، كريما في وطنه.

ولعلّ أهم تجلّيات هذا الحيف و تمظهراته لا تحتاج الى المسبار ولا الى عين خبير ،إذ يكفي المرء أن يجوب الأزقة والشوارع وحول أكداس القمامة حتى يكتشف زيف الحداثة ويكفر بالثورة والانسان. فتفشي ظاهرة البرباشة أو أيتام المزابل لا يمكن أن تكون علامة صحية و ليست بالظاهرة الظرفية و الاستثنائية و لا هي بالحالة المعزولة ولا يمكن أن تكون سوى مؤشر فشل موسوم على جبين دولة و حبرا داميا في سجلّ الحكومات المتعاقبة.

لقد دفعت الظروف القاسية وحياة الكفاف والبؤس عديد العائلات الى توفير قوتها اليومي بطرق مختلفة اما بالتجوال في الاحياء وطلب وجمع الخبز او التوجه نحو المصبات او الحاويات المتمركزة في الاحياء للبحث عما قد «تدرّه» عليهم من بقايا بلاستيك اوحديد اوحتى بقايا خبز . فالعديد من المصبات والحاويات التي تواجدت بالعاصمة او بولاياتها الداخلية تعد مورد رزق لهذه الفئة المعدمة والمفقّرة المهمشة. المصبات والحاويات مثلت موطئ قدم لمن دفعت بهم قلة ذات اليد والحرمان والخصاصة الى البحث عما يسد الرمق. هؤلاء «البؤساء» يمكن ان تجدهم فرادى او جماعات ومقصدهم وحيد وهو المصبات وحاويات الزبالة للحصول على مآربهم. لقمة عيشهم كتب لها ان تكون مغموسة في القذارة والأوساخ، هذه الظاهرة تزايدت نسبتها بعد الثورة وبرزت للعيان كالفقاقيع. فضعاف الحال هؤلاء يتدافعون على المصبات يوميا وخاصة في الفترة الصباحية للبحث في ما تفرغه الشاحنات البلدية في المصبات الكبرى والموجودة في مختلف جهات البلاد.. معاناتهم تحاكيها ملامح وجوههم وأياديهم التي صبغت باللون الأسود لشدة احتكاكها بالأوساخ... توفير لقمة العيش هو هدفهم الأساسي يجمعون القوارير البلاستيكية والمواد الحديدية ومختلف النفايات المطلوبة للرسكلة واعادة التحويل وايضا بقايا الخضر والغلال.

وجع... ومعاناة...

رجل ستيني العمر كان سبيله لحفظ كرامته جمع الخبز من الأحياء والأزقة تسمعه ينادي كل صباح «خبز بايت» منتقلا من نهج لآخر لا يكل ولا يمل رغم كبره في السن يحمل كيسه فوق ظهره، هكذا كتبت له الاقدار ان تكون لقمة عيشه في ارذل العمر. كثيرون هم اشباهه لم تنصفهم الحياة رغم الابتسامة وروح الدعابة التي يقابل بها متساكني الاحياء التي يمر بها يوميا الا ان تقاسيم وجهه أبت الا ان تفضح مسحة الحزن والتعب التي تعلو محياه. عيناه تعكس ألما دفينا، تجاعيد وجهه تخبرك عن مدى الصبر والقوة التي يتكبدها في البرد لكسب قوت يومه. وماذا عن ذاك الرجل المقعد الذي يجوب الشوارع بكرسي متحرك تدفعه ابنته الصغرى التي لا يتجاوز عمرها عشر سنوات تلتقط قوارير البلاستيك من مكان الى آخر بكل فرح وتتوقف عند المصبات لعلها تظفر بغنيمتها، أي ذنب لهذه الفتاة التي تتحمل اكثر من طاقتها؟... اترابها في النعيم يتخبطون... وهي من الصقيع تشبعت...

ارتفاع نسبة الفقر...

تعتبر هذه الظاهرة قديمة وقد كانت موجودة في اليهودية (طريق فوشانة والمحمدية...) كان يوجد بهذا المكان ثلاثة مصبات كان المواطنون يقتاتون منها بجمع الحديد وهذه الظاهرة موجودة ايضا في مصر منذ السبعينات. ذلك ما عبر عنه السياسي عبد اللطيف الحناشي مضيفا ان الإشكال الحقيقي يتمثل في كون هذه الظاهرة تفشت بصفة كبيرة قبل الثورة بقليل وازدادت حدة بعدها وانتشرت في الاحياء واصبحت هناك ظاهرة المواطنين الذين يقتاتون من الحاويات يبحثون عن البلاستيك والخبز والحديد وقد توسعت هذه الظاهرة مع ارتفاع نسبة استهلاك المياه المعدنية والخبز وارتفاع نسبة الفقر على حد تعبير محدثنا مما جعل العديد من شركات المناولة تدفع بالفقراء الى جمع البلاستيك وبيعه لها بأسعار رمزية وهي بدورها تبيعه لشركات الرسكلة.

ثراء صاعق... فقر صاعق...

ويضيف محدثنا ان هذه الظاهرة تؤشر الى بؤس بعض العائلات واكبر خطر قد ينجر عنها هو الامراض التي قد تلحق بهذه الفئات الضعيفة والتي قد تنتقل لأفراد المجتمع وايضا الصورة السلبية التي تعكسها لبلادنا في الخارج ما يفوق 50 سنة بعد الاستقلال وبعض التونسيين يقتاتون من المزابل...

ويؤكد محدثنا ان النخبة السياسية «الطارئة» يعتبر اخر همّهم التفكير في هذه الفئات الهشة والمعدمة فبعضهم يجهل ثمن «الخبزة».

كما ان مشاغلهم بعيدة كل البعد عن مشاغل الشعب. كما ان تفشي الفساد يعد من ابرز الاسباب التي تؤدي الى تفشي هذه الظاهرة ويضيف «اصبحنا نتحدث اليوم عن الثراء الصاعق والفقر الصاعق في الان ذاته 20 بالمائة يعيشون الرفاه و80 بالمائة في الحضيض».

غياب النجاعة المطلوبة...

عائلات معدمة احتضنتها المزابل و دفعتهم الحاجة وقلة الحيلة وحالة البؤس نحو مخاطر المصبات والمزابل مما يجعلهم مهددين بالأمراض التي قد تفتك بصحتهم في اي لحظة. فقدوا الأمل في أي لفتة من أصحاب الضمائر الحية الذين يتبجحون بفعل الخير فثورة الكرامة والحرية لم تنصفهم بل عمقت ازمتهم ولم تتكفل بهم الهياكل المعنية ولم تدرجهم الأحزاب والمنظمات في اجنداتها ليواصل اغلبهم مشوار «التبربيش» وتحمّل المعاناة والألم ..

الأزمة الاقتصادية...

تعود هذه الظاهرة بالأساس الى الازمة الاقتصادية الهيكلية التي تعاني منها البلاد منذ 10 سنوات حيث ارتفعت نسبة الفقر وفق الدراسة التي قدمتها «اوكسفام» ومعهد الدراسات الاستراتيجية ذلك ان المقدرة الشرائية للطبقة الوسطى انهارت بنسبة 40بالمائة وبالتالي معدل تراجع المقدرة الشرائية للطبقات الفقيرة اكثر من 40 بالمائة .اضافة الى ذلك فان 24 بالمائة من التونسيين تحت خط الفقر و15 بالمائة يعانون من الفقر المدقع اضافة الى تطور نسبة الامية ب19.1 بالمائة. ذلك ما بينه الخبير الاقتصادي الصادق جبنون معتبرا ان ذلك ما انتج جملة من المظاهر الاجتماعية السلبية على غرار «البرباشة» والمواطنين الذين ليس لهم مأوى وينامون في الشارع... وعديد الظواهر السلبية الاخرى. وهو نتيجة لعدم ايجاد عدالة في توزيع الثروة كما ان الاقتصاد غير قادر على تقديم القيمة المضافة كما ان نسبة البطالة بقيت على حالها 15.5 بالمائة ولم تتراجع اضافة الى ان التدخل العمومي ليست له النجاعة والسرعة المطلوبة بعد برغم توفر قانون «الامان الاجتماعي» الاخير الذي تمت المصادقة عليه بمجلس نواب الشعب مؤخرا الذي يهتم بالعائلات المعوزة اضافة الى عدم فاعلية منظومة الدعم ذلك ان 5.7 مليار دينار لا تذهب لمستحقيها وبالتالي نرى هذه المظاهر الاجتماعية مع مخلفات ظاهرة النزوح وتفقر النسيج الاجتماعي والعمراني في المناطق الداخلية للبلاد. وهذه الظاهرة هي نتاج لتحديات اقتصادية تتطلب اجابات جدية في الخمس سنوات المقبلة بعيدا عن التجاذبات السياسية العقيمة.

دعم الطبقة الوسطى

يعيش المفقّرون في عالم تحيط به هالة من الألم والمعاناة في ظل تناسي الهياكل المعنية لهم او لنقل هذه الظاهرة اصبحت أمرا مألوفا لديهم واخر همّهم هو الاحاطة بهذه الفئة المعدمة والبحث في السبل الكفيلة بحمايتهم من المخاطر التي تتربص بهم وحفظ كرامتهم فبعد الساعة الحادية عشرة ليلا يمكن ان نشاهد مظاهر تدمي القلوب لمواطنين يربشون في الفضلات التي تلقيها المطاعم في الحاويات وهو مظهر من بين عديد المظاهر التي تنتشر في عدد كبير من الاحياء في العاصمة و في المناطق الداخلية للبلاد.

هكذا تحدث السيد لطفي الرياحي رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك (منظمة غير حكومية) مضيفا: سابقا كانت الطبقة الوسطى تدعم الطبقة الضعيفة ولكن حاليا الطبقة الوسطى انصهرت بدورها مع الطبقة الفقيرة مما تسبب في تفشي هذه الظاهرة بشكل ملفت للانتباه وللقضاء على هذه الظاهرة لابد من اعادة دعم الطبقة الوسطى لتستعيد مكانتها وذلك لا يكون الا بتحديد سقف لهامش الربح لوضع حد للمضاربة والتغول وايضا عدم توريد اي منتوج له مثيله في البلاد وبذلك نحمي النسيج الاقتصادي ونتمكن من احتضان المهمشين والمفقرين ويختم محدثنا ان تغول راس المال ادى الى بروز هذه الظاهرة التي من الممكن ان تتفاقم اكثر اذا ما تواصل الوضع على ما هو عليه.